عرفة ، بشائر العتق ونفحات الإجابة
الشيخ د طلال بن فواز الحسان
الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ واسعِ الفضلِ والإحسانِ، الكريمِ المنَّانِ، الذي جعل لعبادِه مواسمَ للخيراتِ، ونفحاتٍ للرحماتِ، أحمدُه سبحانه وأشكرُه على جزيلِ عطائه وواسعِ إنعامه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، فالتقوى هي وصيَّةُ اللهِ للأوَّلينَ والآخِرينَ، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
أيها المسلمون: إنَّ من رحمةِ الله بعبادِه ومن لطفِه بهم؛ أن جعل لهم في مسيرةِ الأيام محطاتٍ ليست كسائرِ المحطاتِ، وأيامًا ليست كسائرِ الأيامِ، محطاتٍ تُجبر فيها القلوبُ، وتُغفر فيها الذنوبُ، وتتنزل فيها الرحماتُ، ينادي فيها على عبادِهِ نداءَ رحمةٍ: هلمّوا إلى أبوابِ الفضلِ، وإلى خزائنِ العطاءِ، وإلى ميادينِ الخيرِ والرحمةِ.
وها هو يومُ عرفةَ يُقبلُ علينا، يومٌ من أعظمِ أيامِ اللهِ، يومٌ ليس كسائرِ الأيامِ، يومٌ تتنزلُ فيه الرحماتُ، وتُمحى فيه الزلّاتُ، وتُعتقُ فيه الرقابُ من النارِ. يومٌ إذا أقبلَ أقبلتْ معه بشائرُ الفضلِ، وأشرقتْ في القلوبِ أنوارُ الرجاءِ، وامتدّتْ أكفُّ الفقراءِ إلى ربِّ الأرضِ والسماءِ. يومُ عرفةَ؛ يومُ الجبرِ بعد الانكسارِ، والفتحِ بعد طولِ الرجاءِ. هو ليس يومًا عابرًا في سجلِّ الأيامِ، بل هو يومٌ عظَّمَهُ اللهُ وشرَّفَهُ حتى أقسمَ به في قوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾؛ فالشاهد هو يوم الجمعة والمشهود هو يومُ عرفةَ، فهو يومٌ تشهدُهُ الملائكةُ، وتتنزّلُ فيه الرحماتُ، فما ظنُّك بيومٍ أقسمَ اللهُ به، وجعلَ فيه من نفحاتِ فضلِهِ ما تُمحى به أوزارُ الأعوامِ، وتُرفعُ به الدرجاتُ، وتُجابُ فيه الدعواتُ. فكم من نفحة فيه أحيت قلبًا، و دعوةٍ أزالت همًّا، ورحمةٍ غيرت مجرى العمرِ كلِّهِ.
ويزيدُ هذا اليومَ شرفًا ورفعةً أنَّ النبيَّ ﷺ رغَّب في صيامِهِ ترغيبًا عظيمًا، فقال في فضلِ صومِهِ: «أحتسبُ على اللهِ أن يُكفِّرَ السنةَ التي قبلَهُ والسنةَ التي بعدَهُ». فما أعظمَها من تجارةٍ رابحةٍ؛ يومٌ واحدٌ من الصيامِ، يجعلُهُ اللهُ سببًا لمغفرةِ ذنوبِ عامينِ بفضلٍ منه ورحمةٍ.
ومن أعجبِ ما أودعَهُ اللهُ في هذا اليومِ من الفضلِ ما أخبرَ به النبيُّ ﷺ: «ما من يومٍ أكثرَ من أن يُعتقَ اللهُ فيه عبدًا من النارِ من يومِ عرفةَ».
ومن دلائلِ شرفِ يومِ عرفةَ وعلوِّ منزلتِهِ أنَّ اللهَ اختارَهُ ليكونَ ميدانَ إعلانِ الكمالِ لهذا الدينِ العظيمِ؛ ففيه نزلَ قوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وما ذاك إلا لأنَّ الإسلامَ خيرُ الأديانِ، وخاتمتُها، وأكملُها هدايةً ورحمةً ونورًا؛ فاختارَ اللهُ لإعلانِ تمامِهِ يومًا عظيمًا من أعظمِ أيامِهِ، هو يومُ عرفة، ليبقى هذا اليومُ شاهدًا على اكتمالِ النعمةِ، وتمامِ فضلِ اللهِ على هذه الأمةِ.
وفي هذا اليومِ يقفُ الحجيجُ على صعيدِ عرفةَ في مشهدٍ ترجُفُ له القلوبُ؛ قد خلعوا عنهم زينةَ الدنيا وألقابَها، ولبسوا لباسَ الفقرِ إلى اللهِ والمسكنةِ بين يديهِ، رافعين أكفَّ الضراعةِ إلى ربِّهم، تركوا أوطانَهم وأموالَهم وأهليهم، وجاؤوا بقلوبِهم قبل أجسادِهم، لا يطلبون إلا رحمةً من اللهِ، ولا يرجون إلا عفوَهُ ورضاهُ.
