تَعْوِيدُ النَّفْسِ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ اسْتِعْدَادًا لِرَمَضَانَ.

عادل بن عبد العزيز الجهني
1447/08/10 - 2026/01/29 21:00PM

 

 

 

 


خُطْبَةٌ: تَعْوِيدُ النَّفْسِ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ اسْتِعْدَادًا لِرَمَضَانَ.

 


الخُطْبَةُ الأُولَى

 


الحمدُ للهِ الَّذي جَعَلَ لَنا مِنَ الأزْمِنَةِ نَفَحاتٍ، يُوقِظُ بِها القُلُوبَ، ويُجَدِّدُ بِها العَزائِمَ، ويُقوِّي بِها قَلْبَ السَّائِرِ إلى رَبِّهِ، نَحْمَدُه سُبحانَه، ونَسْتَعِينُه ونَسْتَغفِرُه، ونَعُوذُ باللهِ مِن شُرورِ أَنْفُسِنا وسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له.

وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه، خيرُ مَن عظَّمَ أمرَ ربِّه، ورغِبَ فيما عندَ مولاه، صلّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليه، وعلى آله وصحبِه أجمعين.

 


أمّا بعدُ:

فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التُّقوى، والزَموا أمرَ ربِّكم؛ فإنَّ في تقوى اللهِ النَّجاةَ والفلاحَ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

 


عبادَ اللهِ،

تتَعاقَبُ الأيّامُ بسرعةٍ عجيبةٍ، فلا يكادُ يبدأُ شهرٌ إلَّا وينتهي، حتّى صِرنا نشعرُ بسرعةِ مُرورِ السِّنينِ بما يتعجَّبُ منه المرءُ، فالوقتُ يمضي والآجالُ تقتربُ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥]، فالخاسرُ مَن أضاعَ وقتَه، والرابحُ مَن عمَرَه بالطاعةِ.

 


وإنَّ هذه السُّرعةَ ـ يا عبادَ الله ـ لتجعلُ الموفَّقَ يغتنمُها في القُرُباتِ، ويجتهدُ في الباقياتِ الصالحاتِ؛ فالزمنُ ينتهي، والعمرُ ذاهبٌ، والعاقلُ الناصحُ لنفسِه يُحدِّثُها بأنَّ عُمُرَه ماضٍ، فيُحسِنُ استغلالَه، ويُمضيه فيما ينفعُه عند ربِّه.

 


أيُّها المؤمنونَ،

إنَّ من رحمةِ اللهِ بعبادِه أن جعلَ لهم مواسِمَ يتداركونَ فيها ما قصَّروا، ولعلَّ من أعظمِ هذه المواسِمِ شهرُ شعبانَ، الَّذي جعله اللهُ تَقدِمَةً لخيرِ شهورِ العامِ.

 


وهو شهرٌ يغفلُ عنه كثيرٌ من الناسِ، مع أنّه شهرُ مُضاعفةِ العملِ، فقد كان عليه الصلاةُ والسلامُ يصومُ أكثرَ شعبانَ، حتّى قالت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: (ولم أَرَه في شهرٍ أكثرَ صيامًا منه في شعبانَ، كان يصومُ شعبانَ كلَّه إلّا قليلًا، بل كان يصومُ شعبانَ كلَّه).

ولمّا سُئِل عن كثرةِ صيامِه فيه قال ﷺ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». رواه النسائي.

 


فذكرَ ﷺ علّتَينِ لاجتهادِه فيه:

العِلَّةُ الأولى غفلةُ الناسِ عنه، والعملُ في زمنِ الغفلةِ أعظمُ أجرًا.

والعِلَّةُ الثانية رفعُ الأعمالِ فيه، ولا شكَّ أنَّ مَن عَلِمَ أنَّ عملَه سيُرفَعُ إلى اللهِ اجتهدَ أن يُكثِرَ منه، ويُزيِّنَه ويُجمِّلَه ويُكمِلَه كأحسنِ ما يكونُ، ويجتهدَ في الإخلاصِ فيه، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.

 


فشعبانُ شهرُ البَذرِ لرمضانَ، مَن بذرَ فيه الخيرَ جنى ثمرتَه في شهرِ الخيرِ والبركاتِ، ومَن تكاسلَ فيه وجدَ من نفسِه الضَّعفَ عند دخولِ الموسمِ.

 


عبادَ اللهِ،

إنَّ تعويدَ النفسِ على العملِ الصالحِ بالتدرُّجِ، والتمرُّنِ والتدرُّبِ سُنَّةٌ ربانيّةٌ، وهديٌّ نبويٌّ ثابتٌ، ووصيّةٌ اجتمعتْ عليها طريقةُ العلماءِ؛ فالنفسُ إن أُخِذَتْ دفعةً واحدةً شقَّ عليها ذلك، وإن سِيقَتْ إلى الطاعةِ بالتدرُّجِ لانَتْ واستجابتْ، وقد قال ﷺ: «خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا». أخرجه البخاري ومسلم.

 


ولذلك شُرِعَتِ المواسِمُ، وجُعِلَ قبلَ رمضانَ شهرٌ يُدرَّبُ فيه العبدُ نفسَه على الأعمالِ الصالحةِ، والتي فيها الخيرُ كلُّه لصاحبِها، فيعوِّدُ صاحبُها البدنَ على الصيامِ، فيصومُ ما يستطيعُ صيامَه من أيّامِ هذا الشهرِ، الَّذي ـ كما تقدَّم ـ كان هديُ النبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم فيه أن يُكثِرَ من الصيامِ.

