رسائل الله 8/10/1447

أحمد عبدالعزيز الشاوي
1447/10/07 - 2026/03/26 14:18PM

الحمد لله رب السموات ورب الأرض رب العالمين وأشهد ألاإله إلا الله وحده لاشريك له نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله نزل عليه القرآن هدى وموعظة للمتقين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على دربهم إلى يوم الدين

أما بعد فاتقوا الله عباد الله وتدبروا كتابه فإنما نزل ليتذكر أولو الألباب

من كتاب الله نستلهم العبر ، ومن سنة الهادي المصطفى    ( صلى الله عليه وسلم) وسيرته نستقي الدروس ونستخرج الدرر ، وعلى ضوئهما وهديهما نحدد المواقف من الأحداث ونقرر وجهات النظر ، وقد قال ربنا عن كتابه ( مافرطنا في الكتاب من شيء ) وقال ( صلى الله عليه وسلم) : تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك

ومن حكمة الله تعالى ، بل من رحمته ، أن جعل الآيات والأحكام القدرية الكونية شاهد عدل ، ودليل صدق على أن آياته الشرعية الدينية حق ،:] سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقّ [

إن آيات الله وأحاديث رسوله هي رسائل للأمة تتجدد مع الأحداث وسنن لاتتبدل مع مرور الأيام ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا )

إنه مامن حدث يحدث في هذا العالم ، ولا نازلة تنزل بالأمة ، ولا خطب يحل بها إلا وفي هدي الوحيين له إشارة وتذكير ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ولتستبين سبيل المجرمين وليبين لكم ربكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم وليكون بيانا للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هم إله واحد وليذكر أولو الألباب ..

في عالم اليوم أحداث متجددة .. صراعات ونزاعات .. تبدل وتغيرات ..  وربنا كل يوم هو في شأن ، يؤتي الملك من يشاء وينزعه عمن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير ..

ومن معين القرآن أنهل رسائل لتكون نبراسا نستضيء به ونهتدي في دياجير الحيرة وظلمات الشكوك واليأس والإحباط ..

الرسالة الأولى من رب العالمين ونصها ( والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة مالهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما )

إنها رسالة تقرر مصير الظالمين ومآل المجرمين الذين اتخذوا الظلم لهم شعارا وعنوانا .. إنهم الظالمون لأمتهم في دينها وشريعتها .. إنهم الظالمون لأوطانهم في أمنها واستقرارها  .. إنهم الأزواج الظالمون لزوجاتهم والآباء الظالمون لأبنائهم والأبناء الظالمون لوالديهم وأهليهم .. إنهم الظالمون لإخوانهم المسلمين في حقوقهم وأعراضهم .. والظلم مراتب ودركات ..

إنها رسالة لكل ظالم وباغ في الأرض فسادا تقول لهم بأن الظلم مرتعه وخيم وأن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، وأن الظالم مهما طال ظلمه فله يوم يجد فيه عاقبة ظلمه عاجلا أو آجلا (  ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون .. )

إنها رسالة لكل من ظلم ليفتش عن قلبه ويطفيء جذوة الظلم والطغيان بماء العبودية لله تعالى والخضوع له واتباع شريعته التي أمرت بالعدل والإحسان ونهت عن الظلم والطغيان ،

رسالة القرآن تنادي (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين ) والقرآن ينادي ( وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا ) وينذر ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ  ) ويهتف ( فكلا أخذنا بذنبه ) ويؤكد أن خراب الأمم وزوال الدول إنما يكون بالظلم والطغيان ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا )

رسالة الهادي صلى الله عليه وسلم تقول لكل من ظلم ( اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب

قالت إحدى بنات العرب الذين نكبوا : أصبحنا ومافي الأرض أحد إلا وهو يحسدنا ويخشانا ، وأمسينا ومافي الأرض احد إلا وهو يرحمنا

وحيثما التفت في كل جيل وعصر رأيت من ذلك أحداثا وعبرا

اسأل التأريخ عمن ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا .. إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ، وما أهون الخلق على الله إذا هم عصوه وخالفوا أمره 0

إنها رسالة لكل ظالم لأخيه في مال أو عرض أن يتحلل منه اليوم قبل أن لايكون درهم ولا متاع .. ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض يغير الحق .. )

الرسالة الثانية من كتاب ربنا والتي تحكي حقيقة لاتتبدل ونصها ( إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء .. )

إنهم الأعداء وإن اختلفت مسمياتهم وتلونت أهدافهم .. وإن لبسوا لبوس الأخلاء فكل العداوات ترتجى مودتها إلا العداوة في الدين

إذا كان اليهود أشد عداوة للذين آمنوا ، وتأريخهم حافل بصور القتل والتشريد والإيذاء للمسلمين ، فإن المجوس وإن لبسوا لبوس الإسلام فعداوتهم أشد وأنكى ، وإن المسلم وهو يرى صراع الأعداء مع بعضهم فهو لايميل مع هؤلاء ولا إلى هؤلاء وإنما يسأل الله لأمته العافية ، ولأعدائه أن يسلط بعضهم على بعض وأن ينتقم منهم لكل مسلم ذاق ويلاتهم ويدعو الله أن يمن على الذين استضعفوا في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين ويمكن لهم في الأرض ويري عدوهم منهم ماكانوا يحذرون

أقول هذا القول وأستغفر الله ..

