خطبة عيد الأضحى 1447 ( ذكرتنا الأضحية )
أحمد عبدالعزيز الشاوي
الحمد لله ذي العزة والجلال الكبير المتعال ، وأشهد ألاإله إلا الله وحده لاشريك له المتفرد بالعزة والجلال ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الموصوف بالجمال وحسن الخلال ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والسائرين على دربه إلى يوم لابيع فيه ولا خلال وسلم تسليما كثيرا والله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا
ياعباد الله اتقوا الله فتقوى الله هي الزاد الأبقى والملاذ الأوثق والأنقى وهي نور في القلوب وسكينة عند الكروب وهي وصية الله للأولين والآخرين
هنيئا لكم يامسلمون أن تبلغوا العيد في أمن وعافية وعيش رغيد .. هنيئا لكم ونتم تنعمون بالعيد في ظلال شريعة خالدة أباحت لكم السرور والفرح وحرمت عليكم الأشر والبطر والطغيان فأعيادنا فرح وشكر بلا نغمة ولا وتر وإنما أكل وشرب وذكر للخالق المجيد
شريعتكم وضعت لأفراحكم ومشاعركم حدودا ولم تضع عليكم قيودا لئلا يتحول الفرح إلى أذى وتعد لحدود الله ( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون )
هذا يوم الحج الأكبر أعظم الأيام عند الله وفيه يضج الكون بالتكبير تعظيما لله .. وإعلانا بأن الله أكبر من كل شيء ذاتاً وقدراً وعزة وأعظم وأجل
الله أكبر تذكرها مع كل هم لتعلم أن الله أكبر من همومك.. وإذا أوجعتك الآلام فتذكر أن الله أكبر من آلامك ، وإذا ضايقتك الديون فتذكر أن الله أكبر من ديونك ، وإذا هددك عدو فاعلم أن الله أكبر ممن عاداك وأكبر من كل داء وبلاء ووباء وأكبر من كيد كائد وحسد حاسد وعقد عاقد فالجأ إلى الكبير المتعال ومن علق قلبه بالله حماه، ومن توكل عليه كفاه .
الله أكبر في سمعه وبصره وعلمه فإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى العصيان فتذكر أن الله أكبر واستح من نظر الإله وقل لها إن الكبير المستعان يراني
الله أكبر الله أكبر
علمتنا الأضحية وذكرتنا أعظم ملحمة من ملاحم الإيمان وأجمل صور التضحية والتسليم والاستسلام والانقياد للملك العلام .. ملحمة يسطر فصولها نبي الله الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام في مشاهد تعجز الكلمات عن تسطيرها ، وتكل الأقلام في تحبيرها
اليوم لانستحضر مجرد قصة تأريخية بل نستلهم عقيد راسخة وتسليما حقيقيا وصدقا في التعامل مع الله وخضوعا لأوامر رب العالمين بلا تضايق ولا حرج وتلك حقيقة الإسلام
لقد اسلما ، فهذا هو الإسلام في حقيقته ,, ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم وتنفيذ ، ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا
ذلكم هو التسليم والاستسلام لله رب العالمين فمن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام
إنه استسلام خير جيل حيث ينزل القرآن بتحريم الخمر ويقول الله ( فهل أنتم منتهون ) فيجيبون : انتهينا انتهينا ، وحيث تنزل آيات الحجاب ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) فتعمد نساء المسلمين إلى مروطهن فيشققنها ويختمرن بها
إنه الإسلام والتسليم والذي يقوم على تعظيم أمر الله وشعائره وحرماته ( ذلك ومن يعظم شعائر الله .. ) ( ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له .. )
نقبل حجرا ونطوف على حجر ونرمي حجرا بحجر ونمسح على أعلى الخف لاأسفله ونصوم وجوبا ونفطر وجوبا .. لتعلم أن الدين إسلام واستسلام وانقياد للملك العلام ، وسمع وطاعة بلا حرج ولا تضايق ولاتحايل للفرار من الأحكام عبر بوابة الخلاف وغثاثات الرخص ( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا )
التسليم الحقيقي هو بأن نعظم نصوص الشريعة ونحترمها ونتقيد بها ونرضى بمضمونها ولو خالفت النفس والهوى0إنه أن تؤمن الأمة أن من يطع الرسول فقد أطاع الله وأن يكون شعارها ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) فلاتحيد عن سنة رسولها اتباعا لهوى وطلبا لشهوة وتطبيعا لمنكر وتمييعا لشعيرة
المسلم المستسلم هو من يستسلم لله في كل صغيرة وكبيرة ودقيقة وجليلة من أمور الدين فليس ممن يتحرج من تقليم ظفر في العشر أو سقوط شعرة ويتهاون في فريضة ويسقط شعيرة فياأيها المعظمون لحديث الإمساك عن الشعر للمضحين عظموا أمر رسولكم بإعفاء اللحى وإرخائها وياأيتها المسلمات المتحرجات من تسريح الشعور لئلا تسقط شعرة عظمن أمر الله بالحجاب والقرار والحشمة والحياء فليست الخطورة في تساقط الشعور وإنما في فقد الشعور وشريعة الله فيها الواجب والأوجب والفرض والمستحب ومن خطوات الشيطان إشغال المسلم بالمفضول عن الفاضل وبالمكروه عن الحرام فلايفتننكم الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر
التسليم لله يعني أن تتدرع بالورع عند المتشابهات ومسائل الخلاف فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، ووجود الخلاف في حكم لا يعني أن يتخير المرء من الأقوال ما يوافق هواه، وما يتسق مع رغباته ومزاجه، وإنما المرجع في مسائل الخلاف إلى نصوص الكتاب والسنة [وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله]
إنَّ أَخْطَرَ مَعْرَكَةٍ عَقَدِيَّةٍ نُوَاجِهُهَا فِي عَالَمِ الْيَوْمِ أَنْ يَهُونَ فِي الْقُلُوبِ مَبْدَأُ التَّسْلِيمِ لِلْوَحْيَيْنِ لِتُصْبِحَ تِلْكَ النُّصُوصُ مُجَرَّدَ قِطَعٍ أَثَرِيَّةٍ، دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهَا حَقٌّ مِنَ التَّعْظِيمِ والامتثال. وتلك وربي أمارة السقوط وضياع الهوية والانسلاخ من الدين
الله أكبر الله أكبر
أقول هذا القول ...
