خطبة عيد الأضحى

أنشر تؤجر
1447/12/09 - 2026/05/26 14:03PM

الخُطْبَة الأُولَى :

الحمد لله نوع لعباده مواسم الطاعات ؛ ورتب عليها جزيل الثواب وجميل الأعطيات ؛ والصلاة والسلام على خير البريات ؛ أفضل من بالبيت طاف وسعى ووقف بعرفات ؛ صلوات ربي وسلامه عليه مادامت الأرض والسموات .

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، واللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .

اللَّهُ أَكْبَرُ مَا لَبَّى مُلَبٍّ وَكَبَّرَ ، واللَّهُ أَكْبَرُ مَا ضَحَّى مُضَحٍّ وَنَحَرَ ، واللَّهُ أَكْبَرُ مَا طَافَ حَاجٌّ وسَعَى وشَكَرَ ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا ، وَسُبْحَانَ اللَّه بُكْرَةً وَأَصِيلًا .

أما بعد  : فاتقوا الله تعالى حق التقوى ، واشكروه سبحانه على نعمه العظمى ، حيث منَّ عليكم بهذا اليوم العظيم الذي شرفه على سائر الأيام ، وجعله عيداً سعيداً لأهل الطاعة والإيمان ، إنه يَوْمِ النَّحْرِ ، سُمِّيَ بِذلكَ : لِكَثْرَةِ مَا يُراقُ فِيهِ مِن دَمِ الهَدْيِ والأضاحِي تَقَرُّبًا إلى اللهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه ؛ وَهُوَ يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ لِأَنَّ الحُجَّاجَ يَقُومُونَ بِمُعْظَمِ أَعْمالِ الحَجِّ :" رَمْيِ جَمَرَة العقبة ، وَذَبْحِ الهَدْيِ ، والحَلْقِ أَو التَّقْصِيرِ وَطَوافِ الإِفاضَةِ ".

وهو أفضل الأيام عند الله تعالى ، قال النبي ﷺ :" أفضلُ الأيّامِ عندَ اللهِ يومُ النَّحرِ ويومُ القَرِّ " رواه ابن حبان في صحيحه .

يومنا هذا يومُ عيدٍ ، والعيد من أعظم المنن التي امتنَّ الله بها على عباده ، لإظهار الفرح والسرور ؛ ولكنّ هذا السرورَ يجب أن يكون في حدود ما أباح الله ، فلا يخرجُ إلى معصية الله ؛ يفرحُ فيه المؤمنون بفضل الله ، لأنه أتى بعد أداءِ الركنِ الخامس من أركان الإسلام لمن وفقه الله لحج بيته الحرام ، كما أتى عيد الفطر بعد أداء الركن الرابع وهو صيام رمضان ، قال تعالى :( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) .

فكونوا بهذا اليوم فرحين ، متجملين مكبرين ومهللين ، ولبعضكم البعض مهنئين ، وعلى الألفة مجتمعين ، وإلى نداء ربكم عز وجل مستجيبين ، حين ناداكم ربكم بقوله :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) ، ونداكم نبيكم صلى الله عليه وسلم بقوله :" كونوا عباد الله إخوانا ".

اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، واللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .

عباد الله : في هذا اليوم المبارك يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح ضحاياهم اتباعًا لسنة الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، فهي مِلَّة إبراهيمية ، وسنة مؤكدة في الشريعة المحمدية ، قال أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ :« ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

ومما ينبغي أن يستحضره المسلم عند ذبحه لأضحيته طلب الأجر والمثوبة من الله ، ونيل التقوى منه سبحانه ، قال تعالى :﴿ لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقوَى مِنكُم ﴾ [الحج: 37] .

وَذَبْحُ الأُضْحِيَةِ : مِنْ أَعْظَمِ الشُّكْرِ للهِ ﷻ ؛ فَهُوَ إِيْثَارٌ بِالمَالِ المَحْبُوبِ لِلْنُّفُوسِ ، وَيَجْتَمِعُ فِيْهِ:  الإِيمَانُ ، وَالإِخلَاصُ ، وحُسْنُ الظَّنِّ ، وَالثِّقَةُ بِمَا في يَدِ اللهِ! فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللُه عَنْهَا، أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً ؛ فقال ﷺ :( مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ )، قالت :( مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلاَّ كَتِفُهَا )؛ فقال :( بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا! ). أَيْ : بَقِيَتْ لَنَا في الآخِرَةِ إلَّا كَتِفَهَا ؛ وفي هذا حثٌ على الصَّدَقَةِ ، وَأَلَّا يَسْتَكْثِرَ المَرْءُ مَا أَنْفَقَهُ فِيْهَا ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنَ المالِ : يَفْنَى بِأَكْلِهِ ، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ : فَهِيَ بَاقِيَةٌ عِنْدَ اللهِ! كما قال ﷻ :﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ ﴾.

