تعظيم مقام النبي ﷺ بالاتباع لا بالابتداع

محمد بن عبدالله التميمي
1447/03/05 - 2025/08/28 20:15PM
الخطبة الأولى
الحمد لله منَّ علينا بنعمٍ تَتْرَى، في الدين والدنيا، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره مما كان من اقتراف السُّوأى، والعصيان جهلًا بالعُقبى، أشهد ألا إلهَ إلا الله وحده له العبادة زُلفى وقُربى، وأشهد أن محمدًا عبدُه المجتبى، ورسولُه المرتضى، بَعَثَه بالنورِ الساطع، والضياءِ اللامع، فبلّغ عن الله عز وجل الرسالة، وأوضح فيما دعا إليه الدلالة، فكان في اتباع سنتِهِ لزومُ الهُدَى، وفي قبول ما أتى به الرفعةُ والسَّنا، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين وسلَّم تسليما. أما بعد:
فأوصيكم بوصية رسول الله ﷺ: «أُوصيكُمْ بِتقْوى اللهِ، والسَّمعِ والطاعةِ، وإنْ تَأَمَّرَ عليكم عبدٌ حبَشِيٌ، فإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنكمْ بَعدِي فسَيَرى اخْتلافًا كثيرًا، فعليكُمْ بِسُنَّتِي وسنَّةِ الخُلفاءِ المهديِّينَ الرّاشِدينَ، تَمسَّكُوا بِها، وعَضُّوا عليْها بالنَّواجِذِ، وإيّاكُمْ ومُحدثاتِ الأُمورِ؛ فإنَّ كلَّ مُحدَثةٍ بِدعةٌ، وكلَّ بِدعةٍ ضلالَةٌ».
عباد الله.. إن الناس في ظلامٍ دامِس، وليلٍ حالك، وفسادٍ مُطْبِق، لولا ما بعث اللهُ به الأنبياءَ والرسلَ، ونبيُّنا محمدٌ ﷺ به خُتِمَت النُّبوة فسُدَّت كل الطرق إلى الله إلا طريقَه ﷺ.
أرسلَه الله رحمةً للعالَمين فحصَلَ لهم النفعُ برسالتِه، ورحمتُه بالمؤمنين خاصَّة؛ قال الله تبارك وتعالى: {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ}، وجاء بالرحمة {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، وهو الرحمةُ المُهداة والنعمة المُسداة، ما تركَ خيرًا إلا دلَّ الأمةَ عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرَها منه؛ قال ﷺ: «ما يكُن عندي من خيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم»؛ متفق عليه.
ولا يتحقَّقُ إيمانُ العبدِ بالنبيِّ ﷺ إلا بطاعتِه؛ وقد أمرَ الله بطاعتِه ﷺ في أكثرَ من ثلاثين موضِعًا من القرآن، وقرَنَ طاعتَه بطاعتِه، وقرنَ بين مخالفتِه ومُخالفَتِه. الفوزُ بطاعته، والفتنةُ بمُخالفَته، وتُوعِّدَ ببراءَة النبيِّ ﷺ مَن رغِبَ عن سُنَّته.
ومن حقِّه ﷺ: ألا يُعبَد اللهُ إلا بما شرَع، لا بالأهواء والبِدَع، ولا رأيَ لأحدٍ مع سُنَّةٍ سنَّها رسولُ الله ﷺ؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: «من عمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» (رواه مسلم).
عباد الله.. إن حبَّ النبي ﷺ من أعظمِ واجِباتِ الدين، محبَّةً زائِدةً على محبَّة جميعِ الخلق حتى على النفسِ؛ قال ﷺ: «لا يُؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والدِه وولدِه والناسِ أجمعين»؛ متفق عليه. ولا ينالُ العبدُ حلاوةَ الإيمان إلا بذلك؛ قال ﷺ: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجدَ بهنَّ حلاوةَ الإيمان: أن يكونَ الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سِواهُما» الحديث.. متفق عليه. والصادقُ في محبَّته يُحشَرُ معه في الآخرة؛ جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ الله! كيف تقولُ في رجُلٍ أحبَّ قومًا ولم يلحَق بهم؟ فقال رسولُ الله ﷺ: «المرءُ مع من أحبَّ» متفق عليه. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أفرادا من متأخري هذه الأمة محققين لمحبته، يودون لو حصلت له رؤيته مقابل أموالهم وأولادهم، روى مسلمٌ في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "من أَشَدِّ أُمَّتِي لي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لو رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ".
