خُطْبَةُ بِرِّ الوالِدَيْنِ.

عادل بن عبد العزيز الجهني
1447/10/28 - 2026/04/16 23:01PM

خُطْبَةُ بِرِّ الوالِدَيْنِ.

الخُطبةُ الأولى

الحمدُ للهِ نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفسِنا، ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعد.
فأوصيكم عبادَ اللهِ ونفسي بتقوى اللهِ، فاتقوا اللهَ حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلامِ بالعروةِ الوُثقى.
أيُّها المؤمنون،
حديثُنا اليومَ أطيبُ الحديثِ وأجملُه وأرفَعُه؛ أُنزِلَتْ فيه آياتٌ بيّناتٌ، وتُلِيَتْ فيه صُحُفٌ مُطهَّراتٌ، وجمَّلَتْه وصايا نبويةٌ، وزانَتْه حِكَمٌ تربويةٌ؛ إنَّه حديثٌ عن الوالدينِ الكريمين.
الوالدانِ الكريمانِ اللذانِ كانا سببًا في وجودِك، وكلُّ خيرٍ أنتَ فيه أصلُه منهما، وكلُّ فضلٍ ترفُلُ فيه هو أثرٌ من آثارِهما.
والحديثَ عن الوالدين ذو شُجونٍ، جميلٌ بجمالِ البِرِّ، عظيمٌ بعظيمِ الأجر، محبوبٌ للنفوسِ لكثرةِ أثرِه، وحُسنِ عاقبتِه، وسعةِ فضلِه.
الحديثُ عن الوالدين لا يطيبُ إلا للنُّفوسِ البارَّة، والنَّاسِ النُّبلاءِ، لأنَّ ثَمَّ نفوسًا لا تعرفُ للبِرِّ سبيلًا، ولا للإحسان طريقًا، تاهت عن دربِه، وقصَّرت في حقِّه، ففاتها نعيمُ الدُّنيا قبل الآخرة.
بِرُّ الوالدين -يا عباد الله- لا يقومُ به إلا المُوفَّق، ولا يتشرَّفُ به إلا الصادق، ولا يحرصُ عليه إلا من يتاجرُ مع ربِّه، فلقد جعل اللهُ حقَّ الوالدين في المرتبةِ الثانية بعد حقِّه، فقال سبحانه: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على رِفعةِ مكانتِه، وعلوِّ قدرِه.
قال ابنُ عباسٍ رضي اللهُ عنهما: ثلاثُ آياتٍ مقروناتٌ بثلاث، لا تُقبل واحدةٌ بغير قرينتها:
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}، و{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، و{أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}. فرضا اللهِ في رضا الوالدين، وسخطُه في سخطهما.
وعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي اللهُ عنه قال: سألتُ النبيَّ ﷺ: أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله؟ قال: «الصلاةُ لوقتها»، قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «بِرُّ الوالدين»، قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «الجهادُ في سبيل الله» متفقٌ عليه.
فمهما سعيتَ في عملٍ صالح، تتقرّبُ فيه إلى ربِكِ، فلا عملَ أعظمُ أجرًا، ولا أكثرُ ثوابًا من بِرِّ الوالدين والإحسانِ إليهما.
تذكَّرْ -رحمك اللهُ- حالَ ضعفِك، حين حملتْكَ أُمُّكَ وَهْنًا على وَهْنٍ، وربَّاكَ أبوكَ صغيرًا، وسهِرا لأجلِكَ، وتعبا في تربيتِكَ، قال اللهُ تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ}، فَتَذَكَّرْ هذا التَّعَبَ الذي جَرَى ويَجْرِي منهما؛ لِتَرُدَّ بَعْضَ هذا الإحسانِ.
الوالدان -يا عباد الله- أحقُّ الناس بحُسن الصحبة، ففي حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنه، قال: جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحابَتي؟ قال: أُمُّكَ، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أُمُّكَ، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أُمُّكَ، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أبوكَ. رواه مسلم.
ومع ذلك، فإنَّ كثيرًا من الناس يُفرِّط في هذا الباب، فيُقصِّر في خدمتهما، أو يهجرهما بالأيامِ بل بالشهور، وربما الأعوام، خصوصًا عند الغربة.
وهذا تقصيرٌ عظيمٌ؛ فإنَّ البُعدَ مَظِنَّةُ الجفاء، فعلى المسلمِ إنِ اضطُرَّ للبعدِ عن والديهِ بسببِ طلبِ المعيشةِ أن يجتهدَ في تعويضِ بُعدِه بكثرةِ الاتصالِ عليهما، والسؤالِ عنهما على الدوام، وكثرةِ النفقةِ عليهما بحسبِ حالِه، وإدامةِ الدعاءِ لهما، وإنِ استطاعَ القُربَ منهما فليفعل؛ فلا أسرَّ للوالدَينِ من قُربِ ابنِهما منهما، ولا أرجى بركةً للابنِ في حياتِه من القُربِ منهما.
أيُّها المسلمون،
إنَّ صُوَرَ بِرِّ الوالدينِ كثيرةٌ لا يَحُدُّها شيءٌ، وإنّما يَجمعُها الإحسانُ إليهما بجميعِ صُوَرِه؛ ومِن ذلك: التَّفاني في خدمتهما، وعدمُ التأفُّفِ مِن مطالبهما، وإدخالُ السُّرورِ عليهما، والتلطُّفُ معهما، وخفضُ الجناحِ لهما، واحتسابُ ذلك عند الله.
ولأنَّ الإحسانَ إليهما يتطلَّبُ صبرًا وطولَ زمنٍ، ومعروفًا كثيرًا يُقدَّم لهما طيلةَ الحياةِ، صار الأجرُ فيه عظيمًا عند الله.
والبِرُّ ليس ساعةً من نهارٍ، ولا جُزءًا من ليلٍ، بل هو مُتواصلٌ أبدًا ما دمتَ ووالداك -أو أحدُهما- على قيدِ الحياة.
ومن عظيمِ شأن البِرِّ أنَّ أَثَرَهُ يَنالُهُ صاحِبُهُ في الدُّنيا قَبْلَ الآخِرَةِ؛ فمِن أَثَرِهِ الكَريمِ سعةُ الرزق، وطولُ العمر، والبركةُ في المالِ والولد، ودفعُ البلاء، وحسنُ الذكر بين الناس.
اللهمَّ ارزُقْنا بِرَّ آبائِنا وأُمَّهاتِنا أحياءً وأمواتًا.
أقولُ ما تسمعون، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم، فاستغفِروه؛ إنَّه هو الغفورُ الرحيم.

