رمضان مدرسة التغيير والإصلاح

د أحمد بن حمد البوعلي
1447/11/02 - 2026/04/19 06:42AM

رمضان مدرسة التغيير والإصلاح

خطبة يوم الجمعة 3/ 9/ ١٤٤٠ هـ جامع الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني رحمه الله تعالى، الهفوف، حي المزروع.

الخطبة الأولى.

   الحمد لله الذي بلّغ عباده مواسم الخيرات، وفتحلهم أبواب الطاعات، وجعل لهم في أيام الدهرنفحات، من تعرّض لها ربح وفاز، ومن أعرضعنها خسر وخاب. نحمده سبحانه أن مدّ فيأعمارنا حتى أدركنا شهر البركة والرضوان،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعلرمضان ميدان سباق المتقين، وموسم تجارةالصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدهورسوله، كان يتهيأ لرمضان قبل قدومه، ويعظّمأيامه ولياليه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبهومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

   أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى، واعلمواأن من أعظم نعم الله علينا أن بلغنا شهر رمضان،شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، شهرالقرآن والقيام والإحسان، وإن من فقه العبد أنيعرف قدر النعمة قبل زوالها، وأن يشكرها قبلفواتها، فإن بلوغ رمضان نعمة حُرمها أقوام كانوامعنا في العام الماضي، فأصبحوا اليوم تحتأطباق الثرى.

وإن من تمام شكر هذه النعمة أن يستقبل العبدهذا الشهر بقلب خاشع، فإن المواسم لا تتكررلكل أحد، لقد كان نبينا ﷺ يبشّر أصحابه بقدومرمضان، كما جاء في الحديث: «أتاكم رمضان،شهرٌ مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تُفتح فيهأبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب النار، وتُصفد فيهالشياطين» (1). وفي هذه البشارة إيقاظ للقلوبوتنبيه للغافلين.

فانظروا رحمكم الله كيف كان يستقبل الشهربالبشارة، ليوقظ الهمم، ويحرّك القلوب، ويعلّمالأمة أن رمضان ليس عادة سنوية، بل عبادةربانية، ومنحة إلهية، وموسم تغيير حقيقي.

 

رمضان أيها المصلون الكرام

أولاً: رمضان شهر القرآن

لا تلاوة اللسان فحسب، بل تلاوة القلب والجوارح، فمن أراد أن يعرف مكانته عند الله فلينظر مكانةالقرآن في حياته. يقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَالَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾.

فبداية رمضان هي بداية العهد مع القرآن، قراءةًوتدبرًا وعملاً، لا مجرد أصوات تتردد، بل آياتتُفهم، وأحكام تُطبّق، وأخلاق تُعاش. وكان جبريليدارس النبي ﷺ القرآن في رمضان، وفي العامالذي توفي فيه دارسه مرتين، وفي ذلك إشارة إلىأهمية مراجعة القرآن والإقبال عليه بكليّة القلب. فمن أراد أن يعرف مكانته عند الله فلينظر مكانةالقرآن في حياته.

ثانيًا: بدايات رمضان وبدايات التوبة

إن أول رمضان هو فرصة العمر، فمن أدركه ولميُغفر له فقد خاب وخسر، كما قال النبي ﷺ:

«رغم أنفُ رجلٍ دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبلأن يُغفر له» (2).

واعلموا أن أعظم الخسارة أن يدخل العبدرمضان كما هو ويخرج منه كما دخل، فليكن أولرمضان توبة نصوحًا، وإقلاعًا صادقًا، ودمعةندم، وعهدًا جديدًا مع الله. واعلموا أن أعظمالخسارة أن يدخل العبد رمضان كما هو، ويخرجمنه كما دخل، بلا تغير في قلبه، ولا صلاح فيحاله.

ثالثًا: المبادرة بالطاعات من أول ليلة

أيها المؤمنون، إن من علامات القبول أن يبدأالعبد رمضان بقوة وعزيمة، لا بتكاسل وتفريط،فإن النفوس إن لم تُشغل بالطاعة شغلت صاحبهابالمعصية.

قال ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًاغُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًاواحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (3).

فأول ليلة هي ليلة فتح الصفحات، وأول يوم هويوم كتابة البداية، والسعيد من أحسن البداية،فإن حسن البداية دليل حسن النهاية.

رابعًا: الإخلاص وتصحيح النية

قال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» (4).

فليفتش كل واحد منا في قلبه قبل عمله، فإن اللهلا ينظر إلى صور الأعمال بل إلى سرائر القلوب. كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، وكممن قائم ليس له من قيامه إلا السهر، لأن القلوبغفلت عن الإخلاص.

خامسًا: التخطيط لبداية قوية

عباد الله، من أراد أن يُحسن ختام الشهرفليُحسن بدايته، ومن أراد أن يبلغ الدرجات العلىفليضع لنفسه برنامجًا واضحًا:

ورد يومي ثابت من القرآن

قيام الليل ولو بركعتين

صدقة يومية ولو يسيرة

دعاء في أوقات الإجابة

محاسبة للنفس قبل النوم

فإن النفس إن لم تُحاسبها حاسبتك، وإن لمتقُدها قادتك.