عباد الله.. إن مما يُرسخ هذه المحبة له ﷺ، ويقويها وينميها: النظر في سنته وسيرته صلى الله عليه وسلم، بما حَصل له وجَرى عليه، وبِمَ أَمَر، وعمَّ نَهى، فإن معنى الشهادة له ﷺ بالرسالة: "طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله تعالى إلا بما شرع ﷺ". فلا يكون غلوٌ في حقه ﷺ بأن يُرفع عنه مقام العبودية والرسالة، ففي صحيح البخاري أنه ﷺ قال: "لا تُطْرُونِي كما أَطْرَتْ النَّصَارَى بن مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أنا عَبْدُهُ فَقُولُوا عبد الله وَرَسُولُهُ"، فلا يُدعى ولا يُستغاث به وإنما من حقه الدعاء له بأن يصلي الله عليه ويسلم، وذلك في كل يوم، وزيادة من ذلك في هذا اليوم، فإن يوم الجمعة سيد الأيام فنكثر من الصلاة والسلام على سيد الأنام، عليه الصلاة والسلام.
أقول قولي هذا وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهرَه على الدِّين كُلِّه، وكفى باللَّه شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما مزيدا. أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله وأطيعوا، واتَّبِعُوا ولا تَبْتَدِعُوا، واعلموا أن محبةَ رَسُول الله ﷺ من محبة الله، ودعوى محبة الله برهانُها متابعةُ الرسولِ ﷺ كما قال جلَّ ذِكْرُه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
وقد بعث الله محمدا ﷺ بتحقيق التوحيد وتجريده، ونفي الشرك بكل وجه، وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} فأخبر أنه أرسله داعيا إليه بإذنه فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ومن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع، والمبتدع يؤول إلى الشرك، ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك.
وقد زين الشيطانُ لكثير من الناس سوءَ عملهم واستزلَّـهم عن إخلاص الدين لله إلى أنواع من الشرك والبدعِ التي منها اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال: إنها ليلة المولد فإنها من البدع، ومن جعل شيئا دينا وقربة بلا شرع من الله فهو مبتدع ضال وهو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: «كلُّ بدعة ضلالة».
إنَّ بدعة المولد أُحدثت بعد القرون المُفضلَة، ولو كان خيرٌ لهدى النبيُّ ﷺ الناسَ إليه ولسبق إليه صحابتُه رضوان الله عليهم، وإذْ تقرر هذا فإنه قد يصلكم عبر هذه الأجهزة من غازٍ علينا أو جاهلٍ منا بعضُ مظاهر الاحتفال بهذا الموسم غيرِ المُعظَّم، فكن لذلك منكرا ولمن أرسل محذرا، وهكذا قد يصل ما دون ذلك من تذكير بنَشْرِ مُعجزاتِ النبيِّ ﷺ، وذِكرِ أخلاقِه وآدابِه، والتعريفِ بحقوقِه، أو حثٍّ على كثرة الصلاة والسلام عليه في يوم مولده، فلا يُخص ذلك بهذا اليوم، بل هو واجبٌ في كلِّ وقتٍ.
فاللهم صلِّ عليه وسلِّم، وارض اللهم عن أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، واجعلنا لمحبته محققين، وبهديه متمسكين.
 
 
 
المرفقات

1756401324_DOC-20250827-WA0044..pdf

المشاهدات 800 | التعليقات 0