ومن المعاني التي ينبغي أن يعقِلَها المؤمنُ؛ أنَّ فضائلَ يومِ عرفةَ ليست مقصورةً على الواقفين بعرفاتٍ وحدَهم، بل جعلَ اللهُ من بركاتِهِ حظًّا موفورًا للأمةِ كلِّها؛ للحاجِّ في موقفِهِ، وللبعيدِ في محرابِهِ، وللصائمِ في صيامِهِ، وللداعي في ابتهالِهِ وللمُكبِّر في تكبيرِه، فكأنَّ اللهَ أراد لهذا اليومِ ألا تُغلقَ أبوابُهُ في وجهِ من باعدتْ بينَهُ وبين المشاعرِ المسافاتُ، بل جعلَ له من نفحاتِهِ نصيبًا، ومن رحماتِهِ سهمًا، ومن عطائِهِ بابًا مفتوحًا لكلِّ قلبٍ أقبلَ على اللهِ بصدقٍ ورجاءٍ. ويؤكِّدُ هذا المعنى ما ذكرَهُ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ حين قال: «ويومُ عرفةَ هو يومُ العتقِ من النارِ، فيعتقُ اللهُ من النارِ من وقفَ بعرفةَ، ومن لم يقفْ بها من أهلِ الأمصارِ من المسلمين؛ فلذلك صارَ اليومُ الذي يليه عيدًا لجميعِ المسلمين في جميعِ أمصارِهم، من شهدَ الموسمَ منهم ومن لم يشهدْهُ؛ لاشتراكِهم في العتقِ والمغفرةِ يومَ عرفةَ». فبركاتُ يومِ عرفةَ لا تقفُ عند حدودِ عرفاتٍ، بل تمتدُّ ظلالُها إلى الأقطارِ كلِّها، ليشعرَ المسلمُ ـ أينما كان ـ أنَّ له في هذا اليومِ نصيبًا من العفوِ، وحظًّا من الرحمةِ، وسهمًا من فيوضاتِ الكريمِ المنّانِ.
بارك الله لنا جميعًا في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من العلم والحكمة، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانِه، والشكر له على توفيق وامتنانِه، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى صحبه وآله.. أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أعظمِ فضائلِ هذا اليومِ؛ أنَّه يومُ الدعاءِ والابتهالِ، ويومُ الافتقارِ والانكسارِ بين يدي اللهِ؛ وقد قال النبيُّ ﷺ: «خيرُ الدعاءِ؛ دعاءُ يومِ عرفةَ»، فالخيرية هنا مُطلَقة؛ خيريّةً في القبولِ، وخيريّةً في البركةِ، وخيريّةً في أثرِهِ الممتدِّ، وفيما يسكبُهُ اللهُ في حياةِ العبدِ من ألطافٍ وفتوحٍ. فكم من دعوةٍ خرجتْ في هذا اليومِ من قلبٍ منكسرٍ، فعادتْ على صاحبِها فرجًا بعد ضيقٍ، وهدًى بعد حيرةٍ، وسعادةً امتدَّ أثرُها في أيامِهِ وأعوامِهِ. فكأنَّ الدعواتِ التي تصعد في هذا اليومِ تعودُ برحَماتٍ وبركاتٍ وسكينةٍ وألطاف خفيّة، وفتوحٍ يرى العبدُ آثارَها وبركاتِها في أيامِهِ وعمرِهِ وأقدارِهِ. ولذلك كان الدعاءُ في هذا اليومِ من أجلِّ العباداتِ وأعظمِها، ولذا قال ﷺ: «خيرُ الدعاءِ؛ دعاءُ يومِ عرفةَ».
فكم من مهمومٍ دخلَ يومَ عرفةَ يحملُ أثقالَهُ على صدرِهِ، فخرجَ وقد ألبسَهُ اللهُ سكينةً أنعشت روحَه! وكم من مكروبٍ جاءَ يجرُّ أحزانَهُ، فعادَ وقلبُهُ أخفُّ من نسيمِ الفجرِ! وكم من دعوةٍ لبثتْ أعوامًا على الأبوابِ تنتظرُ لحظةَ الإذنِ، فلمّا أقبلَ يومُ عرفةَ فُتحتْ لها أبوابُ السماءِ.