الخطبة الثانية .. أما بعد :
الأضحية تذكر بالتضحية .. وربط للأمة بقدواتها في البذل والتسليم والخضوع لرب العالمين ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم )
إنها تذكير بسيد الحنفاء الأمة القانت إبراهيم عليه السلام .. والذي بذل ماله للضيفان وبدنه للنيران وولده للقربان .. ضحى بالوطن من أجل الله ( وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ) وضحى بالأهل والذرية ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ) وضحى بالوالد والعشيرة ولاء لله( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون ) وضحى بالحياة نصرة للعقيدة ( قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم ) وضحى بولده على كبر تسليما لله وانقيادا ( إن هذا لهو البلاء المبين )
إنها دروس في التضحية والفداء والتسليم لرب الأرض والسماء والبر الصادق بالآباء .. دروس في عواقب الصبر على البلاء
عبر عن إسلامك واستسلامك لربك بذبح الهوى بسكين الانقياد والاستجابة لله إذا دعاك لما يحييك .. حينما ينادي المنادي داعيا للصلاة والفلاح فهنا تظهر حقيقة إسلامك .. أتكون ممن يبقى بائعا مشتريا لايحرك قلبك نداء الله لفريضته وبيته أم تكون من رجال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ،
وياأيتها المسلمة المستسلمة لله الخائفة من عقاب ربها الراجية ثوابه .. سطري صور العبودية لله والاستسلام لأمره والخضوع لحكمه فالمسلمة حقا هي من تضحي بالمال والترف في سبيل العفة والشرف ، تقول ماقالت تلك العفيفة لزوجها : اتق الله فينا فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار
إنها من تتلقى أحكام ربها وشرعه بالرضا والقبول والانقياد ، لاتتردد في الامتثال ولا تتضايق من شعيرة ، ترى في العباءة عبادة ، وفي الحجاب حجابا عن النار وفي الحياء سورا يعصم من خطوات الشيطان .. تلتمس رضى ربها ولو كثر اللامزون ، وتفنن الساخرون ، تؤمن أن الحجاب لحجب الأنظار لالجذبها ، وأن المرأة بلاحجاب مدينة بلاأسوار ، وأن القوامة رفعة لها وسلامة وأن الولاية ليست وصاية لكنها حفظ وحماية، وهؤلاء يوم أن تعرض الصحائف وتوزن الموازين فهي ممن ينادى عليه ( سلام عليكم بما صبرتم
والله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا
ايها المسلمون : ماتقرب عبد إلى الله في هذا اليوم بأفضل من إهراق دم ، وإنها لتقع من الله بمكان قبل أن يقع الدم على الأرض فطيبوا بها نفسا ، واظهروا هذه الشعيرة واحذروا من فعل المترفين الذين يذبحون في المسالخ بلا عذر ولا سبب ، واذا اضطررتم لمن يذبح عنكم فتثبتوا من دين الذابح وسلامة عقيدته
الأصحية صورة من صور التسليم لله فليس المقصود اللحوم والدماء وإنما هي التربية على العبودية والتقرب إلى الله ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ... الأضحية شعيرة من شعائر الله يجب تعظيمها (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) .. فلاتيمموا رديئها ، ولاتستكثروا قيمتها ، ولاتكثروا التبرم من غلائها وطيبوا بها نفسا .. عظموا هذه الشعيرة بتذكر حكمها وحكمتها وأجرها وأنها سنة نبيكم ، وإحياء لهدي أبيكم إبراهيم ، عظموا هذه الشعيرة بالتزام الهدي النبوي في اختيارها وذبحها وتوزيع لحمها والاستفادة من شحومها وجلودها .. فكلوا منها وأهدوا وأطعموا البائس الفقير .. عظموا هذه الشعيرة فلاتجعلوا منها مادة للسخرية والتندر والنكت والطرائف والعبث والتصوير .. وتذكروا أن ذبحها عبادة ، تتطلب الإخلاص والاتباع .. عظموا هذه الشعيرة وعظموا معها حقوق المسلمين فلاتؤذوهم ببقايا ذبائحكم ورفثها ودمائها
أيها المسلمون والمسلمات : ماأجمل أن نجعل من عيدنا فرصة للتصافي والتآخي وقبل أن نضحي ببهيمة الأنعام فلنضح بالشحناء والبغضاء والقطيعة والهجر وأن لاندع للشيطان فرصة للتحريش وما أجمل أن نظهر معالم الأخوة في عيدنا بمد يد العون للمحتاج ورسم البسمة على وجوه البائسين ..
الله أكبر الله أكبر
اللهم ...
المرفقات
1779720689_خطبة عيد الأضحى - 1447.doc