خطبة عيسى عليه السلام… عبدٌ رسول لا إلهٌ يُعبد

حسين بن حمزة حسين
1447/07/07 - 2025/12/27 16:36PM
الحمدُ للهِ الواحدِ الأحد، الفردِ الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله ورسولُه، صلواتُ الله وسلامُه عليهم وعلى أصحابهم وأتباعهم، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا
فاتقوا الله عبادَ الله، واعلموا أن دعوةَ الرسل والأنبياء دعوةٌ واحدة، هي توحيدُ الله تعالى، وإفراده بالعبادة، والتحذيرُ من الشرك، قال الله جل وعلا:﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾
إخوةَ الإيمان:عيسى ابنَ مريمَ عليه الصلاةُ والسلامُ نبيٌّ كريمٌ، ورسولٌ عظيمٌ، أحدُ أُولي العزمِ من الرسل، كانت ولادتُه آيةً من آياتِ الله الدالّةِ على قدرتِه جلَّ جلالُه؛ إذِ اصطفى اللهُ أُمَّهُ مريمَ ابنةَ عمرانَ، فاختارَها على نساءِ العالمين، وأرسلَ إليها جبريلَ عليه السلامُ في صورةِ بشرٍ سويٍّ، فطمأنَ قلبَها، وبشَّرَها بولدٍ يكون نبيًّا رسولًا، ثم نفخَ في جيبِ درعِها بأمرِ الله، فكان الحملُ آيةً لا تُشبِهُ الآيات، وكان الميلادُ معجزةً عظيمةً، وبدايةَ رسالةٍ من ربِّ العالمين.
وُلِدَ عيسى عليه السلامُ من غيرِ أبٍ، آيةً كُبرى، لا ليكونَ إلهًا، ولا ابنَ إلهٍ، بل ليكونَ عبدًا رسولًا، ودليلًا على قدرةِ الله المطلقة، قال تعالى:﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. اصطفاهُ اللهُ واجتباهُ برسالتِه، وأرسلَهُ إلى بني إسرائيلَ بالتوحيدِ الخالص، قال تعالى ( وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ)، فدعاهم إلى عبادةِ الله وحده لا شريكَ له، فبلَّغَ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، فقال كما أخبرَ اللهُ عنه:﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾. بل صرَّحَ عيسى عليه السلامُ بحقيقتِه منذُ أوّلِ ولادته، فبدأَ بالعبوديّةِ قبلَ النبوّةِ، ليقطعَ كلَّ طريقٍ إلى الغلوِّ، فقال وهو في المهد:﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. فكانت هذه الكلمةُ أصلَ العقيدة، وأساسَ التوحيد، وحِصنًا من الشركِ والانحراف. وأيَّدَهُ اللهُ بالآياتِ والمعجزات؛ فتكلَّمَ في المهدِ صغيرًا، وكان يُبرئُ الأكمهَ والأبرصَ، ويُحيي الموتى، ويُخبرُهم بما يأكلونَ وما يدَّخرونَ في بيوتِهم، ويخلقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ فينفخُ فيه فيكونُ طيرًا بإذنِ الله؛ كلُّ ذلك بإذنِ الله، لا بذاتٍ من عيسى، ولا باستقلالٍ منه، ليبقى التوحيدُ صافيًا نقيًّا، والعبوديّةُ خالصةً لله وحده.
إخوة الإيمان: أُرسل عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل، وهم قوم موسى عليه السلام من اليهود، يدعوهم إلى توحيد الله، وإفراد العبادة لله، ويُصحّح ما وقع فيه اليهود من تحريفٍ وغلوّ، ويُجدِّد فيهم شريعة الله التي بدّلوها وغيّروها، قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. جاءهم مصدّقًا لما بين يديه من التوراة، كاشفًا لتحريفهم، مبيّنًا زيغهم، فما زادهم ذلك إلا عنادًا وكفرًا، فكذّبوه، وآذوه، وعادوه، ورموا أمَّه الطاهرة بالفاحشة، وتآمروا على قتله، وسعوا في إيذائه، قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. فكذَّبَ اللهُ دعواهم، ونفَى أن يكونوا قد قتلوه أو صلبوه، ورفعه إليه رفعَ تكريمٍ وحفظ، ونجَّاه من مكرهم وكيدهم، وأبقى الحقَّ الذي جاء به ظاهرًا بيِّنًا.
وبقي أتباعُه على التوحيد قرونًا طويلة، يعبدون الله وحده لا شريك له، حتى تسلَّل الوثنيون إلى دينهم، فأدخلوا عليه التثليث، وزعموا بنوَّةَ الله، فحرَّفوا العقيدة وبدَّلوا الدين، وضلّوا بعد الهدى.
