خطبة عيد الفطر ١٤٤٧
د. سلطان بن حباب الجعيد
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ..
الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا يَسَّرَ مِنْ بُلُوغِ الشَّهْرِ..
ثُمَّ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا يَسَّرَ مِنْ تَمَامِهِ وَكَمَالِهِ..
الحَمْدُ لِلَّهِ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ وَهُوَ لِلْحَمْدِ أَهْلٌ،
فَلَوْلَا هِدَايَتُهُ إِيَّانَا وَتَوْفِيقُهُ، لَمَا اهْتَدَيْنَا سَبِيلًا، وَلَا عَرَفْنَا لِلْحَقِّ طَرِيقًا..
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا..
الحَمْدُ لِلَّهِ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِاء مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ الجَدُّ مِنْكَ الجَدُّ..
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الأُمِّيِّ العَرَبِيِّ..
الَّذِي أَرْشَدَ إِلَى طَرِيقِ رَبِّهِ، وَدَلَّ النَّاسَ عَلَيْهِ، فَلَوْلَاهُ لَمَا عَرَفْنَا رَبَّنَا، وَلَا عَرَفْنَا مُرَادَهُ، وَلَا عَرَفْنَا السَّبِيلَ إِلَيْهِ..
خَيْرُ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا، وَخَيْرُ مَنْ أَنْجَبَتِ النِّسَاءُ، وَخَيْرُ مَنْ أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ، وَخَيْرُ مَنْ أَقَلَّتِ الغَبْرَاءُ، وَخَيْرُ مَنْ صَلَّى وَصَامَ وَقَامَ وَأَنْفَقَ..
أَصْدَقُ النَّاسِ، وَأَخْشَاهُمْ، وَأَكْرَمُهُمْ، وَأَشْجَعُهُمْ، وَأَرْحَمُهُمْ، وَأَوْفَاهُمْ، وَأَبَرُّهُمْ، وَعُدُّوا مَا شِئْتُمْ مِنَ الخِصَالِ وَالشَّمَائِلِ..
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ فِي هَذَا اليَوْمِ الأَغَرِّ عَدَدَ مَنْ صَلَّى وَصَامَ، وَعَدَدَ مَنْ تَصَدَّقَ وَقَامَ..
وَصَلِّ عَلَيْهِ عَدَدَ مَا تَجَمَّلَ فِي هَذَا اليَوْمِ المُتَجَمِّلُونَ، وَعَدَدَ مَا تَبَادَلُوا فِيهِ مِنَ التَّبْرِيكَاتِ وَالتَّهَانِي..
صَلَاةً وَسَلَامًا تَتْرَى مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الأَبْرَارِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا..
ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:
اللَّهُ أَكْبَرُ.. اللَّهُ أَكْبَرُ……..
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
فَارَقَنَا الشَّهْرُ، وَكُنَّا بِفِرَاقِهِ أَشْبَهَ بِمَنْ فَارَقَهُمْ أُسْتَاذُهُمْ وَمُعَلِّمُهُمْ!
نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ تَعَلَّمْنَا مِنْهُ الكَثِيرَ وَالكَثِيرَ..
فَهُوَ مُعَلِّمٌ قَدِ امْتَلَأَ حِكْمَةً وَفَاضَ عِلْمًا..
جَلَسْنَا إِلَيْهِ وَتَحَلَّقْنَا حَوْلَهُ، وَهُوَ فِي وَقَارِهِ وَجَلَالِهِ (ثَلَاثُونَ يَوْمًا)، نَنْهَلُ مِنْ دُرُوسِهِ وَحِكْمَتِهِ..
