عشر ذي الحجة تجارة الرابحين

د.عبدالحميد المحيمد
1447/11/29 - 2026/05/16 20:32PM

إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله  اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .

عباد اللّه ، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).

أيها الأحبة في اللَّه، المؤمن يغتنم مواسم الطاعات، فكيف إذا قيل لك إنك مقبل على أيام هي من أفضل الأيام، بل إن العمل فيها أحب إلى اللَّه عز وجل، فهل تتركها تمضي؟ وهل تغفل عنها، أم تبادر إلى اغتنامها؟

أيام مباركة، أيام أقسم اللَّه بها. قال تعالى : (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ). [الفجر: 1-2]

قال اهل العلم: الليالي العشر هي عشر ذي الحجة، وهذه الأيام فيها إظهار شعائر اللَّه، وتعظيم أمر اللَّه، والإقبال على اللَّه؛ ولذلك فإن العمل في هذه الأيام أحب إلى اللَّه عز وجل.

قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: (ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ . قالوا : يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجل خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ).

من ذا الذي يقوى أن يخرج بنفسه وماله مجاهدًا مخلصًا في سبيل اللَّه ثم يُقتل شهيدًا ويذهب ماله؟ هذا فقط الذي يستطيع أن ينافس من يعمل ويجتهد في هذه الأيام.

فكيف يغتنمها المسلم ؟

من أعظم ما يُوفَّق إليه المسلم في هذه الأيام أن يحافظ على صلاة الجماعة، والفرائض، ويجتهد في المحافظة على السنن الرواتب، وهي في اليوم والليلة اثنتا عشرة ركعة: ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء. هذه الركعات سبب في أن يبني اللَّه لك بيتًا في الجنة، قصرًا. وأنت تهتم بقصور الدنيا تذكّر أن المقر الحقيقي هو الآخرة، أما قصور الدنيا فتذهب إلى الورثة، ولمن يشتريها بعد وفاتك.

ومما يجتهد فيه المسلم في هذه الأيام أن يصوم في عشر ذي الحجة من اليوم الأول إلى اليوم التاسع، لأن اليوم العاشر هو يوم عيد، يوم النحر. وأفضل هذه الأيام في الصيام يوم التاسع، يوم عرفة. قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن صوم عرفة:

(صِيامُ يومِ عَرَفَةَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التي قَبلَهُ، والسنَةَ التي بَعدَهُ).

كذلك ينبغي أن يكثر المسلم في عشر ذي الحجة من التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، ومن الصدقات وذكر اللَّه عز وجل، ويحضر أضحيته ويتهيأ لها. فمن وجد سعةً فليُحضر هذه الأضحية، فإنها قربة إلى اللَّه عز وجل.

ومن الأعمال الصالحة أن يكثر من قراءة القرآن؛ أرح نفسك من الجوال قليلًا، وابدأ بشحن قلبك بكلمات القرآن. لو أنك أمسكت الجوال وقلبته عشرات الساعات لما تغيّر شيء، ولكن لو أمسكت المصحف وقرأت آياته وتدبرت معانيه فإنك تتغير.

القرآن ينقّيك من داخلك، والقرآن يعود إليك بالأجور العظيمة؛ فحرف واحد بعشر حسنات، وما كان من فهمٍ للقرآن فهو أعظم. إذا شعرت بضيق فاقرأ القرآن، وإذا شعرت بالسعادة فاقرأ القرآن، وإن ضاق عليك الوقت أو وجدت فراغًا فأقبل على القرآن، فإن القرآن خير وبركة، ودفعٌ للهم والحزن، وقربة إلى اللَّه عز وجل.