فيا أخي المبارك: لا تدعْ ساعاتِ هذا اليومِ الكريمِ تنسلُّ منك في شواغلَ لا تُبقي أثرًا ولا تصنعُ في القلبِ حياةً؛ ولكن اجعلْ لك مع اللهِ خلوةً يناجي فيها القلبُ ربَّهُ، وافتحْ مصحفَكَ، وأكثرْ من التكبير والتحميد والتهليل، وأطلِ الوقوفَ على بابِ الدعاءِ، واسألِ اللهَ ما شئت من خيري الدنيا والآخرةِ: اسأله صلاحَ القلبِ، وهدايةَ الذريةِ، وبركةَ العمرِ، والرحمةَ للوالدينِ، وحسنَ الختامِ،. فواللهِ ما وقفَ عبدٌ على بابِ ربِّهِ صادقَ الافتقارِ إلا فُتحَ له، ولا رفعَ إليه يدينِ منكسرتينِ إلا عادتا محمَّلتينِ بلطفٍ ورحمةٍ وفضلٍ.
وأنتَ ـ يا من لم يُكتبْ لك الوقوفُ بعرفةَ ـ فإيّاك أن يسرقَ الشيطانُ من قلبِكَ حظَّ هذا اليومِ، أو يُوهمَكَ أنَّ الخيراتِ قد أغلقتْ أبوابَها دونَكَ، وأنَّ الفضلَ وقفٌ على أهلِ الموقفِ وحدَهم؛ فإنَّ يومَ عرفةَ أوسعُ من مكانٍ، ورحماتُهُ أرحبُ من أن تُحصرَ في بقعةٍ. فبركاتُهُ وأنوارُهُ تمتدُّ إلى الحاجِّ في موقفِهِ، وإلى المسلمِ في بيتِهِ ومسجدِهِ ومحرابِهِ، وإلى المرأةِ في مُصلّاها، وإلى كلِّ من أقبلَ بقلبِهِ على اللهِ، وانطرحَ بين يديهِ افتقارًا ورجاءً. فكم من دعوةٍ خرجتْ من قلبٍ صادقٍ أيًّا كان مكانُهُ، فبلغتْ عنانَ السماءِ، وكم من عبدٍ لم يقفْ بعرفةَ، لكنَّهُ وقفَ بصدقٍ على بابِ اللهِ، فعادَ بنصيبٍ من القبولِ، وحظٍّ من الرحمةِ، وبراءةٍ من النارِ.
ومن أجلِّ ما يُعمرُ به يومُ عرفةَ أن تُزيَّنَ الدعواتُ بالثناءِ على اللهِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ لمّا قال: «خيرُ الدعاءِ؛ دعاءُ يومِ عرفةَ» أتبعَ ذلك بقولِهِ: «وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ». فكأنَّ النبيَّ ﷺ يفتحُ للقلوبِ بابًا آخرَ من أبوابِ الإقبالِ على اللهِ؛ وهو بابُ الثناءِ والتعظيمِ قبل المسألةِ وأثناءَها وبعدَها.
فاجعلْ يومَكَ يومَ حمدٍ وتمجيدٍ، وأكثرْ من الثناءِ على ربِّكَ بين يدي دعائِكَ؛ فإنَّ الثناءَ مفتاحُ القبولِ، واللهُ يحبُّ الحمدَ، قال النبيُّ ﷺ: «وليس أحدٌ أحبَّ إليه المدحُ من اللهِ سبحانه». فمن عظَّمَ ربَّهُ بلسانِهِ وقلبِهِ، وأثنى عليه بما هو أهلُهُ، كان أقربَ إلى أن تُفتحَ له أبوابُ الرجاءِ، وتُستجابَ له الدعواتُ، وكم من دعاءٍ فُتحَ له بابُ القبولِ؛ لأنَّ صاحبَهُ قدَّمَ بين يديهِ حمدًا صادقًا، وثناءً طويلًا.
واعلموا أن أعظم ما يُستعان به على اغتنام هذا اليوم: أن تسألوا اللهَ الإعانةَ على اغتنامه؛ فإن التوفيقَ بيد الله، والأمرُ كلُّه لله. فما فُتح لعبدٍ بابُ خيرٍ إلا بمعونة الله، ولا وُكِل عبدٌ إلى نفسِه إلا ضاع وخسر.
فاسألوا اللهَ من هذه اللحظة أن يعينَكم على اغتنامِه، وأن يجعلكم من أسعد الناس ببركاتهِ وخيراته ونفحاته، وأكثروا من هذه الوصيّة النبوية العظيمة: «اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». فما فُتح لعبدٍ بابُ خيرٍ إلا بمعونته، ولا سلك عبدٌ طريقَ فلاحٍ إلا بتيسيره.
اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ووفقنا لفعل الخيرات وترك المنكرات..
المرفقات
1779352741_��عرفة، بشائر العتق ونفحات الإجابة�.docx
1779352741_��عرفة، بشائر العتق ونفحات الإجابة�.pdf