حث الإسلام على المحافظة على البيئة

حث الإسلام على المحافظة على البيئة 1447/7/20هـ

أيها الإخوة: أشكروا الله على ما أولانا من نعمٍ عظيمة؛ فإن شكره تعالى من التقوى، ومن أعظمِ هذه النعم بعد خلقِنا أنَّهُ استخلفَنا في هذه الأرض، قال سبحانه: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود:61] قال الشيخ السعدي-رَحِمَهُ اللهُ-: "(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ) أي: خلقَكم فيها (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) أي: استخلفكم فيها، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، ومكنكم في الأرض، تبنون، وتغرسون، وتزرعون، وتحرثون ما شئتم، وتنتفعون بمنافعها، وتستغلون مصالحها، فكما أنه لا شريك له في جميع ذلك، فلا تشركوا به في عبادته." أهـ

وهذا التمكين هو في عرف علماء الجغرافيا والطبيعة التمكين من البيئة ويقصد بها عندهم: الوسط المكاني الذي يعيش فيه الإنسان، أو يرتاده بما يضم من مخلوقات الله تعالى الطبيعية من جبالٍ وسهولٍ ورمالٍ وبحارٍ وأنهارٍ، وما فيها من نباتٍ وشجرٍ وحيوانات وغيرِها، أو ما يحدِثُهُ البشرُ من تحسينات، يتأثرُ بها الإنسان ويؤثر فيها.

واستَخْلفَ اللهُ الإنسان في الأرض ليعمرَها، ويحافظ عليها ويتعبد لله تعالى فوقها.. والخلافةُ في الأرض تقتضي تمام المسؤولية بأن يتصرف فيها تصرف الأمين؛ بِأَنْ يستثمرَ خيراتَها، ويحافظَ عليها، يتعامل معها برفق وأسلوب رشيد، ولم يجعل اللهُ الإنسانَ مالكًا لها يتصرفُ فيها بأنانية، ويدمرُها من أجل مصالحه الذاتية المؤقتة، أو لمجرد العبث الخالي من المسؤولية، بل لينتفعَ الأحياءُ بها الآن، ومِنْ بعدِهم الأجيال القادمة إن شاء الله، ولو أفسدها الأجدادُ وعبثوا بها لم نجد ما ننتفع به الآن، ولا ما نستمتع به.

أيها الإخوة: والإسلام يدعو للمحافظة على البيئة.. وينهي أشد النهي عن تلويثِ البيئة والتعاملِ الجائر معها، ويعُده منافيًا لتعاليمه، فقد دعا إلى تجنيبِها كلَ جَوْرٍ أو تلويثٍ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» رواه أبو داود عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وصححه الألباني. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ» رواه الطبراني عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وحسنه الألباني.. أي جاز لعنه إذا لم يكن مُعينًا.. أما إذا كان معينًا فالأصح عدمه.. ولم يقتصر الإسلامُ على النهي عن التلويث والإفساد في البيئة، بل حث على إزالةِ الأذى إذا وجد وقُدِرَ على إزالته، وجعلَه جزءًا من الإيمانِ وسببًا للمغفرةِ ودخولِ الجنة فقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.. وقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ» رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «اعْزِلِ الْأَذَى، عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ» رواه مسلم..

أحبتي: هل بعد هذا الوعيد والحث مُتْسَعٌ لمسلم بأن لا يبالي أين رمى المخلفات.؟ أو أين وضع القاذورات.؟ وهل بعده مُتْسَعٌ لمن ترك مخلفات رحلته في مكان جلوسه ولم يضعها في الحاويات.؟ فكم في المنتزهات من الْمُخلفات البلاستيكية والزجاجية والمعدنية وبقايا الطعام وغيرها، مما يضر بالإنسان والنبات والحيوان.. فهي تشكل خطرًا بالغًا على الماشية، وقد تؤدي إلى مرضها أو نفوقها.. وفي هذا تعدٍ وإضرارٍ بالثروة الحيوانية التي جعلها الله سببًا للرزق.. والضررُ في الشريعة محرمٌ مهما كان نوعه، ويزدادُ الإثم إذا ترتب عليه تلف أو هلاك.. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ ضَارَّ ‌ضَارَّ ‌اللَّهُ ‌بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» رواه الترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، عَنْ أَبِي صِرْمَةَ مالك بن قيس المازني –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ– وقال الألباني حسن.. ولو لم يخبر -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- بهذا الوعيد وهذا الوعد لعُدَّ ملوثو البيئةِ مخالفون للذوق والأدب فكيف وهم مخطئون آثمون.!

