تمشي على استحياء

الخطبة الأولى:

الحمدُ للهِ الجميلِ في وصْفِه، الحكيمِ في أمْرِه ونَهْيِه، الرحيمِ بجميعِ خلْقِه، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، المبعوثُ بالحِكمة والقرآن، والرُّشدِ والإحسان، وعلى آله وأصحابه خيرِ صَحْبٍ وآل، ومَن أحبَّهُم في كلِّ زمانٍ ومكان، وسلم تسليما مزيدا.. وبعد:

عباد الله:

لما خرج نبي الله موسى من مصر خائفا قاصداً أرض مدين وقد دعا الله بأحسن دعاء فقال: (عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ ) فهداه الله وكفاه وأمّنه  وزقه وزوجه وآواه، بينما هو ينظر للناس عند بئر مدين، وجد من بين الناس امرأتين كلما تقدمت غنمهما أبعدها الرجال...

فلما رأى كليم الله موسى هذا المنظر أخذته مروءة الرجال وأخلاق الكبار فقَالَ لهما ( مَا خَطْبُكُمَا )  أي: ما شأنكما بهذه الحالة)   قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ(   أي: لا يُمكن أن نسْقي ونأخذ من الماء, حتى ينتهي الرعاة من سقي مواشيهم، فإذا انتهوا ولم يزاحمونا سقينا ( وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) هذا عذرنا ليس لنا مال فيخدمنا مملوكنا، ( وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ )  ...

( فَسَقَى لَهُمَا ثم تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) دعا الله بافتقار جميل وبتودد

عظيم ... فجاءه الفرج من فارج الهم وكاشف الغم ( فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء(

جاءته بعدما سألهما أبوهما عن سبب عودتهما مبكرتين فقصا عليه القصة فأُعجب بأخلاق هذا الرجل الغريب، فأرسل إحداهما إليه لكي تأتي به حتى فرج الله عن موسى وأمنه الله بعد خوف أغناه بعد العيلة وأكرمه واصطفاه عليه سلام الله... والقصة بتمامها موجودة في مظانها...

ولكن الذي يعنينا اليوم عباد الله والفائدة المهمة التي سيقت من أجلها صدر قصتنا اليوم هو قوله سبحانه ( فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء) وأرخوا السمع عباد الله لقول عمر رضي الله عنه وهو يشرح هذه الآية فيقول: " جاءت تمشي على استحياء، قائلةً بثوبها على وجهها، ليست بسَلْفعٍ من النساء، خرَّاجة  ولَّاجةً "

تأملوا تفسير الفاروق رضي الله عنه: ( جاءت تمشي على استحياء، قائلةً بثوبها على وجهها ) قائلة يعني واضعة ثوبها على وجهها، رجل أجنبي عنها وهذا فيه أن تغطية الوجه عن الرجل الأجنبي من ذلك الزمان وإلى آخر زمان الشرفاء الأطهار، وهو من كمال عفة المرأة وعظيم حياءها،  ( ليست بسَلْفعٍ من النساء، خرَّاجة  ولَّاجةً)

ومن هي المرأة السلفع يا أمة الحياء والعفة: هي المرأة الجريئة التي تخاطب الرجال ولا تبالي وكأنها رجل مثلهم، ربما رفعت صوتها عليه، وربما سبت وشتمت وتجرأت بغير ذلك..

 " خرَّاجة ولَّاجةً " أما الخرَّاجة الولَّاجةً فهي المرأة التي تخرج من بيتها كثيرا وحتى لأتفه الأسباب، وقد قال الله لنساء رسول الله أطهر النساء وأكثرهن تقى وعفافا قال: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ) وفي قراءة أخرى صحيحة قال الله   (وَقِرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) أما قَرْن فبمعنى القرار في البيوت ولا تخرج إلا لحاجة وأما قِرن فمن الوقار، ومن القراءتين أخذ أهل التفسير معنى عظيم وهو أن وقار المرأة في قرارها في بيتها ... المرأة الوقورة هي التي تكثر من القرار في بيتها، أما الخراجة الولاجة فهي أبعد ما تكون من الوقار..

