ذَوْق حَلَاوَةِ الإِيمَانِ
عادل بن عبد العزيز الجهني
الحَمْدُ لِلَّهِ الكَرِيمِ المُتَعَالِ، خَلَقَ خَلْقَهُ مِنْ تُرَابٍ، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ فَضْلَهُ وَسَائِرَ الأَنْعَامِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، مَنَّ عَلَيْنَا بِالإِسْلَامِ وَجَعَلَنَا مِنْ خَيْرَةِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلأَنَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ المَلِكُ العَلَّامُ، رَبُّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَهُوَ اللَّطِيفُ الرَّحْمٰنُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا خَيْرُ مَنْ عَبَدَ رَبَّهُ وَذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي النُّهَى وَالإِذْعَانِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ لِيَوْمِ التَّنَادِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا النَّاسُ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَالتَّقْوَى أَعْظَمُ لِباسٍ، وَخَيْرُ مَنَالٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
عِبَادَ اللَّهِ.
أَعْظَمُ مَا فِي الدُّنْيَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وَأَجْمَلُ مَا فِيهَا مَحَبَّةُ الرَّحِيمِ الرَّحْمٰنِ، وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ حَلَاوَةَ الدُّنْيَا إِلَّا بِهٰذِهِ المَعْرِفَةِ الحَقَّةِ لِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هٰذِهِ المَعْرِفَةُ الَّتِي أَسْكَنَهَا اللَّهُ قُلُوبَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ فَأَحَبُّوا رَبَّهُمْ وَأَذْعَنُوا لَهُ وَاسْتَجَابُوا لِأَوَامِرِهِ عُبُودِيَّةً لَهُ وَاعْتِرَافًا بِحَقِّهِ.
فَحَرِيٌّ بِالعَبْدِ النَّاصِحِ لِنَفْسِهِ أَنْ يَبذلَ جُهْدِهِ لِيَجِدَ مَا وَجَدَهُ عِبَادُ اللَّهِ المُتَّقُونَ مِنْ مَعْرِفَةِ رَبِّهِمُ، وَمَحَبَّتِهِ، وَالتَّلَذُّذِ بِطَاعَتِهِ، وَالأُنْسِ بِمُنَاجَاتِهِ، وَهٰذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ دُونَ مَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ البِدَعِ وَالأَوْهَامِ، مِنَ الرُّسُومِ وَالخُزَعْبَلَاتِ المُحْدَثَةِ، وَلَعَلَّنَا أَنْ نَقِفَ اليَوْمَ مَعَ حَدِيثٍ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ نَتَفَيَّأُ مِنْ خِلَالِهِ ظِلَالَ بعضِ هٰذَا المَعْنَى الجَلِيلِ.
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا”.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ.
هٰذَا الخَبَرُ مِنَ المُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَضَمَّنُ بُشْرَى عَظِيمَةً لِأَهْلِ الإِيمَانِ،وهي ِذَوْقِ حَلَاوَةِ الإِيمَانِ، وَحَلَاوَةُ الإِيمَانِ تَعْنِي اللَّذَّةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ الَّتِي يَنْشُدُهَا العَالَمُ كُلُّهُ، وَهٰي التي أَبَانَ عَنْهَا هٰذَا الحَدِيثُ، وَهِيَ الرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَرَسُولًا، وَهٰذِهِ لَا تَتَأَتَّى إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَعَانِي هٰذَا الرِّضَا، وَتِكْرَارِ هٰذَا الذِّكْرِ صَبَاحًا وَمَسَاءً، مَعَ اسْتِحْضَارِ مَعَانِيهِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ.
مَنْ أَرَادَ أَنْ يَذُوقَ طَعْمَ الإِيمَانِ بِالرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا، فَإِنَّ ذٰلِكَ يَكُونُ بِمَعْرِفَةِ عَظَمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالإِذْعَانِ وَالعُبُودِيَّةِ لَهُ، وَالاسْتِسْلَامِ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، مَعَ اليَقِينِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَكَمَالِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ.
