عرفة والأضاحي (مختصرة + مشكولة)
صالح عبد الرحمن
خطبة عن عرفة والأضاحي 1447/12/05هـ
الخطبة الأولى:
الْحَمْدُ للهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، اللَّطِيفِ الْمَنَّانِ، شَرَعَ لَنَا سُبُلَ الهُدَى وَالرَّشَادِ، وَوَفَّقَنَا لِسُلَوكِ طَرِيقِ الحَقِّ السَّدَادِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَلِذَنْبِي وَلِذُنُوبِ الْمُؤْمِنِينَ أَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذِي لَمْ يَلِدْ وَلمْ يُولَدْ وَلمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَزَوْجَاتِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. (آيات التقوى).
أيها المسلمون: وفي الحياةِ يَمنُحُنا الكريمُ بِمَنِّهِ أوقاتَ بِرٍّ وافرِ البركاتِ، أيامُنا أيامُ عشرٍ فُضِّلَت فاستثمرِ الأوقاتَ بالحسناتِ.
ولا تزالُ هذه الأيامُ تتوالى، ولا يزالُ بِرُّها وبركتها، وخيرها ومضاعفتها، حتى تُختَتَمُ بأفضلِ أيامِ الدنيا وأجلها، بتاسِعِها يومِ عرفةَ وعاشرُها يومُ النحرِ يومُ الحجِ الأكبر.
تاسعُها يومُ عرفة الْيَوْمُ الَّذِي لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ فِي السَّنَةِ خَيْرٍ مِنْهُ، الْيَوْمُ الَّذِي بِهِ أَكْمَلَ اللَّهُ الدِّينَ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إِلَى عُمَرَ رَضيَ اللهُ عَنهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُنَهَا، لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ مَعْشَرَ الْيَهُودِ، لاتّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيداً، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟، قَالَ: (الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) فَقَالَ عُمَرُ: إِنّي لأَعْلَمُ الْيَومَ الّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ بِعَرَفَة.
يومُ عرفة يومٌ لأهل الإيمانِ ذخرٌ يُرتَجى، هُوَ يَوْمُ الذُّلِّ لِلشَّيْطَانِ؛ لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الْمَغْفِرَةِ عَلَى الْعِبَادِ مِنَ الرَّحْمَنِ، هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُبَاهِي اللَّهُ فِيهِ بِالْعِبَادِ، وَتَتَنَزَّلُ الرَّحَمَاتُ وَالْكَرَامَاتُ عَلَى أَهْلِ الْمَوْقِفِ، أقبل أقبل على الله بالعمل الصالح وَجِدَّ فِيهِ عَلَّكَ تَلْحَقُ بِرَكْبِ الْحَجِيجِ بِالثَّوَابِ، وَسَلْ رَبَّكَ أَنْ يُعْتِقَ فِيهِ مِنَ النَّارِ رَقَبَتَكَ، فَقَدْ قَالَ – ﷺ -: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟" رواه مسلم.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: "يَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ يَوْمُ الْعِتْقِ مِنَ النَّارِ، فَيُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ مِنَ النَّارِ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلِذَلِكَ صَارَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلِيهِ عِيدًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ أَمْصَارِهِمْ، مَنْ شَهِدَ مِنْهُمُ الْحَجَّ وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهُ، لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْعِتْقِ وَالْمَغْفِرَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ.
يومُ عرفةَ دُعَاؤُهُ خَيْرُ الدُّعَاءِ، وَسَاعَاتُهُ أَشْرَفُ سَاعَاتِ الزَّمَانِ، فَاجْتَهِدْ أَنْ تَصُومَهُ، وَيَصُومَهُ أَهْلُ بَيْتِكَ، عَلَّ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَكَ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ، فقد جاء في حديث أبي قتادة رضي الله عنه: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صَومِ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ». رواه مسلم، إنه فضلُ اللهِ على عباده وإنها البُشرى من الله لهم {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا}.
وختامُ أيامِ العشرِ يومُ النحر وهو يوم العيد وَأَفْضَلُ أَيَّامِ الدَّهْرِ فِي حَقِّ الْقَاعِدِينَ، وَالَّذِي قَالَ فِيهِ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ: "إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).
قال ابن القيم رحمه الله: (خير الأيام عند الله يومُ النحر، وهو يومُ الحج الأكبر).
فَمُعْظمُ أعمالِ الحجِّ تفعلُ في ذلك اليوم، من رمي الجمرةِ، وذبحُ الهدي، والحلقُ أو التقصيرُ والطوافُ والسعيُ، وفيه يُصَلِّي المسلمون في أصقاعِ الأرض صلاةَ العيد.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وتبارك الله أحسن الخالقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً رسول رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:
أيها المسلمون: إن من السنن المؤكدة صلاةُ العيد، فيشرع الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب لها، والذهاب من طريق والعودة من طريق آخر وبعد صلاة العيدِ يذبحُ المسلمونَ أضَاحِيَهُم، يذبح المسلمُ المُقتدِرُ أضحيةً عنه وعن أهل بيته، وهي قُرْبَةٌ مِن أعظمِ القُرُبات التي يضاعفُ الله فيها للمخلصين الحسنات {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}، وَلَنْ تَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ ذَبْحِ الْأَضَاحِيِّ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، فَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ ﷺ: "مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ؛ إِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا"(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
وعلى المضحي أن يراعي عند شراء الأضحية ما يلي:
أولاً: أَنْ تَكُونَ مِن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَهِي: الِإبِلُ وَالبَقَرُ وَالغَنَمُ.
ثانياً: أَنْ تَبْلُغَ السِّنَّ الْمُعْتَبَرَةَ شَرْعًا وَهِيَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ للضَّأْنِ، وَسَنَةٌ للْمَعْزِ، وَسَنَتَانِ للْبَقَرِ، وَخَمْسُ سِنِينَ للإِبِلِ.
ثالثاً: أَنْ تَكُونَ خَالِيَةً مِن العُيُوبِ الْمَانِعَةِ مِنَ الإِجْزَاءِ، وَهِيَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ اَلْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اَللَّهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فَقَالَ (أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي اَلضَّحَايَا: اَلْعَوْرَاءُ اَلْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ اَلْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ اَلْبَيِّنُ ظَلْعُهَا وَالْعَجْفَاءُ اَلَّتِي لَا تُنْقِي) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.
رابعاً: أَنْ يُضَحِّىَ بِهَا فِي الوَقْتِ الْمَحْدَّدِ شَرْعًا، وَهُوَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِيدِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوُ الْيَومُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، فَتَكُونُ أَيَّامُ الذَّبْحِ أَرْبَعَةً: يَوْمُ العِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وهو الأفضل، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ.
ونحيطكم أنه ستقام صلاة العيد في هذا الجامع المبارك وسيكون دخول الإمام بعد شروق الشمس بربع ساعة.
فاللهم تقبل من الحجاج حجهم، ويسر لهم أداء مناسكهم، وردهم إلى أهلهم سالمين مقبولين.