صراع المعصية
محمد بن عبدالله التميمي
الخُطْبَةُ الأُوْلَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ. أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، وَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِكُمْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ بَلَاءٍ.
إِخْوَانِي.. لَقَدْ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ كَثِيرًا قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ الْمَعْصِيَةِ، وقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ شُؤْمُ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ بِتَوْبَتِهِ، وَإِنْ بَقِيَتْ آثَارُهَا بِإِنْزَالِهِ إِلَى الْأَرْضِ.
لَكِنْ كَرَّرَ اللَّهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ لِأَنَّ مَا وَقَعَ لِآدَمَ مَرَّةً، يَقَعُ لِذُرِّيَّتِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِرَات.
عِبَادَ اللَّهِ: العَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقَرَارَاتُ الْمَعْصِيَةِ فِي لَحَظَاتٍ. فَإِذَا بِالْعَبْدِ قَدْ وَقَعَ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مَخْرَجًا بالتَّوْبَة، لَكِنْ حِذَارِ الذَّنْبُ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ، كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ مَوْتِهِ: "مَا بِي حَذَرُ الْمَوْتِ، إِنِّي لَمَيِّتٌ، وَلَكِنْ حَذَرُ الذَّنْبِ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ."
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ: صِّرَاطُ اللهِ مُحْتَضَرٌ مَلِيءٌ بِالشَّيَاطِينِ إِلَّا مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « ضرَبَ اللهُ مَثلًا صِراطًا مُستَقيمًا، وعلى جَنَبَتَيِ الصِّراطِ سُورانِ، فيهما أبوابٌ مُفتَّحةٌ، وعلى الأبوابِ سُتورٌ مُرخاةٌ، وعلى بابِ الصِّراطِ داعٍ يقولُ: أيُّها النّاسُ، ادخُلوا الصِّراطَ جَميعًا، ولا تَتعَرَّجوا، وداعٍ يَدْعو من فوقِ الصِّراطِ، فإذا أرادَ يَفتَحُ شيئًا من تلك الأبوابِ، قال: وَيحَكَ لا تَفتَحْه؛ فإنَّكَ إنْ تَفتَحْه تَلِجْه، والصِّراطُ الإسلامُ، والسُّورانِ: حُدودُ اللهِ، والأبوابُ المُفتَّحةُ: مَحارمُ اللهِ، وذلك الداعي على رأسِ الصِّراطِ: كتابُ اللهِ، والداعي من فوقِ الصِّراطِ: واعظُ اللهِ في قَلبِ كلِّ مُسلمٍ».
فَمثَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ آدَمَ مَاشٍ عَلَى الصِّرَاطِ الـمُسْتَقِيْمِ، وَالْأَبْوَابُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وَعَلَيْهَا السُّتُورُ، وَالشَّيْطَانُ مَعَهُ. فَكُلَّمَا حَاذَى بَابًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ -وَهِيَ أَبْوَابُ الْمَعْصِيَةِ مِنْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ قَوْلِيٍّ أَو فِعْلِيٍّ أو قَلْبِيٍ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبِ، أَوِ بِدْعَةٍ أَوِ كُفْرٍ- فَكُلَّمَا مَرَّ الْعَبْدُ بِبَابٍ مِنْ هٰذِهِ الْأَبْوَابِ، بَدَأَتِ الْمَعْصِيَةُ تَدْعُوهُ، وَالشَّيْطَانُ مَعَهُ، وَمَعَهُ مَلَكٌ:
فَتَبْدَأُ الْمَوْجَةُ الْأُولَى: الْوَسْوَسَةُ. وهِيَ الْهَمْسُ الْخَفِيُّ، تَقُولُ لَكَ: افْتَحِ.. انْظُرْ.. جَرِّب..
وَالْمَلَكُ يَقُولُ لَهُ: لَا تَفْعَلْ، اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْ تَلِجْ.
وَإِذَا قَالَ: انْظُرْ إِلَى الْحَرَامِ. فَقُلْ: اللَّهُ يَرَانِي
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
يَقَعُ الصِّرَاعُ فِي ثَوَانٍ، هٰذَا يَأْمُرُ، وَهٰذَا يَنْهَى، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ دَائِمًا ضَعُفَ صَوْتُ الْمَلَكِ، حَتَّى لَا يُسْمَعُ.
فَيَا سَعَادَةَ مَنْ مَيَّزَ بَيْنَ هٰذِهِ الْأَصْوَاتِ، وَيَا فَوْزَ مَنْ قَوَّى صَوْتَ الْمَلَكِ.
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: قَوُّوا صَوْتَ الْمَلَكِ بِالطَّاعَةِ، وَأَضْعِفُوا صَوْتَ الشَّيْطَانِ بِالْمُخَالَفَةِ.