فَكَانَ مِمَّا أَفَاضَ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ مَعِينِ حِكْمَتِهِ، أَنَّ الحَيَاةَ مَعَ طَاعَةِ اللَّهِ (أَجْمَلُ وَأَسْعَدُ)، كَيْفَ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ وَنَحْنُ بِطَاعَتِنَا لِرَبِّنَا نُحَقِّقُ شَرْطَ الحَيَاةِ الهَانِئَةِ وَالسَّعِيدَةِ (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ …)
وَتَعَلَّمْنَا مِنْهُ - أَيْضًا - أَنَّنَا قَادِرُونَ عَلَى كَبْحِ غَرَائِزِنَا وَشَهَوَاتِنَا، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ عَادَاتِنَا السَّيِّئَةِ، وَأَنَّ لَدَيْنَا (الإِرَادَةَ وَالقُدْرَةَ) عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا كُنَّا نَظُنُّهُ فِي أَنْفُسِنَا، وَيُمْلِيهِ عَلَيْنَا الشَّيْطَانُ بِأَنَّنَا لَا نَصْلُحُ لِلِاسْتِقَامَةِ وَلَا تَصْلُحُ لَنَا..
أَلَمْ نَمْتَنِعْ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ شَهْرًا كَامِلًا؟!
أَلَمْ نَقْرَأِ القُرْآنَ وَنَتْلُوهُ؟!
أَلَمْ نَقُمْ اللَّيْلَ؟!
أَلَمْ نُنْفِقْ وَنَتَصَدَّقْ وَنُزَكِّي؟!
أَلَمْ نَدْعُ وَنَخْشَعْ وَنَبْكِ؟!
أَلَمْ نَمْتَنِعْ عَنِ الحَرَامِ؟!
كُلُّ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ (دُرُوسٌ) عَمَلِيَّةٌ، قَدَّمَهَا لَنَا ذَلِكَ المُعَلِّمُ الجَلِيلُ مِنْ وَاقِعِ أَنْفُسِنَا، مِفَادُهَا أَنَّنَا قَادِرُونَ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكِ المُحَرَّمَاتِ مَتَى مَا أَرَدْنَا ذَلِكَ!
اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ..
وَكَانَ مِمَّا أَفَاضَ بِهِ المُعَلِّمُ جَلِيلُ القَدْرِ مِنْ حِكْمَتِهِ وَمِنْ وَاقِعِ حَيَاتِنَا مَعَهُ؛ أَنَّ الحَيَاةَ لَهَا (بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ)، وَأَنَّهَا (سُرْعَانَ) مَا تَنْقَضِي، فَقَدْ مَرَّ الشَّهْرُ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ..
فَكَذَلِكَ الحَيَاةُ بِرُمَّتِهَا، سَيَأْتِي اليَوْمُ الَّذِي تَتَوَقَّفُ فِيهِ وَتَنْتَهِي، وَيَعْلَمُ حِينَئِذٍ الإِنْسَانُ أَنَّهَا كَانَتْ كَالأَحْلَامِ، فقد تَبَدَّدَ كُلُّ شَيْءٍ وَتَوَقَّفَ كُلُّ شَيْءٍ
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)
إِنَّهَا أَقْصَرُ مِمَّا نَظُنُّ وَنَعْتَقِدُ، وَلَوْ قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَتَحَدَّثَ مَعَ المَوْتَى، لَأَخْبَرُونَا أَنَّهُمْ مَاتُوا وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ سَيَعِيشُونَ حَيَاةً أَطْوَلَ..
فَيَا لَهُ مِنْ غُبْنٍ عَظِيمٍ، أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الحَيَاةُ القَصِيرَةُ سَبَبًا لِشَقَاءٍ أَبَدِيٍّ فِي الحَيَاةِ الآخِرَةِ..
وَيَا لَهُ مِنْ فَوْزٍ عَظِيمٍ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الحَيَاةُ القَصِيرَةُ سَبَبًا لِسَعَادَةٍ أَبَدِيَّةٍ فِي دَارِ الخُلْدِ..
فَرَمَضَانُ نَمُوذَجٌ مُصَغَّرٌ لِحَيَاتِكَ، لَهُ بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ، وَأَنْتَ مُبْتَلًى فِيهِ بِطَاعَةٍ تُؤَدِّيهَا خِلَافًا لِشَهْوَتِكَ وَرَغْبَتِكَ، ثُمَّ يُخْتَمُ بِيَوْمِ العِيدِ وَهُوَ يَوْمُ الجَوَائِزِ..