وأيضاً من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها المسلم أن يترك الشحناء، وأن يطوي صفحة الخصام في هذه الأيام، ويفتح صفحة جديدة، فيصل رحمه، ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويتجاوز عمن ظلمه؛ لأن هذا الخير يعود على الإنسان نفسه: فمن عفا عفا اللَّه عنه، ومن رحم من حوله رحمه اللَّه، ومن سامح سامحه اللَّه عز وجل. هكذا أنت ترسم طريقًا إلى رضوان اللَّه، وترسم طريقًا إلى المغفرة، وترسم طريقًا إلى الجنة.

الجنة أيها الأحبة، تحتاج إلى ثمن، والثمن أن لا تدع النفس تستغلك، وأن لا تدع الشر الذي في داخلك يسيطر عليك، والذي جُبلت عليه النفس من الميل إلى الشر، وحب الغلبة، ومحاولة انتزاع الحق من الآخرين، والحسد. فإذا تخلّصت من هذه الشحناء ومن هذا الحسد، فقد سلكت طريقًا إلى الجنة.

أسأل اللَّه أن يجعلنا وإياكم من المقبولين، وأن يتوب علينا، إنه هو التواب الرحيم.

أقول ما تسمعون، وأستغفر اللَّه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للَّه والصلاةُ والسلامُ على رَسولِ اللّهِ وعلى آله وصحبه ومن والاه.

من كان يريد أن يضحي، فإن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: (إذا رَأيتُم هِلالَ ذي الحِجَّةِ، وأرادَ أحَدُكُم أن يُضَحِّيَ، فليُمسِكْ عن شَعرِه وأظفارِه). وفي رواية: (ولا من بشَرِه شيئًا) يعني البشرة؛ فبعض الناس من أطراف القدم يحفُّ هذه القدم أو الأجزاء المتآكلة، فلا يحلق ولا يقصر.

والحكمة في ذلك اتباع سنة النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فاجعل هذه النية دائماً في قلبك:نية الاتباع، فإنك تؤجر عليها.

الأمر الثاني: حتى تنال أجر هذه الأضحية، فإن الشعر والأظافر لا تُقص إلا بعد ذبح الأضحية، فكأنك تزداد أجرًا بالالتزام بهذه السنة النبوية.

كذلك فإن الإنسان إذا لم يقص شعره وأظافره وتركها، فإنه يكون على هيئة الحجاج، فيظهر أشعث أغبر، طويل الشعر والأظافر، وهذا من مظاهر الافتقار والتذلل للَّه عز وجل. فمتى ثبت هلال ذي الحجة، أمسك من أراد الأضحية عن ذلك.

وبعض الناس يتحايل فيوكل ابنه أو زوجته أو جاره، ليخرج من الحكم الشرعي ويُبيح لنفسه الحلق والقص، وليس هذا هو المراد، بل المراد أن صاحب الأضحية هو الذي يلتزم؛ فهو الذي نوى الأضحية عن نفسه وأهل بيته ومن يعول، فعليه أن يمسك عن شعره وأظافره. دع الناس يرونك على حقيقتك ولو في العشر من ذي الحجة، وأصلح قلبك مع اللَّه عز وجل.

نسأل اللَّه أن يجعلنا من المقبولين، وأن يغفر لنا، ويصلح أحوالنا والمسلمين. اللَّهم احفظ هذا البلد سخاءً رخاءً، آمنًا مطمئنًا، وسائر بلاد المسلمين. اللَّهم من أراد الكويت وأهلها بخير فوفقه لذلك، ومن أرادهم بسوء فخذه أخذ عزيز مقتدر، واجعل تدبيره تدميره، واجعل دائرة السوء تدور عليه.

اللَّهم احفظنا يا رحمن يا رحيم، وآمِنّا يا ذا القوة المتين، وتب علينا واغفر لآبائنا وأمهاتنا، واجعلنا من المقبولين.

وآخر دعوانا أن الحمد للَّه ربّ العالمين، وصلى اللَّه على نبينا محمد.

  •  
المرفقات

1778952724_عشر ذي الحجة تجارة الرابحين .pdf

المشاهدات 220 | التعليقات 0