علمتنا سورة الكهف

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وَجَعَلَ فِيهِ النُّورَ وَالْهِدَايَةَ لِمَنْ تَدَبَّرَ وَاعْتَبَرَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الْقُرْآنَ شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَنُورًا يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ تَلَا الْقُرْآنَ وَبَلَّغَ الْبَيَانَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَىٰ نَهْجِهِ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ..
عِبَادَ اللَّهِ.. فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَىٰ، وَتَمَسَّكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا تُحْيَىٰ بِهِ الْقُلُوبُ، وَتَسْتَنِيرُ بِهِ الْبَصَائِرُ، كَلَامُ رَبِّكُمْ جَلَّ وَعَلَا، الَّذِي لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. نَعِيشُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَعَ سُورَةٍ عَظِيمَةٍ، سُورَةٍ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا، سُورَةٍ جَعَلَ اللَّهُ فِي قِرَاءَتِهَا نُورًا مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ، إِنَّهَا سُورَةُ الْكَهْفِ، هٰذِهِ السُّورَةُ الَّتِي لَا تُقْرَأُ لِلتِّلَاوَةِ فَحَسْبُ، بَلْ لِتَكُونَ مِنْهَجَ حَيَاةٍ، وَمَدْرَسَةَ إِيمَانٍ، وَوِقَايَةً مِنَ الْفِتَنِ.

نَقْرَؤُهَا وَنُرَدِّدُ آيَاتِهَا فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الْفِتَنُ، وَتَزَاحَمَتْ فِيهِ الْمُغْرِيَاتُ، وَاضْطَرَبَتْ فِيهِ الْقُلُوبُ، إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ سُورَةٍ تُقْرَأُ، بَلْ هِيَ رِسَالَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ، اخْتَصَّهَا اللَّهُ بِمَزَايَا جَلِيلَةٍ، سُورَةُ الْكَهْفِ، وَقَدْ صَحَّ فِي فَضْلِهَا: أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ اللَّهُ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ، وَفِي ذٰلِكَ حَثٌّ ظَاهِرٌ عَلَىٰ مُلَازَمَةِ هٰذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ فِي هٰذَا الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ. فَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ أَنْ نَقِفَ مَعَ آيَاتِهَا، وَأَنْ نَتَأَمَّلَ مَا فِيهَا مِنَ الْعِظَاتِ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، لَقَدْ عَلَّمَتْنَا سُورَةُ الْكَهْفِ أَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الدِّينِ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ: تَأَمَّلُوا قِصَّةَ الْفِتْيَةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، فَثَبَتُوا حِينَ اضْطَرَبَ النَّاسُ، وَوَحَّدُوا اللَّهَ حِينَ أَشْرَكَ النَّاسُ، وَفَرُّوا بِدِينِهِمْ حِينَ فُتِنَ النَّاسُ ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ فَالْهِدَايَةُ تَزْدَادُ بِالصِّدْقِ، وَالثَّبَاتُ يُنَالُ بِاللُّجُوءِ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ صَدَقَ اللَّهُ مَعَهُ.

عَلَّمَتْنَا سُورَةُ الْكَهْفِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يُبْتَلَىٰ، وَلٰكِنَّ الْعِبْرَةَ لَيْسَتْ بِوُجُودِ الْفِتْنَةِ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ كَيْفَ يَنْجُو مِنْهَا، فَالْفِتْيَةُ لَمْ يَعْتَمِدُوا عَلَىٰ قُوَّتِهِمْ، وَلَا عَلَىٰ عَدَدِهِمْ، وَلَا عَلَىٰ جَاهِهِمْ، وَإِنَّمَا قَالُو ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ فَكَانَتِ النَّجَاةُ بِالدُّعَاءِ، وَكَانَتِ الْحِمَايَةُ بِاللُّجُوءِ إِلَى اللَّهِ.

وَعَلَّمَتْنَا سُورَةُ الْكَهْفِ أَنَّ فِتْنَةَ الْمَالِ مِنْ أَعْظَمِ الْفِتَنِ، فَفِي قِصَّةِ صَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ، أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَجَنَّاتٍ وَأَنْهَارًا، لَكِنَّهُ اغْتَرَّ، وَنَسِيَ الْمُنْعِمَ، وَتَكَبَّرَ عَلَىٰ صَاحِبِهِ، وَظَنَّ أَنَّ النِّعْمَةَ دَلِيلُ الرِّضَا الْمُطْلَقِ، فَقَالَ ﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هٰذِهِ أَبَدًا﴾ فَكَانَتِ الْعَاقِبَةُ أَنْ ذَهَبَتْ جَنَّتُهُ، وَصَارَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنْفَقَ فِيهَا.

