صناعة الجيل الفاتح
الشيخ د. أبو سلمان راجح الحنق
1447/10/28 - 2026/04/16 12:19PM
أيها المسلمون: إن الأمم قاطبة تفاخر بأبنائها، وبمدى وعي أجيالها، وبالمستوى التعليمي والعلمي الذي وصلت إليه كل أمة في بناء وإعداد وصناعة الأجيال. فمثلاً المجتمع الغربي الكافر يفاخر بمستوى الرقي والتقدم والعلم والتحضر والتمدن الذي وصلوا إليه في عالم المادة. وإذا جئنا ننظر بعين فاحصة لتلك المجتمعات التي تدعي الرقي والتقدم، ترى ما تشيب له رؤوس الولدان من التفسخ والعري، وجرائم يندى لها الجبين من اغتصاب وقتل وسرقة، وممارسة النصب والاحتيال والتزوير والغش.
وهناك جرائم كبرى ومن أعظمها الشرك بالله تعالى، وادعاء أن الله اتخذ صاحبة وولداً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً؛ قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30]، ويقولون: {إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73]، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. أيها المسلمون: أي حاضرة هذه التي يدعونها؟ حضارة الزواج المثلي، حضارة اللواط -أكرمكم الله- حضارة زواج الرجل بالرجل، وزواج المرأة بالمرأة، بل وصل بهم الحال ربما عاقرت النساء لديهم الكلاب عياذاً بالله.
إن الغرب الكافر وأمريكا وسائر دول الكفر يغرقون في الشرك والكفر، ويغرقون في حمأة الرذيلة والسقوط الأخلاقي، وهذا غير خافٍ على من نور الله بصيرته وبصره، واطلع على ما عليه الغرب الكافر من الفجور والشرور والشرك، وما تحمله صدورهم من العداوة والبغضاء لشريعة رب الأرض والسماء. أيها المسلمون: ونحن أمة الإسلام، أمة العدل والحق والصدق، فما قلناه عن الغرب الكافر النصراني من بشاعة الشرك وبشاعة التردي الأخلاقي، لا يمنعنا من ذكر الحقيقة والإنصاف.
فنحن لا ننكر أنهم تقدموا في مجالات عديدة من حيث الصناعات الحديثة، والتطور الصناعي المهول، وتخطيط المدن، وجودة البنية التحتية، وفي بعض الأنظمة الإدارية، ووجود شيء من الشفافية، وفي التعليم الجامعي والعالي، وجودة التخصصات، وفي الجوانب الطبية، وغيرها من المجالات، وصدق الله إذ يقول: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7]. أيها المسلمون: كيف لهذه الأمة الإسلامية أن تعمل على صناعة الجيل الفاتح؟ وهذا سؤال يطرح وعلى كل واحد منا جزء من الجواب.
أيها المسلمون: تعالوا بنا قبل أن نذكر إشارات عن واجب كل واحد منا في صناعة الجيل الفاتح، ننظر في تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وأهل القرون المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضي الله عنهم، وكيف تم تربية ذلك الجيل الفريد الذي لن يتكرر عبر التاريخ؛ قال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29].
أيها المسلمون: لقد اتسمت التربية للأجيال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وفي عهد القرون المفضلة، بأنها تربية شمولية واقعية وعميقة الأثر، لم تكن مجرد تلقين للمعلومات، بل كانت بناءً متكاملاً للشخصية. ومن أبرز ركائز ذلك المنهج التربوي والتعليمي للأجيال: التربية بالقدوة والنموذج الحي، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القرآن الذي يمشي على الأرض، ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق، عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: "كان خلقه القرآن".
فمن أعماله وأفعاله وحركاته صلى الله عليه وسلم تعلم الصحابة؛ حيث تعلموا الصلاة بقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (رواه البخاري)، وأخذوا عنه صلى الله عليه وسلم مناسك الحج إذ قال: ((خذوا عني مناسككم؛ لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)) (رواه مسلم)، وكذلك أخذوا عنه صلى الله عليه وسلم الآداب والأخلاق، والعلم والعمل معاً. ومن تربيته صلى الله عليه وسلم للصحابة غرس القيم، وتزكية النفوس، وترسيخ العقيدة، ورباهم صلى الله عليه وسلم على الحب والرحمة، وبالرفق وكسب القلوب.
وكان صلى الله عليه وسلم يستثمر الأحداث فيما يعرف بالتربية بالأحداث؛ كقوله: ((يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك)) (رواه الترمذي)، وقوله: ((يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)) (رواه البخاري ومسلم)، وقوله لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) (رواه البخاري). وكان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدرب صغار الصحابة على القيادة، فكان يُدخل ابن عباس رضي الله عنهما مع أشياخ بدر.
