خطبة في الظلم وأنواعه والتحذير منه
صالح محمد السعوي
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة في الظلم وأنواعه والتحذير منه
بقلم وتأليف/ صالح بن محمد السعوي
الحمد لله الذي حرم الظلم على نفسه، ونهى عن ارتكابه، وعظم شأنه ومصير مقترفيه.
أحمده تعالى وأثني عليه بما هو أهله.
وأشكره سبحانه ويا سعادة من استدام شكره.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بيده الخير والرحمة والمغفرة.
وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله إلى الناس كافة.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أنصار الدين ورعاته وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واتقوا الظلم فإن الله حرمه على نفسه، ونهى عن التظالم بين العباد، ففي ما يروي رسول الله ﷺ عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا" الحديث رواه مسلم.
وقال سبحانه: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) [يونس الآية ٤٤]
وقال: ((وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)) [القصص الآية ٥٩].
وأمر رسول الله ﷺ باتقاء الظلم.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ" الحديث رواه مسلم.
وللظلم تأثير حتى على البقاع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إن النبي ﷺ لما مر بالحجر قال: "لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، إلَّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، أنْ يُصِيبَكُمْ ما أصابَهُمْ" ثُمَّ تَقَنَّعَ برِدَائِهِ وهو علَى الرَّحْلِ، متفق عليه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "إيَّاكم والشُّحَّ فإنَّما أهلَك مَن كان قبْلَكم، أمَرَهم بالظُّلمِ فظلَموا، وأمَرَهم بالقَطيعةِ فقطَعوا، وأمَرَهم بالفُجورِ ففجَروا، وإيَّاكم والظُّلمَ؛ فإنَّ الظُّلمَ ظُلماتٌ يومَ القيامةِ، وإيَّاكم والفُحشَ؛ فإنَّ اللهَ لا يحِبُّ الفُحشَ ولا التَّفحُّشَ" الحديث رواه أبو داود بإسناده حسن وقال: محقق جامع الأصول إسناده صحيح.
وقد يملى الله للظالم فلا يعاجله، قال سبحانه: ((وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)) [إبراهيم الآية ٤٢]
وقال جل وعلا: ((وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)) [النحل الآية ٦١]
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظّالِمِ، حتَّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود الآية ١٠٢] متفق عليه.
وأعظم الظلم الشرك بالله، قال سبحانه: ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) [لقمان الآية ١٣].
وقال جل وعلا: ((احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ)) [الصافات الآيتان ٢٢،٢٣].
ومن شنائع الظلم عدم التذكر بآيات الله والإعراض عنها.
قال سبحانه: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا)) [الكهف الآية ٥٧].
ومن شنائع الظلم الافتراء على الله، قال عز وجل: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)) [الأنعام الآية ٩٢]
ومن الظلم تعريض النفس والإلقاء بها إلى التهلكة والله يقول: ((وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) [البقرة الآية ١٩٥]. ويقول: ((وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)) [النساء الآية ٢٩]
ومن الظلم للنفس عدم المجاهدة فيها على طاعة الله وما يقرب إليه، وتركها وما تهواه من المعاصي والشهوات التي تصد عن ذكر الله.
ومن الظلم سوء الظن بالمسلمين، وتتبع عوراتهم، والبحث عن زلاتهم، وإشاعة ما قد يحصل من أخطاء ربما لا تكون مقصودة، واغتيابهم، والنّم فيهم، والكذب عليهم، والشتم واللعن والقذف والسب لهم.
والمسلم أخو المسلم لا يظلمه لا في عرضه ولا في دمه ولا في ماله.
ومن الظلم التسلط على الناس والتجبر عليهم والتكبر والاحتقار وإيذائهم بالقول والفعل والله حرم ذلك، وعظم حرمة المسلم فلا يظلم.
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هذا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكيفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قالَ: "تَأْخُذُ فَوْقَ يده" رواه البخاري ومسلم.
ومن الظلم منع الحقوق، وعدم الوفاء بها، أو تأخيرها عن وقت وجوب دفعها من غير سبب يجيز تأخيرها، أو انتقاصها والاختلاس منها، أو أن يكون مؤتمناً عليها، وموكلاً إليه بحفظها وتنميتها فيعرضها للهلاك والتلف.