وَكَذَلِكَ هِيَ الحَيَاةُ، بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ وَتَكْلِيفٌ، ثُمَّ تُخْتَمُ بِيَوْمِ النُّشُورِ وَالبَعْثِ، وَهُوَ يَوْمُ العِيدِ لِلطَّائِعِينَ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ، وَيَوْمُ الخُسْرَانِ لِلْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ التَّائِهِينَ، جَنَّبَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ سَبِيلَهُمْ.
اللَّهُ أَكْبَرُ….
وَمِنْ دُرُوسِ هَذَا المُعَلِّمِ الحَكِيمِ، أَنَّهُ أَيْقَظَ فِي دَاخِلِنَا الإِنْسَانَ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ تَغْلِيبِ الإِرَادَةِ عَلَى الشَّهْوَةِ..
فَابْنُ آدَمَ لَهُ صُورَتَانِ؛ صُورَةٌ مَادِّيَّةٌ جَسَدِيَّةٌ حَيَوَانِيَّةٌ،
قِوَامُهَا الأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالنِّكَاحُ وَاللَّهْثُ خَلْفَ الحَيَاةِ وَالبَقَاءِ، وَصُورَةٌ رُوحِيَّةٌ إِيمَانِيَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، قِوَامُهَا الفَضَائِلُ وَالأَخْلَاقُ وَالدِّينُ وَالقِيَمُ وَالمَبَادِئُ..
وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، فَقَبْضَةُ الطِّينِ هِيَ أَسَاسُ صُورَةِ الجَسَدِ وَمُتَطَلَّبَاتِهِ، وَنَفْخَةُ الرُّوحِ مِنْ خَالِقِهِ فِيهِ، هِيَ أَسَاسُ صُورَةِ الرُّوحِ وَمُتَطَلَّبَاتِهَا، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ:
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).
فَفِي دَاخِلِنَا صِرَاعٌ لَا يَتَوَقَّفُ، بَيْنَ الجَسَدِ وَمَا يُرِيدُهُ، وَبَيْنَ الرُّوحِ وَمَا تُرِيدُهُ..
جَاءَ الصِّيَامُ لِيُقَوِّيَ مِنْ جَانِبِ الرُّوحِ وَالإِرَادَةِ فِينَا، عَلَى حِسَابِ قَبْضَةِ الطِّينِ وَالغَرِيزَةِ، وَلِيَنْتَصِرَ لِلإِنْسَانِ الَّذِي بِدَاخِلِنَا عَلَى الحَيَوَانِ الَّذِي بِدَاخِلِنَا..
فَيَنْتَصِرُ كَرَمُنَا عَلَى شُحِّنَا وَبُخْلِنَا..
وَيَنْتَصِرُ عَفْوُنَا عَلَى حِقْدِنَا وَكَرَاهِيَتِنَا..
وَيَنْتَصِرُ حِلْمُنَا عَلَى طَيْشِنَا وَغَضَبِنَا..
وَيَنْتَصِرُ صَبْرُنَا عَلَى جَزَعِنَا..
وَيَنْتَصِرُ صِدْقُنَا عَلَى كَذِبِنَا..
وَيَنْتَصِرُ اسْتِغْفَارُنَا وَتَوْبَتُنَا عَلَى إِصْرَارِنَا عَلَى ذَنْبِنَا..
إِذَا حَدَثَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّنَا حَقَّقْنَا التَّقْوَى، الَّتِي هِيَ أَعْلَى تَجَلِّيَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي جُعِلَتْ غَايَةَ الصَّوْمِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ….)
وَإِذَا لَمْ يَحْدُثْ ذَلِكَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ المُسَيْطِرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ هُوَ الغَرِيزَةُ وَقَبْضَةُ الطِّينِ وَلَيْسَتْ نَفْخَةُ الرُّوحِ، وَقَدْ يَصِلُ حَدُّ السَّيْطَرَةِ إِلَى تَلَاشِي الفَرْقِ بَيْنَ ابْنِ آدَمَ وَبَيْنَ الحَيَوَانِ، وَلِذَلِكَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَقَالَ:
(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)
وَعِنْدَهَا كُلُّ مَنْ تَرَاهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ - أَجَارَكُمُ اللَّهُ وَأَكْرَمَكُمْ - إِنَّمَا هُمْ حَيَوَانَاتٌ فِي صُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ..
فَيَبْطِشُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ كَالْوُحُوشِ..
وَيَحْقِدُ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ كَالْجِمَالِ..
وَيَمْكُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ كَالثَّعَالِبِ..
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَفْتَخِرُونَ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ مُنْتَصِرُونَ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَفْتَخِرُونَ بِحَيَوَانِيَّتِهِمْ.
الله أكبر الله أكبر ..
الخطبة الثانية:
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّهِ الأَمِينِ.
اللَّهُ أَكْبَرُ…
أُخْتِي المُسْلِمَةُ، هَنِيئًا لَكِ الصِّيَامُ وَالقِيَامُ، وَهَنِيئًا لَكِ التَّمَامُ وَالكَمَالُ، وَهَنِيئًا لَكِ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ، فَأَنْتِ مِمَّنْ أَطْعَمَ الصَّائِمِينَ طِيلَةَ الشَّهْرِ، وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ..
أَنْتُنَّ زِينَةُ البُيُوتِ وَالحَيَاةِ وَنُورُهَا، جَمَّلَكُنَّ اللَّهُ بِالإِيمَانِ وَالصَّلَاحِ وَالحَيَاءِ..
اعْلَمِي أُخْتِي الكَرِيمَةُ أَنَّ الإِسْلَامَ كَرَّمَكِ وَعَرَّفَ بِحَقِّكِ، وَشَدَّدَ فِيهِ حَتَّى كُنْتِ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَشَاهِدِ العظيمة كيَوْمَ الحَجِّ..
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا تَتَمَيَّزِينَ بِهِ فِي الإِسْلَامِ، هُوَ أُنُوثَتُكِ، فَقَدْ جُعِلْتِ شَقِيقَةَ الرَّجُلِ، وَلَيْسْتِ كَالرَّجُلِ (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى)
كِيَانٌ مُسْتَقِلٌّ عَنِ الرَّجُلِ، بِطَبْعِهِ وَخِلْقَتِهِ وَدَوْرِهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ احْتِقَارِ المَرْأَةِ فِي هَذَا الزَّمَنِ، هُوَ مُسَاوَاتُهَا لِلرَّجُلِ بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ فِيمَا تَصِحُّ فِيهِ المُسَاوَاةُ وَفِيمَا لَا تَصِحُّ، وَكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهَا: لَا قِيمَةَ لَكِ حَتَّى تَكُونِي كَالرَّجُلِ..
فَذَهَبَتِ المَرْأَةُ تُحَاكِي الرَّجُلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَخَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهَا تَعْمَلُ فِيمَا يَلِيقُ بِأُنُوثَتِهَا مِنَ العَمَلِ وَفِيمَا لَا يَلِيقُ، وَأَلْقَتْ حِجَابَهَا أَوْ تَسَاهَلَتْ فِيهِ، وَقَلَّ حَيَاؤُهَا، فَأَصْبَحَتْ تُخَالِطُ الرِّجَالَ وَتُضَاحِكُهُمْ وَتُمَازِحُهُمْ كَأَحَدِهِمْ تَمَامًا..
وَالإِسْلَامُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَحَرَصَ عَلَى أَنْ تَبْقَى المَرْأَةُ امْرَأَةً وَالرَّجُلُ رَجُلًا، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَعَنَ اللَّهُ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَلَعَنَ المُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ).
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةً مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ مُتَقَلِّدَةً قَوْسًا، فَقَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ المُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ).
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ، لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا، وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا).
احْذَرِي أُخْتِي مِنْ أَنْ تَفْقِدِي تَمَيُّزَكِ كَأُنْثَى، وَاحْذَرِي أَنْ تَفْقِدِي دَوْرَكِ الَّذِي أُنِيطَ بِكِ، لِصَالِحِ دَوْرٍ لَيْسَ لَكِ، أَنْتِ مُرَبِّيَةُ الأَجْيَالِ، وَقِوَامُ البَيْتِ، وَسَكَنُ الرَّجُلِ..