أيها المسلمون: إن المنهج النبوي ومنهج الخلفاء الراشدين والقرون المفضلة في تربية الأجيال لم يكن مجرد نقل للمعارف، بل كان صناعة إنسان وبناء أمة. ومن أبرز معالم التربية للأجيال في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ربط التربية بالمسؤولية المجتمعية، حيث انتقل جيل التابعين من مرحلة التلقي إلى مرحلة حمل الأمانة. كذلك توسيع دور المسجد في عهدهم؛ فلم يكن مكاناً للصلاة فقط، بل "جامعة" تخرج القادة والعلماء والفقهاء والحفاظ للقرآن والسنة والخطباء.
ومن تربية الخلفاء الراشدين للأجيال في عصرهم، تربيتهم على الزهد والترفع عن مطامع الدنيا، وتربية الأجيال على أنهم أمة ذات رسالة، وهذه الرسالة نقلوها معهم في جهادهم وفتوحاتهم، ونشروا دين الله في مشارق الأرض ومغاربها، وعلموا الناس التوحيد والإيمان، وعلموهم القرآن والسنة، ونشروا العدل بين الرعية، وقسموا الأموال والغنائم بالسوية. أيها المسلمون: لقد نجح الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم في الحفاظ على "الروح النبوية" في التربية للأجيال، مما أثمر جيلاً قادراً على قيادة الحضارة لقرون طويلة. بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين.
أيها المسلمون: إن من أهم معالم التربية للأجيال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم: التركيز الأساسي في غرس العقيدة والقيم وتزكية النفوس، واتباع أسلوب التعلم والتربية بالقدوة المباشرة والحوار، والعناية بالحلقات العلمية والكتاتيب، والدفع بالأبناء إلى تلك المحاضن التربوية التي كانت بمثابة الزاد لتلك القلوب والأرواح، وما يلقى فيها من علم الكتاب والسنة وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم. وهكذا تم بناء وصناعة الفرد المسلم، والعناية ببناء وصناعة الأجيال، فساهمت تلك الأجيال في بناء المجتمع والدولة.
أيها المسلمون: لو أننا نظرنا في صفحة من صفحات التاريخ، وخاصة في عهد الخليفة الزاهد العابد عمر بن عبد العزيز رحمه الله، حيث كانت خلافته نموذجاً فريداً في عصره فيما يسمى بـ "التربية بالإصلاح الشامل"؛ فلم تكن تربيته للأجيال في عهده مجرد توجيهات وعظية، بل كانت انعكاساً لمنظومة تربوية إصلاحية شاملة أعادت للأمة "النموذج الراشدي الفريد" في تربية وبناء وصناعة وإعداد جيل عصره.
فمن أبرز معالم التربية وبناء وصناعة الأجيال في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أولاً؛ التربية بالقدوة، فكان أكبر درس تربوي قدمه عمر بن عبد العزيز رحمه الله هو سلوكه الشخصي، حيث انتقل من حياة الترف والتنعم قبل الخلافة إلى أقصى درجات الزهد بعدها. وأثر ذلك على شباب عصره أنهم رأوا حاكماً يمتلك الدنيا ويتركها رغبة فيما عند الله تعالى، مما غرس في نفوسهم أن القيمة في هذه الحياة بالإنجاز والتقوى لا بالمظاهر والقصور.
ثانياً؛ ومن أبرز معالم التربية للأجيال في عهده كذلك تدوين العلم، حيث أدرك أن حماية الأجيال القادمة تبدأ من حفظ المصادر لهذا الدين العظيم، وهما كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فاتخذ رحمه الله تعالى قراراً تاريخياً، حيث كان أول من أمر بتدوين السنة النبوية الشريفة رسمياً، فكتب لعلماء الأمصار (مثل الإمام الزهري): "انظروا ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء".
هكذا هم الخلفاء، وهكذا هم الولاة والأمراء والقادة، يحرصون على العلم وأهله، ويوجهون الأمة وشبابها نحو العلم والتعليم والتربية وحفظ مصادر هذا الدين العظيم: كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكذلك يكرمون حملة القرآن والسنة وحملة العلم، ويفتحون لهم مجال الالتصاق بالأمة وشبابها، لكي يأخذ الشباب العلم والتربية من دروس وخطب ومحاضرات وندوات وفتاوى العلماء الربانيين.