فَضَحُّوا أَيُّهَا المُسلِمُونَ شُكرًا للهِ وَاقتِدَاءً بِسُنَّةِ نَبِيِّكُم ، وَكُلُوا مِن ضَحَايَاكُم وَأَهدُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا ، وسَمُّوا اللهَ عند الذبح وَكَبِّرُوا ، ولا تُحِدُّوا السكين وهي تنظر ، ولا تذبحوها أمام أخواتها ؛ ومَن كَانَ يحسن الذَّبح فَلْيذبح أضحيته بِنَفسِهِ ، وَمَن كَانَ لا يُحسِنُ فَلْيَحضُرْ ذَبِيحَتَهُ ، و تجزئ الشاة الواحدة عن المضحي وأهل بيته كلهم .

وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الأَضَاحي : إِلَى غُرُوبِ اليومِ الثالثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَهُوَ اليومُ ( الثَّالِثُ عَشَر ) مِنْ ذِي الحِجَّةِ ؛ قال النبي ﷺ :( أَيَّامُ التشريقِ : أَيَّامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ ، وَذِكْرٍ للهِ ).

قال ابْنُ رَجَب :( أَيَّامُ التَّشْرِيقِ يَجْتَمِعُ فِيْهَا لِلمُؤمِنِينَ : نَعِيمُ أَبدَانِهِم بِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَنَعِيمُ قُلُوْبِهِمْ بِالذِّكْرِ وَالشُّكْرِ! ).

وَيَتَأَكَّدُ كثرة ذكر الله عز وجل في أيام التشريق ، ومنه التكبير ؛ كما قال عز وجل :﴿ وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾.

وَمِنْ الدُّعَاءِ الَّذِي يَتَأَكَّدُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مَا ذِكْرِهِ اللهُ عَقَبَ آيَاتِ الْحَجِّ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَّا عَذَابَ النَّارِ﴾،‏ وَقَدِ اسْتَحَبَّ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ كَثْرَةَ الدُّعَاءِ بِهَذَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنْ أجْمَعِ الْأدْعِيَةِ لِلْخَيْرِ .

تقبل الله منا ومنكم ، ورزقنا وإياكم شكر النعم .

أقول قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم  .

 الخطبة الثانية :

الحمد لله الذي سهل لعباده طرق العبادة ويسر ، وأكمل لهم الدين والشرع المطهر ، والشكر له على نعمه التي لا تحصر ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً وأكثر . أما بعد : -

عباد الله : اشكروا الله على ما أنعم به عليكم من نعمة الدين العظيم ، الذي أكمله لكم ، وأتم عليكم به النعمة ، ورضيه لكم ديناً ، قال تعالى :" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً "، ديننا أعظم الأديان وأرسخها ، محروس من الزيادة والنقصان ، وما سواه اليوم فهو باطل ؛ ولن يقبل الله من أحدٍ ديناً سوى الإسلام ، قال تعالى :" ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين  ."

واعلموا رحمكم الله أن عمود الدين الصلاة ، فيجب المحافظة عليها ، ومن ضيعها فلا حظ له في الإسلام ، أدوها في أوقاتها مع جماعة المسلمين ، ومروا أبناكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها لعشر  ؛ واعلموا أن الصلاةَ والمحافظة عليها في المساجد من أسباب السعادة والفلاح والبركة في الأرزاق ،﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾.

فاللهَ اللهَ بالصلاةِ وباقي العبادات ، واحفَظوا للعلماء قدرَهُم ، وأطيعوا وُلاةَ أمرِكُم بالمعروف ، وكونوا يداً واحدةً ، وصفاً واحداً مع وُلاةَ أمرِكُم ، فما دُمتُم كذلكَ فلن ينال عدوٌّ منكُم نيلاً بإذن الله .

عِبَادَ الله : ضَحُّوْا تَقَبَّلَ اللهُ ضَحَايَاكُمْ ، واحْتَسِبُوهَا عِنْدَ رَبِّكُمْ ، وأَدْخِلُوا بَهْجَةَ الْعِيدِ فِي بُيُوتِكُمْ ؛ وكَبِّرُوا اللَّهَ تَعَالَى إِذْ هَدَاكُمْ ، واشْكُرُوهُ عَلَى مَا أَوْلَاكُمْ وأَعْطَاكُمْ .

أَعَادَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا وعَلَيْكُمْ وعَلَى المُسْلِمِينَ بِاليُمْنِ والإِيمَان ، والسَّلَامَةِ والإِسْلَام ، والتَّوْفِيقِ لِمَا يُحِبُّ ويَرْضَى ، وتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَال .

اللهم يَسِّرْ لِلحَجِيجِ حَجَهُم ، واحْفَظْهُم مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ ، وَرُدَّهُمْ إلى أهلِيهِم وأوطانِهِم سالِمِين غانِمِين ،  اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين وأذلّ الشرك والمشركين ، وانصر عبادك المؤمنين ، اللهم مَنْ أراد بلادنا بسوءٍ فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرًا له يا سميع الدعاء ، اللهم وفقّ وُلاة أمرنا بتوفيقك وأيّدهم بتأييدك .

اللهم فرِّجْ همَّ المهمومين ، ونفِّسْ كربَ المكروبين ، واقضِ الدَّيْنَ عن المدينين ، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين ، وارحم موتانا وموتى المسلمين ، برحمتك يا أرحم الراحمين .

اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّها أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا.

( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )

وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصَحْبِه أجمعين .

المرفقات

1779793424_خطبة عيد الأضحى 1447.docx

المشاهدات 86 | التعليقات 0