خطبة عيد الأضحى 1447 – على خطى الخليل
راكان المغربي
خطبة عيد الأضحى 1447 – على خطى الخليل
الْخُطْبَةُ الْأُولَى
الْحَمْدُ لِلَّهِ أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ، وَرَضِيَ لَنَا الْإِسْلَامَ دِينًا. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ.
اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَمَّا بَعْدُ:
طَرِيقٌ قَوِيمٌ، وَصِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ، وَالسَّبِيلُ الْمُوصِلُ إِلَى النَّعِيمِ..
حَدَّدَ اللَّهُ لَنَا فِيهِ الْوِجْهَةَ، وَرَسَمَ الْمَسَارَ، وَأَضَاءَ الْأَنْوَارَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا)..
فِي كُلِّ يَوْمٍ يَفْرِضُ اللَّهُ عَلَيْنَا ذَلِكَ الدُّعَاءَ الْمُتَكَرِّرَ؛ لِيَكُونَ أَعْظَمَ وَسِيلَةٍ مُسَاعِدَةٍ لَنَا لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ).
مَشَى عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ الْأَنْبِيَاءُ، وَسَارَ عَلَيْهِ الصِّدِّيقُونَ، وَمَضَى فِيهِ الشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ. وَالْفَائِزُ حَقًّا هُوَ مَنِ اتَّبَعَ آثَارَهُمْ، وَخَطَا خُطُوَاتِهِمْ.
وَمِنْ أَجَلِّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّذِي وَصَلَ إِلَى مَرْتَبَةٍ لَمْ يَصِلْهَا أَحَدٌ إِلَّا هُوَ وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. فَقَدْ وَصَلَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَرْتَبَةِ الْخُلَّةِ، فَكَانَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ الَّذِي أَحَبَّهُ وَقَرَّبَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَبَارَكَهُ.
الْخَلِيلُ قُدْوَةُ الْعَالَمِينَ، وَإِمَامُ النَّاسِ أَجْمَعِينَ (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
فَتَعَالَوْا نُطَبِّقْ أَمْرَ اللَّهِ، فَنَتَتَبَّعَ آثَارَ إِبْرَاهِيمَ، وَنَتَعَرَّفَ عَلَى خُطُوَاتِ الْخَلِيلِ.
لَقَدْ أَعْلَنَ الْخَلِيلُ الْوِجْهَةَ صَرِيحَةً بَيِّنَةً مُنْذُ بِدَايَةِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ:
(إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي) (إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي) (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)
وَهَكَذَا فَلْتَكُنْ حَيَاتُنَا، وَإِلَى تِلْكَ الْوِجْهَةِ فَلْتَتَّجِهْ أَبْدَانُنَا وَقُلُوبُنَا.
وِجْهَتُنَا إِلَى اللَّهِ -تَعَالَى-، وَبُغْيَتُنَا الْوُصُولُ إِلَيْهِ، وَمُنَانَا نَيْلُ مَحَبَّتِهِ، وَالْفَوْزُ بِرِضَاهُ، وَدُخُولُ جَنَّتِهِ. نَعْزِمُ بِقَرَارَةِ قُلُوبِنَا أَنْ نَجْعَلَ حَيَاتَنَا كُلَّهَا سَيْرًا إِلَى اللَّهِ، وَإِعْرَاضًا عَنْ كُلِّ مَا يَصْرِفُ عَنْهُ. لَا نَفْتُرُ عَنِ السَّعْيِ، وَلَا نَتَوَقَّفُ عَنِ السَّيْرِ، حَتَّى نَصِلَ إِلَى غَايَتِنَا، وَنَقِرَّ فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِنَا.
(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ والمسْلِماتِ:
حِينَ حَدَّدَ الْخَلِيلُ الْوِجْهَةَ، سَارَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْلُكَهُ، وَاجْتَنَبَ كُلَّ سَبِيلٍ سِوَاهُ.
أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُلْقِيَ بِزَوْجِهِ هَاجَرَ وَابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ فِي ذَلِكَ الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا زَرْعٌ وَلَا شَيْءٌ، فَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِي تَطْبِيقِ أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَآثَرَ حُبَّ اللَّهِ عَلَى حُبِّ الْأَهْلِ، وَأَيْقَنَ بِأَنَّ اللَّهَ لَنْ يُضِيعَهُ وَلَنْ يُضَيِّعَ أَهْلَهُ مَا دَامُوا مُسْتَسْلِمِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَهَذَا مَضْمُونُ مَا كَانَ يُرَبِّيهِمْ عَلَيْهِ.