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ) كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال ، وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج وربما ألقت الخمار على رأسها إلقاءً ولا تشده فتتكشف قلائدها وشعرها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، فذلك تبرج الجاهلية...

 

أيها المسلمون: بشروا من وراءكم من نسائكم العفيفات بهذا الحديث العظيم

روى ابن كثير رحمه الله  في تفسيره عن أنس رضي الله عنه قال: جاء النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن : يا رسول الله ، ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى ، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قعد منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله  "

اللهم استر عوراتنا اللهم استر عوراتنا اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم إنا نسألك لنا ولنساء المسلمين الهدى والتقى والعفاف والغنى وأنت السميع العليم..

 

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله أمر بحراسة الفضيلة ونهى عن الرذيلة وقال ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله كان أشد حياءً من العذراء، وأشد غيرةً من الكتيبة الخرساء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الغيورين على دينهم وأعراضهم ومحارمهم وسلم تسليماً كثيراً.

 

ومن أعظم فوائد هذه القصة العظيمة والتي تؤخذ من قول الله ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) قالت إن أبي يدعوك، أبي الذي يدعوك، لست أنا من يدعوك، الأب والأخ والابن حارس حامٍ على محارمه وأهله، يحوطهم من أعين الذئاب والزناة ومُحبي الشهوات، لطالما شدد الإسلام على وجود المحرم مع المرأة وعدم خلوتها ولو للحظة مع الرجل الأجنبي

كما قال  ( لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافر امرأة إلا ومعها محرم(   فقام رجل فقال: يا رسول الله، إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وخرجَت امرأتي حاجة؟ قال: "اذهب فحج مع امرأتك"

رجل كُتب من المجاهدين سيجاهد في سبيل الله ويسمع هذا الحديث من رسول الله فيستفتيه ويقول إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وخرجَت امرأتي حاجة؟ خرجت من غير محرم يحوطها ويعينها ويقضي حوائجها فيفتيه ويقول: " اذهب فحج مع امرأتك"

أما في السفر فالجريمة أعظم وأخطر قال -صلى الله عليه وسلم  "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم"

كان بإحدى البلاد امرأةٌ صالحة عاقلة وكانت معها فتاة، فإذا أرادت الخروج من البيت، قالت لابنها:

 اخرجْ مع أختك؛ فإن المرأة دون رجل يحميها ويوسع لها الطريق؛ كالشاةِ بين الذئابِ يتجرأ عليها أضعفُهم.

 

قدمت امرأةٌ إلى مكة تريد الحج والعمرة، وكانت من أجمل النساء. فلما ذهبت ترمي الجمار رآها عمرُ بن أبي ربيعة الشاعرُ المعروف. وكان مغرما بالنساء والتغزلِ بهن فكلمها فلم تجبْه.

فلما كانت الليلة الثانية تعرض لها ، فصاحت به: إليك عني؛ فإني في حرم الله، وفي أيام عظيمة الحرمة ؟

فألحَّ عليها، فخافت من افتضاحِ أمرها، فتركته ورجعت إلى خيمتها، فقالت لأخيها في الليلة الثالثة: اخرج معي فأرني المناسك، فلما رأى عمرُ بن أبي ربيعة أخاها معها، مكث في مكانه، ولم يتعرض لها.

فضحكت وقالت كلمتها المشهورة:

تعدو الكلابُ على من لا أسودَ لها       ***             وتتقي صولةَ المستأسدِ الضاري

فلما سمع أبو جعفر المنصور هذه القصة قال: ( وددت لو أنه لم يبق فتاةٌ من قريش إلا سمعت بهذا الخبر )

ونحن والله وددنا أنه لا يبقى رجل مسلم ولا امرأة مسلمة إلا سمع ووعى وعقل هذا الخبر وغيره من أخبار أهل الغيرة والتقى، فالله الله عباد الله في حراسة الأعراض وحمايتها وحياطتها، والله الله في تذكير النفوس والأهل بعظيم أجر العفة والعفاف والحشمة والغنى...

وقانا الله وإياكم السوء والفحشاء وجعلنا أجمعين من عباده المخلصين ...

 

المرفقات

1777631794_تمشي على استحياء.docx

المشاهدات 52 | التعليقات 0