وَالإِسْلَامُ بِهَذِهِ النَّظْرَةِ، يَجْعَلُ دَوْرَكِ مَعَ الرَّجُلِ فِي بِنَاءِ الحَيَاةِ دَوْرًا تَكَامُلِيًّا، فَأَنْتِ تَقُومِينَ بِدَوْرٍ يَحْتَاجُهُ وَلَا يُحْسِنُهُ، وَهُوَ يَقُومُ بِدَوْرٍ تَحْتَاجِينَهُ وَلَا تُحْسِنِينَهُ، وَهَذَا يَجْعَلُ مِنَ العَلَاقَةِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ، عِلَاقَةَ شُعُورٍ بِالأَهَمِّيَّةِ وَالمَوَدَّةِ وَالِانْسِجَامِ..
أَمَّا مَا يَحْدُثُ اليَوْمَ، بِسَبَبِ طُغْيَانِ الفِكْرِ الغَرْبِيِّ، وَالَّذِي لِلْأَسَفِ يُرَوِّجُ لَهُ الإِعْلَامُ، جَعَلَ مِنَ العَلَاقَةِ تَنَافُسِيَّةً، لِأَنَّهُمْ يَتَحَرَّكُونَ فِي دَائِرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَثُرَ الخِلَافُ وَالنِّزَاعُ وَالشِّقَاقُ، وَهَذَا هُوَ الحَالُ إِذَا خَالَفَ النَّاسُ فِطْرَةَ رَبِّهِمُ الَّتِي فَطَرَهُمْ عَلَيْهَا..
اللَّهُ أَكْبَرُ..
وَأَخِيرًا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، لِنَكُنْ أَوْفِيَاءَ لِمُعَلِّمِنَا الَّذِي رَحَلَ، وَذَلِكَ بِالحِفَاظِ عَلَى تَعَالِيمِهِ، حَتَّى نَلْقَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي دُرُوسٍ أُخْرَى عَظِيمَةٍ..
حَافِظُوا عَلَى الطَّاعَاتِ بِكُلِّ أَنْوَاعِهَا، وَاجْتَنِبُوا المُحَرَّمَاتِ..
لَا تَنْقَطِعْ صَلَاتُكُمْ، وَتِلَاوَتُكُمْ، وَصَدَقَاتُكُمْ، وَذِكْرُكُمْ، وَخُشُوعُكُمْ، وَدُعَاؤُكُمْ، وَبُكَاؤُكُمْ..
اجْعَلُوا مِنَ العَامِ كُلِّهِ رَمَضَانًا، فَهَذَا هُوَ لُبُّ الدَّرْسِ الَّذِي أُرِيدُ لَنَا أَنْ نَفْهَمَهُ وَنَسْتَوْعِبَهُ وَنُطَبِّقَهُ.
أَنتُمْ الآنَ بِقُلُوبٍ وَصَحَائِفَ نَقِيَّةٍ وَجَمِيلَةٍ كَنَقَاءِ وَجَمَالِ مَلَابِسِ العِيدِ الَّتِي تَرْتَدُونَهَا، فَكَمَا تُحَاذِرُونَ عَلَى مَلَابِسِكُمْ أَنْ يُصِيبَهَا القَذَرُ وَالوَسَخُ، فَلْيَكُنْ حَذَرُكُمْ عَلَى قُلُوبِكُمْ مِنْ أَنْ تُلَطِّخَهَا الذُّنُوبُ أَشَدَّ حَذَرًا
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ..
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا..
اللَّهُمَّ..
مَعَاشِرَ الإِخْوَةِ، كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ، وَتَقَبَّلَ اللَّهُ طَاعَتَكُمْ، وَأَعَادَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ تَرْفُلُونَ فِي ثِيَابِ الصِّحَّةِ وَالكَرَامَةِ وَالعِزَّةِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا
المرفقات
1773930494_خطبة العيد ( وورد).docx
1773930495_خطبة العيد ( PDF).pdf