سورة (ق والقرآن المجيد)
محمد بن عبدالله التميمي
1447/11/14 - 2026/05/01 00:09AM
ســــــــــورةُ {ق}
الخطبة الأولى
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ عَلَىٰ عَبْدِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً تَرْفَعُ صَاحِبَهَا عِنْدَ رَبِّهِ وَتُورِثُهُ سَعْدًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ المُصْطَفَى، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ ومَنْ اقْتَفَى. أَمَّا بَعد: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ}، فَإِنَّكُمْ إِنْ أَخَذْتُمْ بِذَلِكَ سَعِدْتُمْ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ حُجَّةً عَلَى الْعِبَادِ أَجْمَعِينَ، وَجَعَلَهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مُفَصَّلًا مُحْكَمًا {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}، جَعَلَهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مَوْعِظَةً لِلْعِبَادِ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعِظُ بِهِ، بَلْ مَا وَعَظَ الْوَاعِظُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَا اهْتَدَى الْمُهْتَدُونَ إِلَّا بِنُورِهِ، وكَانَ مِنْ مَوَاقِفِ وَعْظِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بِالْقُرْآنِ هَذَا الْمَوْقِفُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدًا سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا حَفِظْتُ سُورَةَ (ق) إِلَّا مِنْ فِيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ. فَأَخْبَرَتْ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- بِمَا جَاوَرَتْ مِنْ مُدَّةٍ هِيَ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا يَخْطُبُ بِهَا.
وَسُورَةُ {ق} سُورَةٌ عَظِيمَةٌ فِيهَا عِظَاتٌ وَتَذْكِيرٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ فِي آخِرِهَا: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ}، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (كَانَ ﷺ يَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ فِي الْمَجَامِعِ الْكِبَارِ، كَالْعِيدِ وَالْجُمَعِ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ، وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَالْمَعَادِ وَالْقِيَامِ وَالْحِسَابِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: {ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ}، أَيْ: أَمْرٍ مُخْتَلِفٍ، هَذِهِ حَالُ الْكُفَّارِ مَعَ نُزُولِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَرْشَدَهُمُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- إِلَى الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- آيَةً وَعَلَامَةً عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ الْعِبَادَةَ دُونَ مَا سِوَاهُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ}، أَيْ: شُقُوقٍ، {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى} فَإِنَّ النَّظَرَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُبَصِّرُ مِنْ العَمَى، وَيُتَذَكَّرُ بِهِ مَا يَنْفَعُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِكُلِّ أَحَدٍ، بَلْ ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، أَيْ: مُقْبِلٍ عَلَى اللَّهِ بِالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ.
{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ} فَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا دَلِيلٌ عَلَى إِحْيَاءِ اللَّهِ الْمَوْتَى، لِيُجَازِيَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ.
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} فَهَؤُلَاءِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، فَحَقَّ عَلَيْهِمْ وَعِيدُ اللَّهِ وَعُقُوبَتُهُ، فَاحْذَرُوا جُرْمَهُمْ لِئَلَّا يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ.
ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} اسْتَدَلَّ تَعَالَىٰ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ عَلَى النَّشْأَةُ الْآخِرَةُ، فَكَمَا أَنَّهُ الَّذِي أَوْجَدَهُمْ بَعْدَ الْعَدَمِ، كَذَلِكَ يُعِيدُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَصَيْرُورَتِهِمْ إِلَى الرُّفَاتِ وَالرِّمَمِ.
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.وَهَذَا مِمَّا يَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى مُرَاقَبَةِ خَالِقِهِ، الْمُطَّلِعِ عَلَى ضَمِيرِهِ وَبَاطِنِهِ، الْقَرِيبِ مِنْهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، فَيَسْتَحْيِيَ مِنْهُ أَنْ يَرَاهُ حَيْثُ نَهَاهُ، أَوْ يَفْقِدَهُ حَيْثُ أَمَرَهُ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَلَائِكَةَ الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ مِنْهُ عَلَى بَالٍ، فَيُجِلَّهُمْ وَيُوَقِّرَهُمْ.
ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ}، أَيْ: تَهْرُب وتَرُوغ {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ﴾ يَسُوقُهَا إِلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، فَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَتَأَخَّرَ عَنْهُ، ﴿وَشَهِيدٌ﴾ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِأَعْمَالِهَا، خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِنَاءِ اللَّهِ بِالْعِبَادِ، وَحِفْظِهِ لِأَعْمَالِهِمْ، وَمُجَازَاتِهِ لَهُمْ بِالْعَدْلِ، {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} أَيْ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، يَنْظُرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا يُزْعِجُهُ وَيُرَوِّعُهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ.
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذِكْرِ مَا يَقُولُ قَرِينُهُ: {وَقَالَ قَرِينُهُ} أي: مِنَ المَلائِكَةِ {هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} أَيْ: مَا عِنْدِي مِنْ دِيْوَانِ عَمَلِهِ لَدَيَّ مُعَدٌّ حَاضِر {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ} ثُمَّ يَذْكُرُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- تَبَرُّأَ الشَّيْطَانِ قَرِينَ الإِنْسَانِ: {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}. ثُمَّ يَذْكُرُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- حَالَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ* مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} والمَزِيدُ هُوَ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللهِ الكَرِيم.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَذِكْرَى لِلْمُنِيبِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ الْمُوَحِّدِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فإِنَّ مِنْ بَدِيعِ الْقُرْآنِ، وَحُسْنِ إِيجَازِهِ وَنَظْمِهِ، رَدُّ العَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ، بأنْ يَعُادُ فِي آخِرِ السُّورَةِ ذِكْرِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِهَا، فَفِي خِتَامِ سُورة {ق} يَقُولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} فالذِّكْرَى تُحَصَّلُ لِمَنْ كَانَ له قَلْبٌ حَيٌّ واعٍ يَنْتَفِعُ بِهِ، أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ مَعَ المُشاهَدَةِ فَذّلِكَ يُوقِظُ العَقْلَ لِلذِّكْرى والِاعْتِبارِ.
ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}، أَيْ: مِنْ تَعَبٍ، {فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} فَذَكَرَ اللَّهُ فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَفِي اللَّيْلِ، وَأَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ: مُسَلٍّ لِلنَّفْسِ، مُثَبِّتٌ لَهَا. فَالْمُسْلِمُ مُحتَاجٌ لِهَذَا فِي زَمَنِ الْفِتَنِ.
{وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي} وَهُوَ إِسْرَافِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- حِينَ يَنْفُخُ فِي الصُّورِ. {مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ}. وَإِنَّمَا يَتَذَكَّرُ مَنْ يَخَافُ وَعِيدَ اللَّهِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَخَفِ الْوَعِيدَ، فَإِنَّ فَائِدَةَ تَذْكِيرِهِ إِنَّمَا هِيَ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَعَلَيْكُمْ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ.
المرفقات
1777583357_سورة ق.pdf