خطبة الهدايةُ أعظمُ نعمةٍ وأجلُّ منَّةٍ
حسين بن حمزة حسين
إخوةَ الإيمان: الهدايةُ هدايتان: هدايةُ دلالةِ وإرشاد، وهداية توفيقٍ وإلهام، فهدايةُ الدلالةِ والإرشاد، بها أُرسلتِ الرسلُ، وأُنزلتِ الكتبُ، ليُعرِّفوا الناسَ بربِّهم، ويُبيِّنوا لهم دينَهم وشرعَ ربهم، قال تعالى ( رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا )، وبها قامتِ الحُجَّةُ على الخلق أجمعين، وظهر تمامُ عدلِ ربّ العالمين، قيامًا بالبرهان، وقطعًا للعذر، فمن بلغه الدليلُ والبرهانُ وأطاع وامتثل دخل الجنة، ومن تكبّر وعصى دخل النار، قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) قال تعالى ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي بيّنّا لهم طريق الحق، وأقمنا عليهم الدليل، فآثروا العمى على الهدى فاستحقوا العذاب-نسأل الله السلامة-.
أخوة الإيمان: فإذا قامتِ الحجةُ وظهر البيان، بقيت الهداية العظمى، والمنحة الكبرى، هدايةُ التوفيقِ والإلهام، وهي الغايةُ التي تتشوّفُ إليها القلوب، وتتلهّف إليها النفوس، رحمةٌ محضة، ومنّةٌ خالصة، يختصُّ اللهُ بها من صدقَ في طَلَبِه، وصحَّ إقبالُه، وسلِمَ قلبُه؛ ويَحرِمُها عمّن أعرض واستكبر، عدلًا منه سبحانه وحكمةً، فليست الهدايةُ بكثرةِ الذكاء، ولا بقوّةِ الحيلة، ولا بسعةِ العلم، وإنما هي نورٌ يقذفه الله في القلب، قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، فكم من قريبٍ لنبيٍّ حُرِم، وكم من بعيدٍ وُفِّق؛ وكم من عالمٍ ضلّ، وكم من عاميٍّ اهتدى؛ الأمرُ كلُّه بيد الله، ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾، فإذا علمتَ ذلك، فاعرف قدرَ النعمة، واشكر المنعم، واسأله تمام الهدى والثبات، فإن القلوبَ بين أصابع الرحمن، يهدي من يشاء فضلاً، ويُضلّ من يشاء عدلًا.
إِخْوَةَ الإِيمَانِ: الرزّاقَ هو اللهُ وحده، وقد أمِرْنا بالسعي في طلبِ الرزق، فالسماءُ لا تمطرُ ذهبًا ولا فضة، والشافي هو اللهُ جلَّ جلاله، وأمِرْنا بالتداوي، فكذلك الهادي هو اللهُ وحده؛ والهدايةُ لا تُنالُ إلا بسلوكِ أسبابها، ولا تُوهَبُ إلا بفضلِه وكرمِه، ولا يُوفَّق لها مُعرِضٌ ولا مُستكبِر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، وقال تعالى ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
فاسألوا ربَّكم الهداية، والزَموا أسبابها، وأعظم أسبابها الاعتصام بكتابِ الله، فهو أصلُ الهداية ومنبعُها، ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾؛ فيه حياةُ القلوب، وشفاءُ الصدور، ونورُ الطريق، لا يزيغُ عنه إلا هالك.
وتمسَّكوا بسنةِ نبيِّكم ﷺ؛ فهي قرينةُ القرآن، وبيانُه، ومفتاحُ فهمه، والهاديةُ إلى صراطه؛ فمن جمع بينهما اهتدى، ومن أخذ بهما نجا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
ومن أعظمِ أسبابِ الهداية: التوبةُ الصادقة، والإنابةُ الخالصة، ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾،
والتقرُّبُ إلى الله بالطاعات، ومجانبةُ المعاصي والمنكرات؛ فبذلك تُفتحُ أبوابُ الهداية، وتُنالُ مراتبُ الفلاح، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ﴾.
والزموا منهجَ السلفِ الصالح؛ فهو الفهمُ الصحيحُ للكتاب والسنة، والطريقُ الأقومُ في الاعتقاد والعمل؛ فقد كانوا أعرفَ الناس بالحق، وأشدَّهم تعظيمًا له، كانوا يومَ الخندق يرتجزون والنبي ﷺ معهم:
“واللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا، ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا واللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا، ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا”
اعترافًا بالفضل، وإقرارًا بالمنّة، وفرحًا بنعمة الهداية.
