ذهاب الحسنة بالسيئة

د أحمد بن حمد البوعلي
1447/11/12 - 2026/04/29 17:22PM

ذهاب الحسنة بالسيئة

خطبة الجمعة: 25 / 11 / 1446هـ جامع الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني - رحمه الله

الخطبة الأولى

  الحمد لله الذي جعل الحسناتِ ماحياتٍ للآثام، والسيئاتِ جالباتٍ للندامةِ والملام، نحمده سبحانه أن فتح لنا أبواب التوبة، وأرشدنا لمداواة الذنوب بالأوبة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في كتابه: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واجتهدوا في الأعمال الصالحة، واكتسبوا الحسنات، واحذروا السيئات؛ فإن كل عامل يجد ما عمل ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [1].

أيها الناس:

المؤمن مأمور في حياته كلها باكتساب الحسنات، ومجانبة السيئات، ومحو السيئة بالحسنة. ولا يقدر أحد مهما بلغ من الإيمان والتقوى أن يجمع كل الحسنات، وأن يجتنب كل السيئات؛ ولذا كانت العبرة بالكثرة؛ فمن كثرت حسناته وقلت سيئاته كان من السعداء.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [2]؛ يقول فيه المفسرون: إنّ فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة، كما في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن صلاة الركعتين بعد الوضوء [3]، وحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه في إسباغ الوضوء [4]، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في تشبيه الصلوات الخمس بالنهر الغمر [5].

عباد الله، إن ذهاب السيئة بالحسنة ليس مجرد محوٍ في الأوراق، بل هو طهارةٌ في الروح، ونورٌ يعود إلى القلب بعد ظلمة المعصية. إن الله تعالى من كرمه جعل "النفس الطيبة" كالأرض التي تغسلها الأمطار، فكلما أصابتها غبرة الخطايا، طهرتها مياه الاستغفار وصالح الأعمال. وإن أعظم الحسنات التي تذهب السيئات هي "التوبة النصوح" التي تبدل السيئات نفسها إلى حسنات، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [6]. فاحرصوا على أن يكون لكم خبيئة من عمل صالح تمحون بها ما سلف من الزلل.

أيها المسلمون:

وكما أن الحسنات يذهبن السيئات، فكذلك السيئات قد يذهبن كثيراً من الحسنات؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [7]. والذنوب التي تبطل الحسنات نوعان:

الأول: ذنوب تتعلق بحقوق المخلوقين؛ كالمفلس الذي يأتي بصلاة وصيام ولكنه شتم هذا وقذف هذا [8]. 

الثاني: ذنوب هي حق محض لله؛ من كبائر وموبقات، أو محقرات الذنوب التي تجتمع على الرجل حتى تهلكه [9].

عباد الله، إن هذه الموازنة الدقيقة بين الحسنات والسيئات تجعلالمؤمن دائماً بين الخوف والرجاء؛ يرجو رحمة ربه بكثرة الطاعات،ويخاف عدله من شؤم المعاصي والموبقات. فاجعلوا من حسناتكمحصناً حصيناً، ومن استغفاركم سلاحاً مبيناً، واعلموا أن العبد لايزال بخير ما كان له من نفسه واعظ، ومن ذنبه مشفق. فبادروابالأعمال، وحاذروا من الإهمال، فإن العبرة بالخواتيم، والسعيد منلقي الله بصحيفةٍ طهرتها الحسنات الماحية، ونقّتها التوبة النصوحالصادقة.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب،فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، أما بعد:

فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [10].

أيها المسلمون، إن أخوف ما يخافه العاقل هو "الاستنزاف الخفي" للحسنات. فقد يتعب العبد في قيام ليله، ويجتهد في صيام نهاره، ثم بكلمةِ غيبةٍ واحدة، أو بسخريةٍ من مؤمن، أو بنظرةِ استصغارٍ لفقير، يذهب تعب السنين في لحظة! إن السيئات "نارٌ" تحرق حطب الحسنات، وقد ضرب الله لنا مثلاً بالرجل الذي له جنة من نخيل وأعناب، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت [11]. قال ابن القيم رحمه الله: "فلو تصور العامل بمعصية الله تعالى بعد طاعته هذا المعنى؛ لما سولت له نفسه إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها" [12].

إن الحفاظ على الحسنات أشد من اكتسابها، فكونوا لحسناتكم أحفظ منكم لأموالكم ودنانيركم.

أيها المؤمنون:

توزن أعمال العباد يوم القيامة، فمن رجحت حسناته دخل الجنة، ونجاة المؤمن تكون بالإكثار من الحسنات، والبعد عن السيئات، ومحاسبة النفس. قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: «إن الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها وينسى المحقرات، فيلقى الله وقد أحاطت به، وإن الرجل ليعمل السيئة فلا يزال منها مشفقاً حتى يلقى الله آمناً» [13].

أيها الإخوة، اجعلوا من يومكم هذا منطلقاً لتجديد العهد مع الله، ومسحِ صحائف الماضي بالاستغفار، وبناءِ مستقبل الآخرة بكثرة السجود والإحسان.

اللهم اهدنا لأحسن الأعمال والأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. اللهم اجعل حسناتنا في زيادة، وسيئاتنا في محوٍ وعفادة. اللهم احفظ علينا أعمالنا من الحبط والضياع، ونقِّ قلوبنا من الرياء والنفاق. اللهم وفق ولاة أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

اللهم وفّق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لما تحبوترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم ألبسه ثوب الصحةوالعافية، وأطل في عمره على طاعتك، واجعله ذخراً للإسلام والمسلمين.

اللهم وفق ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، اللهم سدده فيأقواله وأفعاله، وكن له عوناً ونصيراً ومعيناً، اللهم اجعل عمله فيرضاك، ووفقه لما فيه صلاح البلاد والعباد، وعزّ الإسلام والمسلمين.

اللهم احفظهما بحفظك، واكلأهما برعايتك، واجعل لعملهما القبول،ولجهودهما التوفيق، اللهم ارزقهما البطانة الصالحة الناصحة التيتدلهما على الخير وتعينُهما عليه، اللهم أعزّ بهما دينك، وأعلِ بهماكلمتك، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً سخاءً وسائر بلادالمسلمين.

اللهم وفقهما لمواصلة مسيرة البناء والعطاء، وبارك في جهودهمالخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، واجزِهما خير الجزاء عمايقدمانه لخدمة الإسلام ونصرة قضايا المسلمين.

الهوامش:

[1] سورة الزلزلة، الآيات: 6-8.

[2] سورة هود، الآية: 114.

[3] أخرجه أحمد (1/2)، وأبو داود (1521)، والترمذي (406).

[4] أخرجه البخاري (164)، ومسلم (226).

[5] أخرجه البخاري (528)، ومسلم (667).

[6] سورة الفرقان، الآية: 70.

[7] سورة محمد، الآية: 33.

[8] أخرجه مسلم (2581).

[9] أخرجه أحمد (5/331) من حديث سهل بن سعد.

[10] سورة البقرة، الآية: 281.

[11] سورة البقرة، الآية: 266.

[12] انظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم (1/178) أو "الفوائد".

[13] أخرجه البخاري تعليقاً في كتاب الرقاق، ووصله ابن المبارك في "الزهد". وحديث ابن مسعود في القبلة: أخرجه البخاري (526)، ومسلم (2763).

المشاهدات 181 | التعليقات 0