عِبَادَ اللَّهِ.. لَيْسَ الْمَالُ مَذْمُومًا فِي نَفْسِهِ، وَلٰكِنَّ الْمَذْمُومَ أَنْ يَدْخُلَ الْكِبْرُ بِهِ إِلَى الْقَلْبِ، وَأَنْ يَنْسَى الْعَبْدُ شُكْرَ رَبِّهِ، وَأَنْ يَظُنَّ أَنَّ مَا عِنْدَهُ بَاقٍ لَا يَزُولُ، فَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ مَرِضَ، وَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ افْتَقَرَ، وَكَمْ مِنْ قَوِيٍّ ضَعُفَ، وَلَا بَقَاءَ إِلَّا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ

وَعَلَّمَتْنَا سُورَةُ الْكَهْفِ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يُنَالُ بِالْكِبْرِ، فَانْظُرُوا إِلَىٰ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَىٰ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَمَعَ ذٰلِكَ رَحَلَ لِيَتَعَلَّمَ، وَصَبَرَ، وَتَوَاضَعَ، وَقَالَ لِفَتَاهُ ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ ثُمَّ قَالَ لِلْخَضِرِ ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.

فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ قَدِ اسْتَغْنَىٰ بِعِلْمِهِ فَقَدْ جَهِلَ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلْعِلْمِ رَفَعَهُ اللَّهُ. فَفِي الْقِصَّةِ تَعْلِيمٌ لَنَا أَنَّ وَرَاءَ مَا نَرَاهُ حِكْمَةً قَدْ تَخْفَىٰ عَلَيْنَا، وَأَنَّ قَضَاءَ اللَّهِ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَإِنْ لَمْ تُدْرِكْهُ الْعُقُولُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ.

وَعَلَّمَتْنَا سُورَةُ الْكَهْفِ أَنَّ الْقُوَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ إِذَا لَمْ تُسَخَّرْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَانَتْ وَبَالًا عَلَىٰ صَاحِبِهَا، ذٰلِكُمُ ذُو الْقَرْنَيْنِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ مُلْكًا وَقُوَّةً وَتَمْكِينًا، فَلَمْ يَتَجَبَّرْ، وَلَمْ يَطْغَ، وَلَمْ يَنْسِبِ الْفَضْلَ لِنَفْسِهِ، بَلْ قَالَ ﴿هٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ فَالْمُؤْمِنُ إِذَا مَكَّنَهُ اللَّهُ شَكَرَ، وَإِذَا قَدَرَ عَدَلَ، وَإِذَا أَعْطَاهُ اللَّهُ أَسْبَابَ الْقُوَّةِ جَعَلَهَا فِي نَفْعِ النَّاسِ وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُمْ. فَكَمْ نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَىٰ هٰذَا الْمَعْنَىٰ فِي زَمَانٍ كَثُرَتْ فِيهِ صُوَرُ التَّفَاخُرِ بِالْقُوَّةِ وَالْمَنْصِبِ وَالْمَالِ.

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْحَمَنَا بِرَحْمَةٍ مِنْهُ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

 

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَىٰ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ.. لَقَدْ جَمَعَتْ سُورَةُ الْكَهْفِ أُصُولَ الْفِتَنِ الْكُبْرَىٰ: فِتْنَةَ الدِّينِ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَفِتْنَةَ الْمَالِ فِي قِصَّةِ صَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ، وَفِتْنَةَ الْعِلْمِ فِي قِصَّةِ مُوسَىٰ وَالْخَضِرِ، وَفِتْنَةَ السُّلْطَةِ فِي قِصَّةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ.

فَاحْذَرُوا الْفِتَنَ، وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ، وَانْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا عَلَىٰ حَقِيقَتِهَا، فَإِنَّهَا زَائِلَةٌ، وَإِنَّ النَّجَاةَ كُلَّ النَّجَاةِ فِي الْإِيمَانِ وَالتَّوَاضُعِ وَالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ.

وَمِنْ أَعْظَمِ مَا تَعَلَّمْنَاهُ مِنْهَا: أَنَّ الدُّنْيَا مَهْمَا زُخْرِفَتْ فَإِنَّهَا قَصِيرَةٌ ]وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ[ فَلَا تَغْتَرُّوا بِدُنْيَا مُقْبِلَةٍ، وَلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ دُنْيَا مُدْبِرَةٍ، وَاجْعَلُوا مَا عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرَ هَمِّكُمْ.

وَتَذَكَّرُوا أَنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتِ اشْتَبَهَتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتِ اتَّضَحَتْ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّهَا قَبْلَ وُقُوعِهِ فِيهَا. فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ صِدْقَ الِالْتِجَاءِ، وَأَكْثِرُوا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَعَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ مَعَانِيَهَا، وَارْبِطُوا قُلُوبَكُمْ بِهَدَايَاتِهَا، لِتَكُونَ لَكُمْ نُورًا فِي الدُّنْيَا، وَسَبَبًا لِلثَّبَاتِ فِي زَمَنِ الِاضْطِرَابِ.

اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَىٰ دِينِكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ، وَاشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَى الْمُسْلِمِينَ، وَارْحَمْ مَوْتَانَا وَمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَجَلَاءَ أَحْزَانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا وَغُمُومِنَا.

وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَىٰ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

المرفقات

1776390609_علمتنا سورة الكهف.pdf

1776390619_علمتنا سورة الكهف.docx

المشاهدات 615 | التعليقات 0