صلاة الليل والوتر

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾

الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيهِ، كما يحبُّ ربُّنا ويرضى،

وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ،

وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، صلّى اللهُ وسلّمَ وباركَ عليهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولتنظرْ نفسٌ ما قدَّمتْ لغدٍ واتقوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خبيرٌ بما تعملونَ﴾.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ: اعلموا أنَّ خيرَ ما تقرّبتم بهِ إلى ربِّكم طاعتُهُ، ولزومُ أمرِهِ، واجتنابُ نهيهِ.

وإنَّ من العباداتِ الجليلةِ، والطاعاتِ العظيمةِ: التَّطوُّعَ بالصلاةِ من الليل، من غروبِ الشمس إلى طلوعِ الفجر؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أخبرَ أنَّ أفضلَ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ المفروضةِ صلاةُ الليلِ. أخرجه مسلم

وإنما شُرعت صلاةُ الليل لتكون خلوةً بين العبدِ وربِّه، وميدانًا لصدقِ الإيمان، ومحلًّا لانكسارِ القلبِ بينَ يدي الرحمن.

فصلاةُ الليل دأبُ الصالحين، وهديُ المرسلين، ولصلاةِ الليلِ شأنٌ عظيم؛ فقد وصفَ اللُه سبحانهُ عبادَ الرحمنِ بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.

ويقولُ تعالى في صفةِ المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.

وقد أمر الله نبيَّه ﷺ بصلاة الليل، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ۝ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ۝ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ۝ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾.

وأخبرَ تعالى عنِ الجزاءِ العظيمِ الذي ينتظرُ من صلّى من الليلِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ۝ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

فانظروا – رحمكم الله – إلى هذا الفضلِ العظيم، وهذا الجزاءِ الذي أُخفي لعبادِه القائمين.

فصلاةُ الليلِ عبادةٌ جليلةٌ تبدأُ بعدَ صلاةِ المغربِ، وركعاتُها مثنى مثنى، فيصلّي المسلمُ ما كتبَ اللهُ ركعتينِ ركعتينِ، ولا حدَّ لأكثرِها؛ لقولهِ ﷺ: «صلاةُ الليلِ مثنى مثنى». متفق عليه

عباد الله..

فصلاةُ الليلِ عبادةٌ جليلةٌ تبدأُ بعدَ صلاةِ المغربِ، وركعاتُها مثنى مثنى، فيصلّي المسلمُ ما كتبَ اللهُ ركعتينِ ركعتينِ، ولا حدَّ لأكثرِها؛ لقولهِ ﷺ: «صلاةُ الليلِ مثنى مثنى». متفق عليه.

تلكم صلاةُ الليلِ، عبادةٌ عظيمةٌ يتقرّبُ بها العبدُ إلى ربِّهِ، على قدرِ طاقتِهِ ونشاطِهِ، في أوّلِ الليلِ أو وسطِهِ أو آخرِهِ

وأمّا عبادةٌ أخرى من أعظمِ عباداتِ الليلِ، فهي صلاةُ الوترِ، التي أفردها الشرعُ بمزيدِ عنايةٍ، وأوصى بها النبيُّ ﷺ أمتَّه.

وكانَ ﷺ يداومُ على صلاةِ الوترِ، ولا يتركُها لا سفرًا ولا حضرًا، حتى إنهُ كانَ يصلّيها على راحلتِهِ في السفرِ.

فصلاةُ الوترِ سنةٌ مؤكدةٌ، حثَّ ﷺ عليها بقولِهِ: «إنَّ اللهَ وترٌ يحبُّ الوترَ، فأوتروا يا أهلَ القرآنِ». أخرجَهُ أبو داودَ والترمذيُّ.

ومعنى (إنَّ اللهَ وترٌ): أي: واحدٌ لا شريكَ لهُ.

(يحبُّ الوترَ): أي يحبُّ أن يُجعلَ الشيءُ وترًا؛ وكانت ركعاتُ صلاةِ الوترِ هكذا، فيوترُ بواحدةٍ، أو ثلاثٍ، أو خمسٍ، أو سبعٍ، أو تسعٍ، أو إحدى عشرةَ ركعةً.