وَيَكُونُ كَذٰلِكَ بِالتَّأَمُّلِ فِي نِعَمِ اللَّهِ، وإِذَا كَانَ الإِنْسَانُ يُحِبُّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ مَرَّةً، فَكَيْفَ بِمَنْ نِعَمُهُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ؟
تَأَمَّلُوا أَعْظَمَ نِعْمَةٍ: نِعْمَةَ الإِسْلَامِ، قال الله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]
ولَوْ سَجَدَ العَبْدُ عُمْرَهُ كُلَّهُ مَا وَفَّاهَا حَقَّهَا.
ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ شَعَرَ بِالعِزَّةِ فِي سُجُودِهِ لِلَّهِ، وَمَنْ تَجَرَّدَ قَلْبُهُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالمَخْلُوقِينَ، وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي الكَوْنِ فَعَرَفَ عَظَمَةَ رَبِّهِ.
عِبَادَ اللَّهِ.
إِنَّ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا: طَاعَتَهُ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ، وَالإِذْعَانَ لِشَرْعِهِ.
فَاللَّهُ يَقْضِي بِالقَضَاءِ المُرِّ عَلَى عَبْدِهِ، فَيَتَأَلَّمُ العَبْدُ، وَلٰكِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ.
وَيَشْرَعُ اللَّهُ الشَّرَائِعَ، فَيَشْعُرُ بَعْضُ مَنْ جَهِلَ الحِكْمَةَ بِالحَرَجِ مِنْهَا، وَلٰكِنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِاللَّهِ رِضًا أَذْعَنَ وَاسْتَسْلَمَ، وَشَعَرَ بِالطُّمَأْنِينَةِ وَالرِّضَا، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَشْرَعُ إِلَّا الحَقَّ، وَلَا يَقْضِي إِلَّا العَدْلَ وَالخَيْرَ لِلْعَبْدِ
وَمِنْ أسباب ذوْق حَلَاوَةِ الإِيمَانِ: الرِّضَا بِالإِسْلَامِ دِينًا، هٰذَا الدِّينُ الَّذِي جَمَعَ كُلَّ خَيْرٍ، وَأَصْلَحَ كُلَّ حَالٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾
فَمَنْ عَرَفَ الإِسْلَامَ بِعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ، رَضِيَ بِهِ، وَعَرَفَ أَنَّهُ فِي نِعْمَةٍ كَبِيرَةٍ وَمِنَّةٍ جَسِيمَةٍ مِنَ الرَّحْمٰنِ، فَشَكَرَ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَقَالَ هٰذَا الذِّكْرَ بِقَلْبٍ حَاضِرٍ، وَحَمْدٍ وَافِرٍ.
فَالْزَمُوه -عِبَادَ اللَّهِ-، وَاسْتَحْضِرُوا مَعَانِيهِ، لِتَذُوقُوا حَلَاوَةَ الإِيمَانِ.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هٰذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
⸻
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمٰنِ، الكَبِيرِ المُتَعَالِ، مَنَّ عَلَيْنَا بِهٰذَا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَتْبَاعِهِ.
عِبَادَ اللَّهِ.
وَمِمَّا يَذُوقُ مَعَهُ العَبْدُ طَعْمَ الإِيمَانِ: الرِّضَا بِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا وَرَسُولًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
نَعَمْ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- هٰذَا النَّبِيُّ الكَرِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَظَّنَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وهو الرَّسُولُ المُرْتَضَى، وَالنَّبِيُّ المُجْتَبَى، وَخَيْرُ وَلَدِ آدَمَ.
فَتَفْرَحُ وَتَذُوقُ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ وَأَنْتَ تَسْتَحْضِرُ أَنَّهُ رَسُولُكَ، وَشَفِيعُكَ وَحَبِيبُكَ، فَهُوَ مَنْ أَحَبَّكَ وَحَرَصَ عَلَيْكَ، فَحَقُّهُ أَنْ تُحِبَّهُ القُلُوبُ مِنْ صَمِيمِهَا، وَتَكُونَ صَادِقَةً فِي هٰذَا الحُبِّ.
فَاحْرِصْ عَلَى اسْتِحْضَارِ هٰذِهِ المَعَانِي لِتَذُوقَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ، وَأَنْتَ تَقُولُ: “رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا”هٰذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى البَشِيرِ النَّذِيرِ…