فكان لتدوين السنة النبوية في عهد الخليفة الزاهد العابد عمر بن عبد العزيز رحمه الله أثر كبير وضمان لوصول العلم الصافي، علم الكتاب والسنة، للأجيال القادمة، وحماية تلك الأجيال من الوضع والتحريف، ومن دخول الشبهات والضلالات والأفكار المنحرفة التي قد تهدم الجيل بكامله. فإذا انحرف الجيل كان أثر ذلك على الأمة بكاملها من التخبط وزلة الأقدام وضياع العقيدة الصحيحة وسيطرة الباطل، وانحراف الفطر لدى الأجيال القادمة، ثم تكون الكارثة بهدم معاقل الأمة وخراب حصونها على أيدي أبنائها ومن داخلها.
ثالثاً؛ ومن معالم التربية للأجيال في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تنشيط وتشجيع الرحلة في طلب علم الكتاب والسنة، حيث شجع العلماء والناشئة على التنقل لطلب العلم ونشره وتبادله بين حواضر العلم في العالم الإسلامي حينها. كما عمل على رعاية العلماء بإكرامهم وإجراء الأرزاق عليهم من بيت المال ليتفرغوا تماماً لتربية وصناعة الأجيال وتثقيفهم، وفتح المجال لهم ليكونوا قريبين من عامة الناس.
رابعاً؛ كذلك عمم رحمه الله تعالى التعليم؛ فلم يترك بادية ولا مدينة إلا وأرسل إليها من يعلم الناس والأجيال أمور دينهم من علم الكتاب والسنة النبوية الشريفة. خامساً؛ ربى الأمة والأجيال على فقه العدل وحقوق الإنسان، وأن العدل هو أساس الحكم والملك، وأن كرامة الإنسان مصانة. فأين لنا في هذه العصور المتأخرة أمثال ذلك الخليفة الزاهد العابد في عدله وزهده، وفي اهتمامه بالعلم والعلماء، وصناعة الأجيال، ونشر علوم الكتاب والسنة النبوية الشريفة؟
أيها المسلمون: كان عهد الخليفة الزاهد العابد عمر بن عبد العزيز رحمه الله بمثابة منهج تربوي عملي للأمة في كيفية العودة للمنبع الصافي والأصيل: كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد أثمر ذلك الجهد جيلاً من الفقهاء والعلماء والمحدثين والمربين والوعاظ والخطباء والمجاهدين، الذين حملوا لواء العلم والتربية في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وساهموا في بناء وصناعة الأجيال، فاستيقظت الأمة وعلمت ما هو دورها وما هي وظيفتها وما تحمله من مسؤولية تجاه دينها.
أيها المسلمون: ليس صعباً ولا مستحيلاً أن تتكرر مثل تلك الحقبة من الزمن في إحياء الأمة من جديد، وصناعة وتربية وبناء جيل هذا العصر؛ فإذا صدقنا مع الله، وعلم كل واحد منا مسؤوليته تجاه نفسه أولاً ثم نحو الأجيال وأمته، وقام بدوره في الرفع من شأن هذه الأمة وحمايتها، وتم رسم الخطط ووضع البرامج والبدء بالعمل الجاد والمثمر، وخلصت النيات وصدقنا مع الله تعالى في تديننا واستقامتنا وتحكيم الكتاب والسنة في كل شؤون حياتنا، وجددنا التوبة، وصدقنا في حمل رسالة الإسلام، وجعلنا نصب أعيننا هدي السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضي الله عنهم في العلم والعمل، وأرسينا قواعد العدل وحاربنا الظلم، وعملنا على تطهير المجتمعات من الذنوب والآثام، وشجعنا الأجيال على العلم والوعي والإبداع، وكنا لهم عوناً في صلاح قلوبهم وتزكية نفوسهم وحماية عقائدهم وأخلاقهم من السقوط، وعملنا على تميزهم في تعليمهم وأخلاقهم وسلوكهم، وحذرناهم من التشبه بالأعداء، ونشرنا في أوساطهم العلماء والفقهاء ليكونوا قدوة صالحة.
عند ذلك ستفخر أمة الإسلام بأجيالها وشبابها، وسيكونون بإذن الله تعالى هم من يحمل رايات الحق والعدل، ورايات العز والنصر والفتح المبين، وسيكونون باكورة النصر والتمكين، وعلى أيديهم سيحرر المسجد الأقصى وبيت المقدس، ويعاد الحق إلى أهله، وبمثل هذه الأجيال تحفظ كرامة الأمة ويحافظ على مقدساتها ويصان شرفها، وتعلو رايات الحق عالية خفاقة في أرض الإسلام؛ {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم: 4-5]. ألا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، صلى الله عليه وسلم.