فعلى المسلمِ أن يحرصَ على صلاةِ الوترِ، وأن يداومَ عليها؛ أخذاً بوصيةِ النبيِّ ﷺ، يقولُ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: «وصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ: صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، وركعتيِ الضحى، وأن أوترَ قبلَ أن أنامَ». متفقٌ عليهِ.

وأمّا عددُ ركعاتِ الوترِ، فأقلُّها ركعةٌ واحدةٌ، وأكملُهُ إحدى عشرةَ ركعةً، وأدنى الكمالِ ثلاثُ ركعاتٍ.

وكانَ النبيُّ ﷺ يصلّي في الغالبِ إحدى عشرةَ ركعةً، كما في حديثِ عائشةَ: «ما كانَ يزيدُ في رمضانَ ولا في غيرِهِ على إحدى عشرةَ ركعةً».

وأحيانًا يصلّي ثلاثَ عشرةَ ركعةً، كما جاءَ في الحديثِ الصحيحِ.

ووقتُ الوترِ من يبدأُ بعدَ صلاةِ العشاءِ؛ فمن شاءَ أن يوترَ من أولِهِ، أو وسطِهِ، أو آخرِهِ، والنبيُّ ﷺ أوترَ من كلِّ الليلِ، كما قالت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: «من كلِّ الليلِ قد أوترَ النبيُّ ﷺ؛ من أولِهِ وأوسطِهِ وآخرِهِ، فانتهى وترُهُ إلى السحرِ». متفقٌ عليهِ

ومن طمعَ أن يقومَ من آخرِ الليلِ، فليوترْ آخرَهُ، وذلكَ أفضلُ، إلا إذا خشي فواتَهُ وعدمَ استيقاظِهِ؛ فإنَّهُ يصلّيها قبلَ نومِهِ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «من خافَ ألا يقومَ من آخرِ الليلِ، فليوترْ أولَهُ، ومن طمعَ أن يقومَ آخرَهُ فليوترْ آخرَ الليلِ؛ فإنَّ صلاةَ آخرِ الليلِ مشهودةٌ – أي تشهدُها الملائكة-، وذلكَ أفضلُ». رواهُ مسلم

وعن كيفية صلاة الوتر: لهُ أن يسلّمَ من كلِّ ركعتينِ، ولهُ أن يسردَها بسلامٍ واحدٍ.

فإن أوترَ بثلاثٍ، فالأفضلُ أن يسلّمَ من اثنتينِ ويوترَ بواحدةٍ، وهكذا إذا صلّى خمسًا يسلّمُ من كلِّ اثنتينِ، ثم يوترُ بواحدةٍ.

وإن سردَ الثلاثَ أو الخمسَ بسلامٍ واحدٍ، ولم يجلسْ إلا في آخرِها، فقد فعل ذلك ﷺ.

وكانَ ﷺ يقرأُ في الوترِ بـ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. أخرجَهُ النسائيّ

وقنوتُ الوترِ ودعاؤُه سنةٌ، فلو لازمهُ فلا بأسَ، وإذا تركَهُ أحيانًا فلا بأسَ.

يقولُ الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهما: «علَّمني رسولُ اللهِ ﷺ دعاءَ القنوتِ في الوترِ: اللهمَّ اهدِنا فيمَن هديتَ، وعافِنا فيمَن عافيتَ، وتولَّنا فيمَن تولَّيتَ، وبارِكْ لنا فيما أعطيتَ، وقِنا شرَّ ما قضيتَ، فإنَّكَ تقضي ولا يُقضى عليكَ، وإنَّه لا يذِلُّ مَن واليتَ، ولا يعِزُّ مَن عاديتَ، تباركتَ ربَّنا وتعاليت.

وجاءَ عن عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يقولُ في آخرِ وترِهِ: « اللهمَّ إنّي أعوذُ برضاكَ من سخطِكَ، وأعوذُ بمعافاتِكَ من عقوبتِكَ، وأعوذُ بكَ منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ. رواهُ أحمد

ومن السنةِ بعدَ الفراغِ من الوترِ أن يقولَ: «سبحانَ الملكِ القدوسِ» ثلاثَ مراتٍ، يجهرُ بالثالثةِ ويمدُّ بها صوتَهُ؛ كما فعل ذلك رسولُ اللهِ ﷺ. أخرجَهُ أبو داودَ والنسائيّ

ومما ينبغي أن يُعلَم في الوتر: إذا جمعَ المرءُ بينَ العشاءينِ [المغربِ والعشاءِ] جمعَ تقديمٍ، فقد دخلَ وقتُ الوترِ.