الخُطبةُ الثانية

الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِه وسلَّم.

أمّا بعد.
فاتقوا الله عبادَ الله، واعلموا أنَّ من أعظمِ الخسارة أن يُدرك الإنسانُ والديه أو أحدَهما عند الكِبَر، ثم لا يكون ذلك سببًا لدخول الجنة، قال ﷺ: «رَغِمَ أنفُه، رَغِمَ أنفُه، رَغِمَ أنفُه»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكِبَر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة».
يا من يطلب رضا الله، اعلم أنَّ رضا اللهِ في رضا الوالدين، وسخطَه في سخطهما، فاجتهد في إرضائهما ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
لا تُخالف لهما أمرًا، ولا تُحزنهما، ولا ترفع صوتك عليهما، ولا تُقدِّم عليهما أحدًا من أهل الدنيا، وكن بين أيديهما ذليلًا متواضعًا، مُحسنًا مُؤدَّبًا.
عباد الله.
وليس البِرُّ مقصورًا على حياتهما، بل يستمر بعد موتهما، ومن ذلك الدعاءُ لهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ وصاياهما، وصلةُ رحمِهما، وإكرامُ أصدقائهما، فعن عبدِاللَّهِ بن دينارٍ، عن عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما: أَنَّ رجُلًا مِنَ الأَعْرابِ لَقِيَهُ بِطَرِيق مكَّة، فَسَلَّم عَلَيْهِ عَبْدُاللَّه بْنُ عُمرَ، وحملهُ عَلَى حمارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وأَعْطَاهُ عِمامةً كانَتْ عَلَى رأْسِهِ، قَالَ ابنُ دِينَارٍ: فقُلنا لهُ: أَصْلَحَكَ اللَّه! إِنَّهُم الأَعْرابُ، وهُمْ يَرْضَوْنَ بِاليَسِيرِ، فَقَالَ عبدُاللَّه بنُ عمر: إِنَّ أَبَا هَذَا كَان وُدًّا لِعُمَرَ بنِ الخطاب رضي اللهُ عنه، وإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ: إِنَّ أَبرَّ البِرِّ صِلةُ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ. رواه مسلم
اللهمَّ اجعلْنا مِن عبادِكَ البارِّينَ بوالدَيْهِم، اللهمَّ أعِنَّا عليه، ويسِّرْ لنا سُبُلَه.
ألا وصلُّوا وسلِّموا على نبيِّكم محمد،
كما أمركم الله بذلك فقال:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}.
اللهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبِه أجمعين.:
اللهمَّ اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربَّونا صغارًا،
اللهمَّ اجعلنا من البارِّين بهم أحياءً وأمواتًا،
اللهمَّ وفِّقنا لرضاك، وأعنَّا على طاعتك، وأصلح قلوبنا وأعمالنا.
اللهمَّ اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياءِ منهم والأموات،
اللهمَّ أصلح ولاة أمورنا، ووفِّقهم لما تحبُّ وترضى.

المشاهدات 171 | التعليقات 0