الخطبة الثانية  أما بعد :

فثمة رسالة من كتاب ربنا ترسم الحقيقة وتبعث الأمل وتورث العزة والسكينة ( ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا )

فوراء كل قوة قوة أعلى وفوق كل غالب غالب ، والأمر يبدأ من الله وينتهي إليه

إنه الله القوي الذي تتصاغر أمام قوته كل قوة، وتتضاءل عند ذكر عظمته كل عظمة، جاء حبر إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أو يا أبا القاسم إن الله تعالى يمسك السموات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ تعجباً مما قال الحبر وتصديقاً له ثم قرأ: [وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ

كل قوة في الكون لاتساوي ذرة أمام قوة الله وأولئك الذين يظهرون في ثوب البطش والاستكبار وأولئك الذين تسلطوا على ديارنا وديار جيراننا  إن هؤلاء جميعاً حفنة من الخلق تعيش على ظهر هذه الهباءة الصغيرة المسماة بالأرض بين هذه الكواكب والنجوم والمجموعات الفلكية والعوالم التي لا يعلم عددها ولا مداها إلا الله، فلا يبلغ هؤلاء ومن ورائهم من الأتباع، بل لا يبلغ أهل هذه الأرض كلها أن يكونوا نمالاً صغيرة، لا، بل إنهم لا يبلغون أن يكونوا هباء تتقاذفه النسمات، لا، بل لا يبلغون شيئاً أصلاً حين يقفون أمام قوة الله عز وجل.

 ( إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا )

عداءٌ أزليٌ وُجد مع وجود البشر، عداءٌ مستعر لا تُطفئ لهيبَه المجاملاتُ ولا اصطناعُ الابتسامات؛  و لا تزيدها الأحداث إلا يقيناً وجلاءً ﴿ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾

 أخطر أساليب هذا العداء ..الكيد والمكر المنطويان على تقصّد الإضرار بالمؤمنين بخفية واستتار وتمويه.

كيد كبير، ومكر خطير،  كاد بضراوته أن يقلع الجبال الرواسي عن قرارها المكين، ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) كيد دائب لا يعرف الكلل والملل. كيدٌ دافعه حسد الضلال، وأزُّ الشياطين، وتزيين المكر السيء، ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ

إن هذا الكيد والمكر مفردة من قدر الله  ، قد علمه وقدّره وأحاط به،  وهو الذي يعلم السر وأخفى﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ فهم في قبضة تصرفه، لا يخفى عليه مكرهم، وإنما أملى لهم؛ ليمتحن سرائر الإيمان ويبلو أخبارهم.

إن كيد الكافرين مهما بلغ في قوته وإحكامه ووسائله ودهائه، فإن الله مضعفه، ومُحِلٌ بَرْمَ عُقَده، ﴿ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴾ ولا عجب في ذلك؛ فضعف كيد الكفر مستمد من ضعف كيد مَصدره ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ ومن صور إيهان الله لكيد للكافرين إلقاءُ الرعب في قلوبهم ، وتفرّق كلمتهم، وفشو العداوة والبغضاء بينهم، ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾  ومكر أولئك الكافرين السوءَ راجع بالسوء عليهم، وسيصطلون بناره، ﴿ ولايَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ ﴾  ومكر الله بأولئك الماكرين متين وشديد؛ يأتي من مأمن، ويصيب في مقتل ، لا يدرك بُعْدَه إلا من أنار الله بصيرته بنور الوحي، وعمر قلبَه باليقين، وكان له بصر بتاريخ الأمم، ولم تغرّه ظواهر الأحوال، ولم تأسره اللحظة الحاضرة؛: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾  وكذلك، فإن من شأن ذلك الكيد الكفري أن يوقظ جذوة الإيمان في القلوب، ويسوق أهل الإيمان للاحتماء بربهم، والرجوع لدينه، والتمسك به. والتضرع إلى خالقهم واللجوء إليه ( فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه أقام من يعارضه، فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل؛ فيدمغه؛ فإذا هو زاهق ". وهكذا ينقلب كيدهم نقيض ما أرادوا وخططوا ودبروا وموّهوا، كما حكى الله عاقبة كيد قوم إبراهيم  عليه السلام  به، فقال: ﴿ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأسفلين ﴾

اللهم صل وسلم

المرفقات

1774523933_رسائل الله.doc

المشاهدات 698 | التعليقات 0