وإذا أُذِّنَ للفجرِ وأنتَ توترُ، فأكمِلِ الصلاةَ.

وإذا فاتتْكَ صلاةُ الوترِ، فإنَّكَ تقضيها من النهارِ شفعًا؛ فإذا كنتَ تصلّي واحدةً، قضيتَها اثنتينِ، وإذا كنتَ تصلّي ثلاثًا، صلّيتَها أربعًا بتسليمتينِ، وهكذا، وقد ثبتَ عنهُ ﷺ من حديثِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها: أنَّهُ كانَ ﷺ إذا شغلَهُ نومٌ أو مرضٌ عن صلاةِ الليلِ صلّى من النهارِ ثنتي عشرةَ ركعةً. أخرجَهُ مسلم

أيها المؤمنون..

يقولُ ﷺ: «أيها الناسُ، أفشوا السلامَ، وأطعموا الطعامَ، وصلوا الأرحامَ، وصلوا بالليلِ والناسُ نيامٌ؛ تدخلوا الجنةَ بسلامٍ». رواهُ الترمذيُّ وابنُ ماجهِ.

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 


 

الخطبة الثانية

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ:

هذه صلاةُ الليلِ والوترِ بأحكامِها، وأمّا ثمراتُها وآثارُها في القلوبِ وفي القبورِ فلا يحيطُ بها وصفٌ.

كانَ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ: «صلّوا ركعتينِ في ظلمةِ الليلِ لوحشةِ القبورِ».

وصلاةُ الليلِ ركعتينِ ركعتينِ، يصلّي العبدُ على قدرِ قوّتِهِ ونشاطِهِ؛ فلو صلّى ركعتينِ بعدَ المغربِ تطوّعًا، فإنّها من قيامِ الليلِ.

وإنْ صلّى ركعتينِ أو أكثرَ في أيِّ ساعةٍ من الليلِ، أطالَ أو قصَّرَ، صلّى قائمًا أو جالسًا، فإنّها من صلاةِ الليلِ؛ فما أعظمَ الوقوفَ بينَ يديِ اللهِ في جوفِ الليلِ، خاصّةً عندَ نومِ الناسِ وهدأةِ العيونِ.

واللهُ تعالى أعلمُ بأحوالِ الناسِ ونشاطِهم ومشاغلِهم، فوسَّعَ عليهم في الساعاتِ والركعاتِ؛ فيصلّي العبدُ من الليلِ ما تيسّرَ لهُ، وبالقدرِ الذي يداومُ عليه؛ فركعتانِ قيامُ ليلٍ، وركعةُ وترٍ، كلُّ ذلك من أيِّ ساعاتِ الليلِ وآناءِهِ.

فلو صلّى أحدُنا الوترَ ركعةً واحدةً، يُقرأُ فيها بـ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإنّها لا تتجاوزُ الدقيقتينِ.

ولكنَّ الشيطانَ الرجيمَ يُثَقِّلُ صلاةَ الليلِ على المسلمِ، حتى كأنّها جبلٌ على قلبِهِ؛ فإذا وجدَ أحدُنا ذلكَ، فليستعذْ باللهِ من الشيطانِ، وليُقبِلْ على ربِّهِ، واللهُ تعالى سيعينُهُ ويقوّيهِ.

أيها المؤمنون..

كمْ من قائمٍ بالليلِ فرحَ بقيامِهِ في ظلمةِ قبرِهِ!

وكمْ من نائمٍ ندمَ على طولِ نومِهِ، حينَ رأى ما أعدَّهُ اللهُ عزَّ وجلَّ للعابدينَ يومَ القيامةِ!

فاغتنموا ساعاتِ الليلِ والأيّامِ.

والموفَّقُ من وفَّقَهُ اللهُ، ومن سألَ اللهَ وطلبَهُ هداهُ وأجابَهُ.

ربِّ اجعلنا مقيمي الصلاةِ، ومن أزواجِنا وذريّاتِنا، ربَّنا وتقبّلْ دعاءَنا.

المرفقات

1774593974_صلاة الليل والوتر - للجوال.pdf

المشاهدات 247 | التعليقات 0