ثُمَّ بَعْدَ الوَسْوَسَةِ: التَّزْيِينُ: فالشَّيْطَانُ يُزَيِّنُ الْبَاطِلَ، وَيُحَسِّنُ الْقَبِيحَ، فَيَقُولُ: النَّاسُ يَفْعَلُونَ… اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ: الْأَمْرُ وَالْإِلْحَاحُ: يَدْفَعُكَ دَفْعًا حَتَّى تَقْتَرِبَ، وَإِذَا اقْتَرَبْتَ… سَهُلَ السُّقُوطُ.
ثُمَّ الْأَزُّ: وَهُوَ الدَّفْعُ الْقَوِيُّ الْعَاجِلُ، قَبْلَ أَنْ تَفِيقَ، وَقَبْلَ أَنْ تَتَذَكَّرَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾
هَكَذَا يَفْعَلُ الشَّيْطَانُ: حَتَّى يُسْقِطَ الْعَبْدَ. وَمَتَى أَحَسَّ الشَّيْطَانُ بِمَيْلِ ابْنِ آدَمَ، اسْتَعَانَ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ: حَتَّى يُوقِعَهُ. فَلَا يَفِيقُ الْعَبْدُ إِلَّا وَقَدْ قُضِيَ الْأَمْرُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا، فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَذَكَّرُ مِنْ أَوَّلِ وَسْوَسَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَذَكَّرُ فِي التَّزْيِينِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا بَعْدَ الْوُقُوعِ، فَيَتُوبُ؛ لِأَنَّ الْهَوَى يُعْمِي وَيُصِمُّ، وَالْإِيمَانُ يُبْصِرُ وَيَهْدِي.
فَيَا بَنِي آدَمَ: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾. فَإِنَّ مَنْ أَوْقَعَهُ الشَّيْطَانُ تبرأ مِنْه قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾
اللَّهُمَّ أَعِذْنَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَبَصِّرْنَا بِمَكَايِدِهِ، وَأَعِنَّا عَلَى أَنْفُسِنَا.
وَالصِّرَاطُ يَومَ القِيَامَةِ مَضْرُوبُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّم دَحْضٌ مَزَلَّةٌ زَلِقٌ، قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: (فَمَنْ هُدِيَ فِي هٰذِهِ الدَّارِ إِلَىٰ صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ، الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كِتَابَهُ، هُدِيَ هُنَاكَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الـمُوصِلِ إِلَىٰ جَنَّتِهِ وَدَارِ ثَوَابِهِ. وَعَلَىٰ قَدْرِ ثُبُوتِ قَدَمِهِ عَلَىٰ هٰذَا الصِّرَاطِ الَّذِي نَصَبَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ فِي هٰذِهِ الدَّارِ، يَكُونُ ثُبُوتُ قَدَمِهِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمَنْصُوبِ عَلَىٰ مَتْنِ جَهَنَّمَ. وَعَلَىٰ قَدْرِ سَيْرِهِ عَلَىٰ هٰذَا الصِّرَاطِ، يَكُونُ سَيْرُهُ عَلَىٰ ذَاكَ الصِّرَاطِ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالطَّرْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرِّكَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْعَى سَعْيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مَشْيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْبُو حَبْوًا، وَمِنْهُمُ الْمَخْدُوشُ الْمُسَلَّمُ، وَمِنْهُمُ الْمُكَرْدَسُ فِي النَّارِ.
فَلْيَنْظُرِ الْعَبْدُ سَيْرَهُ عَلَىٰ ذَاكَ الصِّرَاطِ مِنْ سَيْرِهِ عَلَىٰ هٰذَا، حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، جَزَاءً وِفَاقًا. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾).
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، لَا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا.
يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ، لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فَأَمَرَ بِالتَّوْبَةِ، وَجَعَلَ الْفَلَاحَ مُرْتَبِطًا بِهَا. فالـمـُؤْمِنُ يَخافُ ذَنْبَه، فَيَتُوبُ إِلَى رَبِّه، قَالَ ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "الْمُؤْمِنُ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ جَالِسٌ تَحْتَ جَبَلٍ، يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَالْمُنَافِقُ يَرَى ذَنْبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا".
عِبَادَ اللَّهِ: تُوبُوا قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ الصَّحَائِفُ، وَتُرْفَعَ الْأَعْمَالُ. ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ كَلِمَةً تُقَالُ، بَلْ هِيَ نَدَمٌ فِي الْقَلْبِ، وَإِقْلَاعٌ بِالْجَوَارِحِ، وَعَزْمٌ عَلَى عَدَمِ العَوْدِ.
وَاعْلَمُوا: أَنَّ اللَّهَ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، وَقُولُوا كَمَا قَالَ أَبُوكُمْ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فَمَنْ أَذْنَبَ فَلْيَتُبْ، وَمَنْ أَخْطَأَ فَلْيَعُدْ، وَمَنْ بَعُدَ فَلْيَقْرُبْ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا مَضَى، وَاعْصِمْنَا فِيمَا بَقِيَ. اللَّهُمَّ أَعِذْنَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
المرفقات
1775149168_صراع المعصية.docx
1775149168_صراع المعصية.pdf