فحافِظوا – رحمكم الله – على هذه النعمة، بشكرِ المنعم، والثباتِ على الطاعة، وملازمةِ الصالحين؛ فإنَّ المرءَ على دين خليله، واعلموا أنَّ الهدايةَ تُحفَظُ بالمجاهدة، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، فأكثِروا من دعاءِ الثبات، واصدُقوا اللجأ إلى الله؛ فواللهِ، ما خاب من طرق بابه، ولا ضلّ من اعتصم به. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.
الخطبة الثانية :
إخوة الإيمان: الهدايةُ هي الإسلامُ الحقّ، وهي الإيمانُ الصادق، وهي التقوى التي تُصلِحُ السرَّ والعلَن، وهي البرُّ الذي يزكّي النفوس، وهي التوحيدُ الخالص الذي تصفو به القلوب، وهي الصلاةُ الخاشعة التي تُحيي الأرواح، وهي بر الوالدين، حبّ المساكين، الأمر بالمعروف النهي عن المنكر، هي الأمانة، هي التوفيقُ لفعلِ الخيرات واجتنابِ المنكرات؛ وهي—مع ذلك كلِّه—عِزٌّ في الدنيا، ورفعةٌ في الآخرة، وهي كذلك تركُ الكبائر واجتنابُ الآثام، فلا شركَ بالله، ولا سحرَ ولا كهانة، ولا ربا ولا زنا ولا خمر، ولا رشوة ولا سرقة ولا خيانة ولا أكلَ للحرام، ولا عقوقَ للوالدين؛ فكلُّ ذلك مما يصدُّ عن الهدى، ويُطفئ نورَه في القلوب، هذه الهداية، فنسألُ اللهَ أن يهدينا لأحسنِ الأقوال، وأقومِ الاعتقاد، وأزكى الأعمال؛ إنَّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
عباد الله: أعظم الناس حسرةً يوم القيامة من رأى النبيَّ ﷺ، وسمعَ القرآنَ يتنزَّلُ من السماء حيًّا، غضًّا طريًّا، وشهدَ آياتِ الله تُتلى، وشَهِد نصرةَ الدين تتوالى، وشَهِد الصحابة الكرام – أبوبكر وعمر وعثمان وعلي وخال وطلحة-رضوان الله عليهم، شَهِد الناسَ يدخلون في دين الله أفواجًا، ثم لم يؤمن ولم يَزِدْه النورُ إلا عَمًى، استكبرَ فحُجِب، وأعرضَ فحُرِم، واستحبَّ العمى على الهدى، وآثرَ الظلماتِ على النور؛ حاله حال المنافقين، فوالله هذا حسرتُه أعظمَ الحسرات يوم القيامة، وندمه أبلغَ الندم وأعلاه.
وما ذاك ببعيدٍ عن واقعنا، فأعظم الناس حسرة في زماننا من شابههم، فتكبّر وأعرض عن الهدى إذ جاءه، وعاش في ضلال، فدين الله تعالى الذي بُعث به محمدٌ صلى الله عليه وسلم قائمٌ، والقرآنُ يُتلى آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار، والمساجدُ قائمة، والإيمانُ في أصله غضٌّ نديّ، وأهله – بحمدِ الله – أعزُّ الناس وأشرفُهم، وهذه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مدوّنة بين أيدينا يعرفها الصغير والكبير، والحُجَّةُ قائمة، والدلالةُ ظاهرة، والسبيلُ واضح؛ ومع ذلك ترى من يُعرض، ومن يتكبّر، ومن يُؤثِرُ الهوى على الهدى، كأنَّه أصم لا يسمع وأعمى لا يُبصِر، فأيُّ عذرٍ يبقى؟ وأيُّ حجَّةٍ تُقبل؟! إنما هي قلوبٌ إذا لم تخضع للهدى وللحقِّ قَسَت، وإذا قَسَت عَمِيَت، وإذا عَمِيَت تردَّت في ظلماتٍ الهوى والغفلة والجهل والذنوب والآثام- نسأل الله السلامة-
فإيّاكم – رحمكم الله – أَنْ تُؤثِروا الضَّلَالَ عَلَى الهُدَى، أَوْ ترْضوا بِالظُّلُمَاتِ عَنِ النُّورِ، وسارِعوا إلى ربِّكم وانقادوا للحقِّ قبل الفوات، أنيبوا إلى الله وتوبوا إليه، اطرحوا عن قلوبكم رداءَ الغفلة، فإنَّ السعيدَ من لان قلبُه فاهتدى، والشقيَّ من قسى قلبه وضل. فالحذرَ الحذرَ من غفلةٍ تُبعدُك عن ربِّك، وتُقسي قلبَك، وتُفوِّت عليك أعظمَ الغنائم؛ فإنَّ القلوبَ إن لم تهتدي فسدت، وإن لم تُوقَظ بالهدى ذبلت.
( رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)