إخوة الإيمان: ومن أعظم الانحرافات التي وقعت في التاريخ الغلوُّ في الصالحين، وقد وقع النصارى في أعظم غلو، حين أخرجوا عيسى من مقام العبودية إلى مقام الألوهية، فتوعدهم الله وعيدًا شديدًا، وقال في وعيدٍ ترتعد له القلوب: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا (88) لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا (93) لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾، وقال تعالى-: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) وإذا كان نصارى اليوم نسبوا إلى عيسى -عليه السلام- القول: بأنه الله أو ابن الله -تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا-، فإن عيسى -عليه السلام- سوف يُكذبهم، ويفضحهم على ملأٍ من الأشهاد يوم القيامة حيث يقول الله -عز وجل-:﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فالذين يؤلِّهون عيسى عليه السلام أو يزعمون أنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا ـ أو يقولون إن الله ثالثُ ثلاثة؛ أولئك قد وقعوا في الكفر والضلال المبين ، وواجبُنا نحن أمةَ التوحيد أن نبرأ إلى الله من أقوالهم وأفعالهم الباطلة، ومعتقداتهم الفاسدة، وأن نُخالف دينهم، ونفارق شعائرهم، ولا نُشاركهم أعيادهم؛ تعظيماً لله عز وجل، وصيانةً لعقيدتنا، وحفظًا لتوحيد ربِّنا، واتباعًا لمنهج الأنبياء والمرسلين. قال الله -عز وجل-:﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم ﴾
الخطبة الثانية:
إخوةَ الإيمان: عيسى عليه السلام بشرٌ مخلوق، مكث في بطن أمه بين فرث ودم مدّة حمله، وُلِد من أمٍّ كما يُولد البشر، ونشأ طفلًا في حجرها، ضعيفًا محتاجًا، تجري عليه أحوال الآدميين، يأكل ويشرب، وينام ويستيقظ، فكانت نشأت وحياتُه شاهدتين على عبوديته، ودليلًا بيِّنًا على أنه عبدٌ رسول، لا ربٌّ ولا إله، تنزَّه اللهُ جلَّ جلاله وتعاظم سلطانُه عن كلِّ ما لا يليق بكماله، فهو الإلهُ الحقُّ الكامل في أسمائه وصفاته، المتفرِّدُ بالعظمة والجلال، الصمدُ الذي يُقصَد ولا يقصِد، والغنيُّ الذي لا يفتقر، والحيُّ القيوم الذي لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم.﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، تعالى عن مشابهة المخلوقين، وتقدَّس عن صفاتهم، فلا يعتريه نقص، ولا يلحقه ضعف، ولا تمسّه حاجة، سبحانه ربُّ السماوات والأرض، له الكمال المطلق، وله الحمد في الأولى والآخرة.
ونحن – والله – أولى الناس بعيسى عليه السلام، لأننا آمنّا به عبدًا لله رسولًا، فلم نكذّبه كما كذّبه اليهود، ولم نغلُ فيه كما غلت النصارى، ولم نحرّف دعوته، بل شهدنا له بالعبودية والرسالة، فلا نسجد إلا لله، ولا نركع إلا لله، ووحده ندعو ونستغيث ونستعيذ، وله نذبح وننذر، نؤمن بأن اللهَ تعالى سيُنزل عيسى ابنَ مريم عليه السلام في آخر الزمان، كما صحَّ عن رسول الله ﷺ، ليُقيم الحقَّ ويُبطل الشرك، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويحكم بشريعة القرآن، ويكون تابعًا لمحمدٍ ﷺ غيرَ مستقلٍّ برسالةٍ ولا شريعة؛ فيغدو نزولُه آيةً ظاهرة ثانيةً على صدق التوحيد، وبيانًا فاضحًا لبطلان الشرك وأهله، وحجّةً قائمةً على العالمين.
فاتقوا الله عبادَ الله، لا تشاركوا النصارى أعيادهم، فإن الأعياد من جملة الشرائع، والموافقة فيها موافقة لهه في دينهم وضلالهم، واثبتوا على التوحيد، واعتزّوا بدينكم، فهو دينُ جميع الأنبياء: دينُ إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمدٍ ﷺ.﴿سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾،﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾.اللهم ثبّتنا على التوحيد حتى نلقاك، وأحيِنا عليه، وتوفّنا عليه، وصلِّ اللهم وسلّم وبارك على نبينا محمد، وصلِّ اللهم وسلّم وبارك على إبراهيم وموسى وعيسى وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ، وارضى عن أتباعهم في العالمين إلى يوم الدين، اللهم أرض عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن بقية الصحابة والتابعين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.....    
المشاهدات 174 | التعليقات 0