الخطبة الثانية

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقهوامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه،وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلىرضوانه.

أيها المسلمون، إن بدايات رمضان تحدد مسارالشهر كله، فمن بدأه بالغفلة فاته خير كثير، ومنبدأه بالجد بلغه الله أعلى الدرجات. فالعبرة ليستبكثرة الأعمال فقط، بل بثباتها واستمرارها، فإنأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

 

تذكروا أن أعمارنا محدودة، وأن كثيرًا ممن كانوامعنا في رمضان الماضي قد غيّبهم الموت، كانوايخططون ويؤملون، ثم جاءهم الأجل فقطع الآمال. فاغتنموا أعماركم قبل فواتها، وأيامكم قبلانقضائها، فإن الليل والنهار يعملان فيكم فاعملوافيهما.

أولًا: الواجب فعله في رمضان

1. حفظ الصيام من المعاصي

قال ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل بهوالجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه»(5).

فالصيام صيام الجوارح قبل صيام البطن، صيامالعين عن الحرام، وصيام اللسان عن الأذى،وصيام الأذن عن الباطل. وفي زماننا قد يصومالإنسان عن الطعام ويفطر على المعاصي عبرهاتفه، وهذا يجرح الصيام ويُنقص أجره.

2. المحافظة على الصلاة

قال ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمنتركها فقد كفر» (6).

فلا خير في صيام بلا صلاة، ولا بركة في عبادةتضيع أعظم الفرائض. الصلاة عمود الدين، وأولما يُسأل عنه العبد يوم القيامة.

3. الإكثار من القرآن

قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.

فاجعل لنفسك نصيبًا يوميًا، ولا يكن القرآن ضيفرمضان فقط، بل صاحب العمر كله. ومن علامةحب القرآن أن يشتاق القلب إليه إذا انقطع عنه.

4. الصدقة والإحسان

كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود مايكون في رمضان.

فأحسنوا إلى الفقراء، وواسوا المحتاجين، فإنالصدقة برهان الإيمان، وهي سبب لرفع البلاءومضاعفة الأجر.

5. استثمار الوقت

رمضان دورة إيمانية مكثفة، وليس موسم غفلة. الساعات فيه كنوز، والدقائق جواهر، ومن ضيّعهافقد ضيّع ثروة لا تعوّض. فإياكم أن تتحول لياليهإلى سهر فارغ، وأيامه إلى نوم طويل.

ما الذي يجب اجتنابه:

الإسراف:

قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾. فليس المقصود منالصيام تعويض ما فات من الطعام، بل تهذيبالنفس وكسر الشهوة.

الغضب وسوء الخلق:

قال ﷺ: «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إنيصائم» (7).

فالصائم الحق هادئ الطبع، لين الجانب، حسنالمعاملة، لأن الصيام مدرسة أخلاق قبل أن يكونعبادة جسد.

التسويف:

التسويف آفة المريدين، وعدو الصالحين، ومن قالسأفعل غدًا ربما لا يدرك الغد. فابدأ من الآن،فإن اللحظة التي تعيشها هي رأس مالكالحقيقي.

اللهم بلغنا رمضان بلوغ رحمة لا بلوغ عادة،ووفقنا فيه للصيام والقيام وغض البصر وحفظاللسان، واجعلنا فيه من المقبولين، ومن عتقائك منالنار، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.

نتضرع إِلَى رَبِّنَا بِالدُّعَاءِ أَنْ يَحْفَظَ دِينَنَا وَأَنْ يُتِمَّ أَمْنَنَا وَأَنْ يُصْلِحَ وُلاَةَ أَمْرِنَا.

أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكْفِيَنَا شَرَّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، وَأَنْ يَحْفَظَ بِلَادَنَا وَبِلَادَالْمُسْلِمِينَ مِنْ كَيْدِ الْحَاسِدِينَ، مِنْ أَعْدَاءِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ أَمْنَنَا وَاحْرُسْ بِلَادَنَا وَاكْفِنَا شَرَّ الْأَشْرَارِ وَكَيْدَ الْفُجَّارِ، وَاحْمِنَا مِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يَا قَوِيُّ يَا جَبَّارُ.

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم من أراد بلادنا وبلاد المسلمين بسوء فأشغله بنفسه ورد كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرا يا سميع الدعاء، اللهم كن عونا معينا لخادم الحرمين الشريفين ووفقه وولي عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التخريج

1- رواه أحمد (7148) والنسائي (2106) وصححه الألباني.

2- رواه الترمذي (3545) وقال حسن غريبوصححه الألباني.

3- رواه البخاري (38) ومسلم (760).

4- رواه البخاري (1) ومسلم (1907).

5- رواه البخاري (1903).

6- رواه الترمذي (2621) وقال حسن صحيح.

7- رواه البخاري (1904) ومسلم (1151).

المشاهدات 112 | التعليقات 0