خواتيم رمضان، وداع الأيام الغاليات
د أحمد بن حمد البوعلي
خواتيم رمضان، وداع الأيام الغاليات
خطبة الجمعة: 24 / 9 / 1440 هـ جامع الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني - رحمه الله - الأحساء
الخطبة الأولى
الحمد لله ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقابلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [1]، أحمده سبحانه وأشكره أن يسّر لنا الصيام والقيام، ونسأله أن يوفقنا للاستقامة على دينه على الدوام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل مواسم الخيرات مِضماراً للسبق، وميادين للعتق، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي كان إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله: فإنه بقي من هذا الشهر أيام مباركات، وليالٍ فاضلات، وساعات غاليات، بقيت منح وهبات، وأجور وأعطيات، ونحن نتعامل مع رب رحيم، وإله كريم، ولو لم يبقَ في هذا الشهر المبارك إلا دقيقة واحدة؛ فما الذي يصرفنا عن اغتنامها؟! وهل يا ترى تعود علينا أيام الشهر أو لا تعود؟! ومن هو المقبول منا ومن هو المردود؟
أيها الفضلاء، إننا نعيش في "أمتار السباق الأخيرة"، وفي هذه الأمتار تظهر معادن الرجال، وتتجلّى قوة العزائم. تأملوا في حال المسافر الذي قارب الوصول، وفي حال الزارع الذي دنا وقت حصاده؛ هل يلتفتون لراحةٍ أو يخلدون لنوم؟ بل يشتد فيهم الشوق، وتتضاعف فيهم الجدية. إن رمضان الذي استقبلناه بالأمس القريب، يلملم اليوم ثيابه للرحيل، فمن كان منكم قد أحسن فليتمَّ الإحسان، ومن كان قد فرّط فليجبر ما فات بحسن التمام؛ فإن الخيل إذا قاربت المنتهى بذلت ما في وسعها لتنال شرف الفوز. إن العبد الصادق هو من يجعل من "خواتيم الأيام" محراباً للندم الصادق، ومنارةً للأمل الواسع؛ فربَّ لحظةِ انكسارٍ في سَحَرٍ متبقٍ، تعدل عند الله عبادة السنين، وربَّ دمعةِ أسفٍ على ما ضاع، تمحو صحائف الذنوب والآثام.
عباد الله:
يقول ابن الجوزي رحمه الله: "إن الخيل إذا شارفت نهاية المضمار بذلت قصارى جهدها لتفوز بالسباق، فلا تكن الخيل أفطن منك؛ فإنما الأعمال بالخواتيم، فإنك إذا لم تُحسن الاستقبال، لعلك تُحسن الوداع".
وإن من أعظم هذه الليالي ليلة القدر، فرصة العمر، وغرة الشهر، ليلة تتنزل فيها الرحمات، وتضاعف فيها الحسنات.
وإنها في ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون، لقوله ﷺ: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ" [2]. فتَحَرَّ ـ أيها المبارك ـ هذه الليلة، وأكثر فيها من الذكر والدعاء، وتفرغ لها تماماً؛ فقد لا يتيسر لك إدراكها مرة أخرى.
أيها الصائمون، إن هذه الجمعة هي آخر جمعة من رمضان، وهكذا تمضي الأعمار، وإنما العبد جملة من أيام؛ كلما ذهب يوم ذهب بعضه. فعاهد نفسك وأنت في آخر هذا الشهر أن تستمر على طاعة ربك، فلا تكن عابداً موسمياً، يودع العبادة مع وداع الشهر، بل كن عبداً "ربانياً" لا "رمضانياً". إن ربَّ رمضان هو ربُّ شوال وربُّ كل الشهور، وإن علامة قبول صيامك أن تجد في قلبك حلاوةً للطاعة تدفعك لمواصلة المسير بعد رحيل الضيف الكريم.
عاهد نفسك وأنت في آخر هذا الشهر الكريم أن تستمر على طاعةربك، وادع الله بكل إخلاص وتجرد وإلحاح أن يديم عليك نعمة الطاعة،وأن يرزقك حبها، وأن تكون أحب إليك مما سواها من متع الدنياالفانية؛ فإن السعيد من قُبل عمله، والموفق من ثبته ربه.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب،فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وبعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن شهر رمضان الذي سوف نودعه بما أودعناه، لم يتبقَّ منه إلا بضعة أيام، الأيام المعدودة التي ذكر الله في كتابه، أوشكت على الانتهاء، ومَن يدري مَن يدرك عودتها؟!
تُؤَمِّلُ في الدُّنْيَا طَوِيلاً وَلَا تَدْرِي ** إِذَا جَنَّ لَيْلٌ هَلْ تَعِيشُ إِلَى الْفَجْرِ
أيها الإخوة، إن من أبرز صفات المؤمن أنه مهما بلغ فيه التقصير، فإنه يحسن ظنه بربه، ولا يقنط من رحمة من هو أرحم به من أمه، ففي الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي" [3]. إننا ونحن نودع رمضان، نودعه بقلوبٍ وجلة وأعينٍ باكية، لكننا نودعه بيقينٍ أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. إن التقصير الذي حصل منا في أول الشهر، يُجبر في آخره بالندم والاستغفار؛ فالله عز وجل "أهل التقوى وأهل المغفرة"، وقد أعطى أمتنا خصالاً لم تُعطَ لأمة قبلها، منها المغفرة في آخر ليلة من الشهر؛ لأن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله [4]. فلا يثبّطنّكم الشيطان بذكريات تقصيركم، بل أقبِلوا على الله في هذه البقية، فإنه سبحانه يغفر الذنوب جميعاً.
معاشر المسلمين، إن خروجنا من رمضان يجب أن يكون خروجاً بشخصياتٍ جديدة، وعزائم أقوى. إن دور الفرد منا في استدامة هذا "الأمن الروحي" يبدأ من الحفاظ على الصلوات الخمس في جماعة، ومن المداومة على ورد القرآن، ومن لزوم التقوى في السر والعلن. لقد تدربتم في مدرسة الصيام على ضبط النفس وترك المباحات لأجل الله، فأحرى بنا أن نضبط نفوسنا عن المحرمات في بقية عامنا.
عباد الله:
لقد فرض الله عليكم زكاة الفطر، طهرة للصائم وطعمة للمساكين [5]. وإن من فضل الله أن جعل يوم العيد يوماً للفرح بتمام النعمة، فتجملوا فيه وتنظفوا، وأظهروا الفرح والسرور مع الحذر من المعاصي، وتقبل الله منا ومنكم.
اللهم يا حي يا قيوم، يا غافر الذنب وقابل التوب، تقبل منا ما أمضيناه من رمضان، وأعنّا على ما بقي منه على الوجه الذي يرضيك عنا.
اللهم وفق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم ألبسه ثوب الصحة والعافية، واجعله ذخراً للإسلام والمسلمين.
اللهم وفق ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، وسدده في أقواله وأفعاله، واجعل عمله في رضاك، ووفقه لما فيه صلاح البلاد والعباد.
اللهم اجعلنا ممن صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً، واجعلنا من عتقائك من النار. اللهم أعده علينا أعواماً عديدة، وأزمنة مديدة، ونحن في خيرٍ وأمنٍ وأمان. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
الهوامش:
[1] سورة غافر، الآية: 3.
[2] أخرجه ابن حبان (3688)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5444).
[3] أخرجه البخاري (7405) ومسلم (2675).
[4] أخرجه أحمد في المسند (2/292)، والبزار، من حديث أبي هريرة .
[5] أخرجه البخاري (1503) ومسلم (984).