تملأ الميزان

الخطبة الأولى:

الحمد لله أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لله تعالى عبد، أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه وبعد:

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا ) ، ومن القول السديد عباد الله بل من أعظمه أن  يديم المسلم المتقي على لسانه قول ( الحمد لله ) ..

 ( الحمد لله ) .. يا عباد الله من أعظم الكلمات وأحبها إلى الله، بها تغفر الذنوب، وترفع الدرجات، وبها تكثر النعم وتربو، وبها يبارك الله للمرء في أهله وماله، لإن شكرتم لأزيدنكم و " أفضل الدعاء الحمد لله"

ومن بشائر الخير التي جاءت على لسان وجه الخير ﷺ قوله كما صح عند مسلم ( والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ المِيزانَ، وسُبْحانَ اللهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ ما بيْنَ السَّمَواتِ والأرْضِ )

أي: إنَّها تُوزنُ فتَملأُ ميزانك بالأجرِ والثَّوابِ، فتُرَجَّحُ كِفَّتُه، وذلك يومَ القيامةِ يومَ تُوزَنُ أعمالُ العبادِ، والميزانُ الذي تُوزَنُ به الأعمالُ يَومَ القيامةِ ميزانٌ حَقيقيٌّ لا يُشبِه مَوازينَ الخَلقِ، ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ )

وإذا تأملت أيها المسلم كلمة الحمد وما رتّب الله لقائلها لتتعجبن أشد العجب من عظمها عنده سبحانه، وتعجب أشد العجب من شدة تفريطنا وغفلتنا عن قولها:

ففي فاتحة الكتاب أول الكلام الحمد لله رب العالمين لا يقبل الله صلاة إلا بها، وعند الركوع يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، فيقول ويقول من خلفه : ربنا ولك الحمد،

وأخرج البخاريُّ أن رسول الله ﷺ كان يصلي فلما رفع رأسه من الركعة قال: (سمِع الله لِمن حمده) فقال رجُلٌ وراءه: ربَّنا ولك الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه، فلمَّا انتهى رسول الله من صلاته قال: ((من المتكلِّمُ؟))، قال الرجل: أنا، قال: (( رأيتُ بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيُّهم يكتُبُها أولُ))

وبعد الصلوات وقبل النوم ثلاثاً وثلاثين تحميدة يقولها العبد، وكان ﷺ ما لا يحصى إذا تكلم وإذا خطب يقول الصحابة: حمد الله وأثنى عليه، وكان إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال، فهو دائماً يحمد الله

وكان يقول قبل أن ينام: الحمدُ لله الذي أطعمني وسقاني وكفاني وآواني فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي

 وعند القيام من النوم يقول: الحمد لله الذي رد عليَّ روحي.

والحمد في الطعام عبارات عظيمة عجيبة خرجت من فيِّ رسول الله ﷺ  ومن أقواله ﷺ ( من أكل طعامًا ثم قال: الحمد للهِ الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة ، غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنبه ، ومن لبِسَ ثوبًا فقال : الحمدُ للهِ الّذي كسَانِي هذا ورزقنيه من غيرِ حولٍ مني ولا قوة ، غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنْبِهِ (صحيح الجامع

نأكل من رزقه ويكسونا سبحانه من فضله ثم إذا حمدناه وتبرأنا من حولنا وقوتنا ونسبنا الفضل لله وحده غفر لك ما تقدم من ذنوبنا، بل وبشراك ثم بشراك برضوانه سبحانه كما صح الخبر عن أصدق البشر ﷺ حين قال:

( إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا )

 

فاللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم رضِّنا وارض عنا وارزقنا ذكرك وشكر نعمتك وحسن عبادتك...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله  كم يُمحى بها الألَمُ                  الحمد لله  كم يُشفى بها السَّقمُ

                             الحمد لله كم تصفو الحياة بها               الحمد لله كم تَعلو بها الهِمَمُ

         الحمد لله ردِّدها على ثقةٍ                      بمَنْ لهُ الجودُ والإنعامُ والكرمُ

الحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد...

عبد الله: إن كثرة حمدك لربك سبحانه يدلّ على صحة عقيدة قد أنعم الله بها عليك فاشكر الله تعالى عليها واسأله الثبات على هذا الفضل الذي هُديت إليه، ألا وإن من جليل نعم ربنا ما أسدى به على هذه البلاد المباركة من أمن واستقرار، تخرجون من بيوتكم آمنين على أهلكم، وتخلدون إلى نومكم وقد أقر الله عيونكم باجتماعكم، يسافر أحدنا من شرق البلاد إلى غربها لا يحمل همّ عدو متربص ولا جوع ولا ضمأ، وقد تحقق فينا قول نبينا (مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا) أمن في الأوطان، وسلامة وعافية ورزق وإسلام، لا نزاعات ولا فرقة ولا شتات، فمن أسدى علينا هذه النعم؟ من الذي أفاء علينا هذه الخيرات والبركات؟ من الذي بسط الأمن؟ من الذي جمع الكلمة ووحد الصف؟ من الذي منّ علينا بكل مِنَّة؟ وأزال عنا كل وبلاء ونقمة وغُمّة ؟

إنه الله جل جلاله، هو المنعم وهو المتفضل الكريم الجواد الوهاب ( وما بكم من نعمة فمن الله )، فنحمد الله على عظيم أفضاله وجزيل إنعامه، وإن من مستلزمات حمده ومقتضيات شكره أن يُتقى ويُخشى ويُذكر فلا يُنسى، أن يُتقى ويُخشى ويُذكر فلا يُنسى، يُطاع أمره، ويُنتهى عن نهيه، وإلا فكل نعمة إلى زوال وكل منحة إلى اضمحلال، إذا كُفرت النعمة واستُبدل الحمد بالشرك والكفر أو المعاصي وظهور الفواحش والمنكرات، ونعوذ بالله من تبدل الأحوال، وسوء المآل.

ألا فأديموا على ألسنتكم شكر ربكم وحمدَه والثناءَ عليه بما هو أهله في كل أحوالكم فلإن شكرتكم وتبرأتم من حولكم وقوتكم ونسبتم النعم إلى ربكم وحده فلقد وعد الإله القدير لكم بالزيادة والإدامة ولإن كفرتم وجحدتم ونسبتموها لأنفسكم أو لغيركم عوقبتم بزوال النعم وحلول النقم عياذا بالله من سخطه وغضبه وعقابه...

اللهم اجعلنا لنعمائك شاكرين وعند البلاء من الصابرين، ونعوذ بك من حال اليائسين والجاحدين والقانطين.

 

المرفقات

1777631747_تملأ الميزان.docx

المشاهدات 52 | التعليقات 0