 


ويعوِّدُ اللسانَ على التلاوةِ والذِّكرِ، وذلك بتفريغِ الوقتِ له، لا تلاوةً عابرةً متى ما وجدَ فرصةً، بل يسعى في تفريغِ الوقتِ لهما.

 


ويعوِّدُ البدنَ على القيامِ، فيقومُ ما استطاعَ في ليلِه، ويُكثِرُ من الصدقةِ الخفيّةِ ما يسدُّ به حاجةَ المحتاجينَ، وغيرها من الطاعاتِ التي تنفعُه، حتّى إذا ما دخلَ رمضانُ تهيَّأتِ النفسُ لهذه القُرُباتِ.

 


فمَن دخلَ عليه رمضانُ بلا استعدادٍ للأعمالِ الصالحةِ ثَقُلَ عليه الصيامُ، وشقَّ عليه القيامُ، وضعُفَتْ همّتُه بعدَ أيّامٍ، والواقعُ خيرُ شاهدٍ للجميع.

ترى الكثيرَ في أوّلِ أيّامِ شهرِ رمضانَ يُقبِلون على الطاعاتِ، فصفوفُ صلاةِ التراويحِ كثيرةٌ، والمصاحفُ بينَ الأيادي مفتوحةٌ، والذِّكرُ ملازمٌ للألسنِ، والدعواتُ تُرفَعُ في كثيرٍ من الأوقاتِ، ثمّ لا يلبثونَ أن تخورَ قواهم، ويعودوا إلى ما كانوا عليه قبلَ رمضانَ من الكسلِ والتفريطِ.

أمّا مَن عوَّدَ نفسَه في شعبانَ، وألِفَ الطاعةَ قبلَ الموسمِ، دخلَ عليه رمضانُ وهو نشيطٌ، حاضرُ القلبِ، قويُّ العزيمةِ، واستمرَّ على الطاعةِ، ونفعه ما قدَّم.

 


عبادَ اللهِ،

إنَّه لِضعفِنا صِرنا نتحيَّنُ هذه المواسِمَ للإقبالِ على الطاعةِ، وإلّا فالأصلُ أن يكونَ المؤمنُ ملازمًا لطاعةِ ربِّه في كلِّ حالٍ، قال ﷺ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». أخرجه البخاري ومسلم.

فاجتهدوا ـ عبادَ الله ـ في هذه القُرُباتِ، وأكثروا من الطاعاتِ، فإنَّها سبيلُ الخيرِ والفلاحِ.

 


أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم، فاستغفِروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ…

 


الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

 


الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه.

 


أيُّها المسلمونَ،

إنَّ شعبانَ ليس شهرَ الأماني فقط، ولا شهرَ الحديثِ عن رمضانَ فحسب، بل هو شهرُ الصدقِ مع النفسِ، والإحسانِ إليها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.

 


فمَن أرادَ أن يكونَ رمضانُه مختلفًا، فليبدأِ التغييرَ من شعبانَ، فيهجُرِ الذنوبَ والمعاصي، ويُجاهِدْ نفسَه على ذلك؛ فلا سلامةَ من الذنوبِ إلّا بالمجاهدةِ وقوّةِ العزيمةِ.

وأيقِنوا ـ عبادَ الله ـ أنَّ أعظمَ أسبابِ الحرمانِ من الطاعةِ الذنوبُ، فتخلَّصوا منها، وتخفَّفوا من أوزارِها، واقبِلوا على هذا الموسمِ بنفوسٍ مطمئنّةٍ متخفِّفةٍ من أثقالِها.

 


واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ اللهَ كريمٌ، إذا رأى من عبدِه صدقَ الاستعدادِ أعانَه، وإذا رأى من قلبِه إقبالًا فتحَ له أبوابَ الخيرِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.

 


فاسألوا اللهَ أن يُبلِّغَكم شهرَ رمضانَ، وأن يُعينَكم فيه على الصيامِ والقيامِ، وأن يجعلَ شهرَ شعبانَ شهرَ إصلاحٍ للقلوبِ، وتعويدٍ للنفسِ على العملِ الصالحِ.

 


ألا وصلُّوا على نبيِّكم عليه الصلاةُ والسلامُ، فقد أمركم اللهُ بذلك في قولِه:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾.

وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَنْ صلّى عليَّ صلاةً واحدةً صلّى اللهُ عليه بها عشرًا».

 


اللهمَّ أَعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ،

اللهمَّ احفَظْ بلادَنا وبلادَ المسلمينَ،

وأيِّدْ بالحقِّ إمامَنا خادمَ الحرمينِ الشريفين، ووليَّ عهدِه، واجزِهم عنّا وعن المسلمينَ خيرَ الجزاء.

اللهمَّ بلِّغْنا رمضانَ ونحنُ في أتمِّ صحّةٍ وأقوى عزيمةٍ، يا رحيمُ يا رحمنُ.

اللهمَّ هيِّئْ نفوسَنا للطاعةِ، واصرِفْها عن المعصيةِ،

واجعلْنا من المقبولينَ الفائزينَ.

اللهمَّ أصلِحْ نيّاتِنا وذرِّيّاتِنا، واغفرْ لوالدينا ولجميعِ المسلمينَ.

 

المشاهدات 745 | التعليقات 0