فَعِنْدَمَا: "تَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، وَقَالَتْ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ".
رَجَعَتْ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِ اللَّهِ، مُوقِنَةً بِهِ، فَمَا تَرَكَهَا وَلَا ضَيَّعَهَا. فَجَّرَ لَهَا بِئْرَ زَمْزَمَ، وَأَحْضَرَ لَهَا النَّاسَ يَعْمُرُونَ تِلْكَ الْبَلْدَةَ الْمُبَارَكَةَ.
كَبِرَ إِسْمَاعِيلُ وَشَبَّ فِي هَذَا الْجَوِّ الْإِيمَانِيِّ، وَهَذِهِ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَكَانَ الِاخْتِبَارُ الْأَصْعَبُ:
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ) وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ لِإِبْرَاهِيمَ، فِيهِ أَمْرٌ مُبَاشِرٌ بِذَبْحِ إِسْمَاعِيلَ..
وَمَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ؟
إِنَّهُ يَعْنِي تَوَقُّفَ الْفَرْحَةِ بِالْوَلَدِ، وَانْقِطَاعَ الْأَمَلِ، وَوَحْشَةَ الْحَيَاةِ..
هَذِهِ مَوَازِينُ الدُّنْيَا، وَتَقْدِيرَاتُ أَهْلِهَا، وَإِنَّهَا عَنِ الْخَلِيلِ لَبَعِيدَةٌ..
أَسْلَمَ إِبْرَاهِيمُ، وَأَسْلَمَتْ هَاجَرُ، وَالْآنَ جَاءَ الدَّوْرُ عَلَى الِابْنِ إِسْمَاعِيلَ: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ)
إِبْرَاهِيمُ يَتَرَقَّبُ الْجَوَابَ، يَا تُرَى هَلْ سَيَصِلُ كَمَا وَصَلَ؟ هَلْ سَيُسْلِمُ كَمَا أَسْلَمَ؟
فَيَأْتِي الْجَوَابُ مِنَ الِابْنِ الصَّغِيرِ: (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)
اللَّهُ أَكْبَرُ! لَقَدْ نَجَحَ إِسْمَاعِيلُ، لَقَدْ وَصَلَ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ أَبَوَاهُ، إِنَّهُ أَسْلَمَ وَاسْتَسْلَمَ..
هَا هُمَا يَذْهَبَانِ إِلَى مِنًى، وَقَدِ امْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمَا رِضًى وَثِقَةً وَتَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ..
إِنَّهُمَا يَسِيرَانِ فِي طَرِيقِ النَّصْرِ وَالْفَلَاحِ الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ..
يَقِفَانِ فِي مِنًى، وَيَسْتَعِدَّانِ لِتَنْفِيذِ الْأَمْرِ، فَيَعْرِضُ الشَّيْطَانُ لِإِبْرَاهِيمَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي مَوَاضِعِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يُحَاوِلُ أَنْ يُغْوِيَهُ وَيُثْنِيَهُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنَّى لِحِيَلِ الشَّيْطَانِ أَنْ تَنْطَلِيَ عَلَى الْخَلِيلِ، فَكَانَ يَرْمِيهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى يَسِيخَ فِي الْأَرْضِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ)
تَجَاوَزَ إِبْرَاهِيمُ كُلَّ الْعَقَبَاتِ، وَتَغَلَّبَ عَلَى كُلِّ الشَّهَوَاتِ، وَصَبَرَ عَلَى أَعْظَمِ صُنُوفِ الْبَلَاءِ، وَحَانَتْ سَاعَةُ الصِّفْرِ، وَلَحْظَةُ الْفِرَاقِ، فَإِذَا بِالْمُنَادِي يُنَادِي: (وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)
أَمَا وَقَدْ نَجَحَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْبَلَاءِ، فَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إِلَى الْأَشْلَاءِ..
انْتَصَرَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَعْرَكَةِ، فَفَدَى اللَّهُ إِسْمَاعِيلَ بِالْكَبْشِ.. لِتَتِمَّ نِعْمَةُ اللَّهِ، وَيَكْتَمِلَ لَهُ مَقَامُ الشُّكْرِ كَمَا اكْتَمَلَ مَقَامُ الصَّبْرِ: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ).