ومن الظلم تكليف الأيدي العاملة بأعمال فوق طاقتهم أو لم تكن من اختصاصهم وعدم الوفاء لهم بما قرر لهم من أجور، وتأخيرها مع حاجتهم إليها وغربتهم من أجلها، ومن الثلاثة الذين خصهم الله يوم القيامة "رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا فاسْتَوْفَى منه العمل ولم يوفه أجره" رواه البخاري.
وكما تدرأ عقوبة الظلم فإن للمظلومين دعوات، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتُهم: الصائمُ حتى يُفطِرَ، والإمامُ العادلُ، ودعوةُ المظلومِ، يرفعها اللهُ فوقَ الغمامِ ويُفتَحُ لها أبوابُ السماءِ، ويقولُ الربُّ: وعزَّتي لأنصرنَّكِ ولو بعد حِينٍ" رواه الترمذي وغيره وقال مخرجه رجال إسناده حسن.
اللهم أصلح الأولاد والنساء وأسلك بهم نهج الهدى، وأعذهم من مضلات الفتن والأسواء.
اللهم أصلح إمامنا واحفظه وانصر به الدين، وأصلح ولي عهده والعلماء والأمناء والمستشارين وشد عضده بهم يا رب العالمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ((فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ))
[الأعراف الآية ١٦٥]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
خطبة أخيرة في الظلم وأنواعه والتحذير منه
الحمد لله الذي بين لعباده الظلم وسوء عاقبة الظالمين.
أحمده تعالى على محاسن هذا الدين.
وأشكره سبحانه والفضل منه لهداية الشاكرين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين.
وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الرحمة المهداة للعالمين.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الفضلاء المفضلين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه، ولا تستهينوا بشأن الظلم، وهو من الأمور التي تغشى النفوس عند أدنى مخالفة لما تهواها ولو كان سيئاً ومهلكاً فيحصل الظلم تشفياً للنفس الأمارة بالسوء، وإنفاذاً للإرادة السيئة، والمقاصد الخبيثة، ولهذا فإن الظلم يتنوع ويكون بالقول والإقدام على الفعل وقل أن تخلو من الملابسة بشيء منه، ولكن المسلم يحرص على تطهير نفسه منه بمجاهدتها والملازمة في ذلك لا سيما حال إشرابها بالهوى المردي وتسويل الشيطان المغوي، وطيشان الغضب فيتفلت من اللسان الكلمات البذيئة التي معظمها ظلم وجور، وربما اشتركت اليد بالضرب، وكل اعتداء يعد ظلماً ومنه منع الحقوق الثابتة يعد ظلماً.
وإن عليكم عباد الله توقي الظلم بأنواعه وأشكاله والترفع بالنفس عن دواعيه
عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله ﷺ: "دع ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ فإن الصِّدقُ طُمَأنينةٌ، والكَذِبُ رِيبةٌ" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح والنسائي وقال محقق جامع الأصول إسناده صحيح.
وصلوا على الهادي البشير فإن الله يقول: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) [الأحزاب الآية ٥٦].
ومن صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشراً اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد بعد الأنفس والأنفاس.
وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن بنات نبينا وزوجاته أمهات المؤمنين وعن سائر الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وعنا معهم أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين واحم حوزة الدين وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين واكفنا والمسلمين شر الأشرار وكيد الفجار واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أصلح ولاة أمورنا وكل من تولى للمسلمين أمراً، وخص إمامنا بالحفظ والتوفيق والعون والتسديد، وأصلح بطانته من ولي عهده والعلماء وخيرة المؤمنين المؤتمنين المصلحين.
اللهم ألف على الحق بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام، وامنحنا مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وأعذنا من مساوئها ومن الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا وعم بالصلاح الزوجات والأولاد وجميع المسلمين.
اللهم تب على التائبين واغفر ذنوب المذنبين، واقض الدين عن المدينين واشف مرضانا ومرض المسلمين واجعل لنا من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ومن كل بلاء عافية.
اللهم احفظ لنا إيماننا وثبتنا عليه واحفظ قادتنا وبلادنا والقائمين على شئون أمنه.
اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعفو عنا واغفر لوالدينا ولمن أحسن إلينا وله حق علينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.