‌‌ومن المخالفات المضرة بالبيئة والممتلكات، والمشوهة لها إلقاء مخلفات البناء والمشاريع في غير الأماكن المخصصة لها، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «‌لَا ‌ضَرَرَ ‌وَلَا ضِرَارَ» رواه أحمد ابن ماجة وصححه الألباني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما– وينبغي لمن رأي مخالِفًا لذلك الإبلاغ عنه..

أيها الإخوة: هذا أجر من لم يلوث البيئة ومن أزال الأذى عنها.. فما بال أناسٍ يفسدون ما أنبته الله من العُشب والكلاء بسيارتهم ودراجاتهم النارية روحة وجيئة بلا هدف، ويفحطون فيها، وكأن أحدهم قد استُؤجر لحرثِ الأرض! لقد أفسد هؤلاء الغطاء النباتي فأصبحت البراري القريبة مجدبة لا تنبت.! وكسَّروا الأشجار وقطعوها بلا مبرر مع منع ذلك من الجهات الرسمية، وحُرم الناسُ من الاستمتاع بجمال الخُضرة، وطيبِ المقام فيها، وحُرم أصحابُ المواشي من الرعي فيها.. ثم ما يترتب على هذه التصرفات الهوجاء من حوادث راح ضحيتها أنفس، أو حدثت بسببها إصابات بالغة من كسور أو جروح أو إعاقات دائمة، وربما فقد بعضهم الوعي وبقي ميتا بين الأحياء، وصار خسارة وعالة على أهله ووطنه..  

وقريب من هؤلاء من يوقدون النار بالأشجار أو يجورون في الاحتطاب ويشعلون النار في أي مكان دون النظر لمنع ذلك من ولي الأمر الذي تجب طاعته فيها...

وربما ترك بعضهم النار أو الجمر حيًا في خيمته ونام، والنار عَدُوٌّ غَيْرُ مَزْمُومٍ بِزِمَامٍ لَا يُؤْمَنُ لَهَبُهَا فِي حَالَةِ نَوْمِ الْإِنْسَانِ، فقد «احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ فَحُدِّثَ بِشَأْنِهِمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ ‌لَكُمْ، ‌فَإِذَا ‌نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ.» رواه البخاري ومسلم فَعَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

أيها المتنزهون: ارفعوا الأذان والإقامة لكل صلاة مفروضة ولو كان المتنزه وحده، ويتأكد مع الجماعة، فقد ورد الحث على ذلك فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا كَانَ الرَّجُلُ بِأَرْضِ قِيٍّ [أي فلاة] فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَلْيَتَوَضَّأْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً فَلْيَتَيَمَّمْ، فَإِنْ أَقَامَ صَلَّى مَعَهُ مَلَكَاهُ، وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ مَا لَا يُرَى طَرَفَاهُ» رواه عبد الرزاق في المصنف والطبراني في الكبير وصححه الألباني.. اللهم فقهنا في ديننا واجعلنا من الراشدين.

الخطبة الثانية

أيها الإخوة: اتقوا الله حق التقوى واعلموا أنه يجب على الجهات المعنية وعموم المواطنين العناية بمجاري السيول كالأودية والتلاع وأماكن تجمعها كالمسايل، والمحافظة عليها نظيفة وخالية من الحواجز والمباني، فما عند الله من الخير وما يرسله من الغيث لا حدود له، ولا تنسينا أيام القحط وقلة الأمطار أيام كثرتها وتداركها فكم دمرت من ديار ومزارع وغيرها..

ومن الأخطاء التهاون بالنزول إلى الأودية والشعاب وهي تتدفق، أو خوضها بالسيارات، لما يترتب على ذلك من أخطار وهلاك.. وفي كل عام تنقل وسائل الإعلام حوادث الغرق، بسبب تهاون بعض الناس ومجازفتهم، أو مغامرتهم، وعدم تفكيريهم بالعواقب، وربنا يقول محذراً: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة:195]

كما يُنهى عن النوم بالشعاب ومجاري السيول: قال شيخنا محمد العثيمين رحمه الله: "لا يبيت الإنسان في مجاري السيول، لأن السيول قد تأتي بدون شعور، فيكون في ذلك ضرر؛ ولهذا نهي عن الإقامة فيها"...   

 

المشاهدات 333 | التعليقات 0