أَخِي الْمُسْلِمُ.. أُخْتِي الْمُسْلِمَةُ:
تِلْكَ كَانَتْ خُطُوَاتُ إِبْرَاهِيمَ، وَآثَارُ الْخَلِيلِ، فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْهَا؟
إِذَا أَرَدْتَ السَّيْرَ عَلَيْهَا، فَلَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَذْبَحَ ابْنَكَ أَوْ أَبَاكَ، وَلَكِنْ أَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَهْمَا رَأَيْتَ الْأَمْرَ شَاقًّا. فَسِرْ عَلَى دَرْبِ الْخَلِيلِ، وَنَفِّذْ أَمْرَ اللَّهِ، وَأَبْشِرْ بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ، وَسَعَادَةِ الدُّنْيَا، وَنَعِيمِ الْآخِرَةِ. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:
مَعَاشِرَ الْآبَاءِ:
مَا فَازَ إِبْرَاهِيمُ بِصَلَاحِ أَهْلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَقَامَهُمْ عَلَى مَرَاضِي اللَّهِ، وَرَبَّاهُمْ عَلَى تَطْبِيقِ أَمْرِهِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ أَنْ آثَرَ مَحَابَّ اللَّهِ عَلَى مَحَابِّ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ.
مَعَاشِرَ الْأُمَّهَاتِ:
مَا بَلَغَتْ هَاجَرُ مَا بَلَغَتْ إِلَّا حِينَ عَلِمَتْ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ هُوَ الْخَيْرُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الشَّرَّ، وَأَنَّهُ الْيُسْرُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْعُسْرَ، وَأَنَّهُ الْبَقَاءُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْفَنَاءَ. وَهَا هُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي حَجِّهِمْ وَعُمْرَتِهِمْ يَتَّبِعُونَ آثَارَهَا، وَيَسْعَوْنَ بِسَعْيِهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، تَخْلِيدًا لِذِكْرِهَا، وَإِعْظَامًا لِمَوْقِفِهَا.
مَعَاشِرَ الشَّبَابِ وَالْفَتَيَاتِ:
هَلْ ذَاقَ إِسْمَاعِيلُ طَعْمَ النَّصْرِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَجَرَّعَ مَرَارَةَ الصَّبْرِ؟ فَتَعَلَّمُوا هَذَا الدَّرْسَ مِنْ قُدْوَتِكُمْ إِسْمَاعِيلَ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّهُ: "لَا لَذَّةَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ، وَلَا نَعِيمَ لِمَنْ لَا شَقَاءَ لَهُ، وَلَا رَاحَةَ لِمَنْ لَا تَعَبَ لَهُ، بَلْ إِذَا تَعِبَ الْعَبْدُ قَلِيلًا اسْتَرَاحَ طَوِيلًا، وَمَنْ تَحَمَّلَ مَشَقَّةَ الصَّبْرِ سَاعَةً قَادَهُ لِحَيَاةِ الْأَبَدِ، وَكُلُّ مَا فِيهِ أَهْلُ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ فَهُوَ صَبْرُ سَاعَةٍ".
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ:
حِينَ تَخْرُجُونَ مِنْ صَلَاةِ عِيدِكُمْ، وَتَذْبَحُونَ أُضْحِيَّاتِكُمْ، فَلْتَتَذَكَّرُوا الْمَعَانِيَ الْإِبْرَاهِيمِيَّةَ، وَلْتَسْلُكُوا الْآثَارَ النَّبَوِيَّةَ، وَكَمَا سَتَقْتَدُونَ بِإِبْرَاهِيمَ فِي ذَبْحِ الْأَغْنَامِ، فَاقْتَدُوا بِهِ فِي سُلُوكِ الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ، وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ: (فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ).
اللَّهُمَّ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
اللَّهُمَّ كُنْ لِإِخْوَانِنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِإِخْوَانِنَا فِي غَزَّةَ فَرَجًا عَاجِلًا، وَنَصْرًا قَرِيبًا.
اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمُ الْبَلَاءَ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عِيدَ نَصْرٍ وَتَمْكِينٍ، وَفَرَجٍ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
المرفقات
1779797645_خطبة عيد الأضحى 1447 - على خطى الخليل.docx
1779797645_خطبة عيد الأضحى 1447 - على خطى الخليل.pdf