فضل التوبة 12-12-1447
عبدالرحمن سليمان المصري
فضل التوبة
الخطبة الأولى
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِعِبَادِهِ عَفْواً وَكَنَفاً، وَغَمَرَ المُنِيبِينَ إِلَيْهِ رَحْمَةً وَعَطْفاً ، وأَشهدُ أن لا إِلهَ إِلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ، وأشهدُ أنَّ مُحمداً عبدهُ ورسولُهُ ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلَّمَ تَسليماً كَثيراً ، أمَّا بَعدُ :
أُوصِيكُمْ ونَفسِي بِتقوَى اللهِ تَعالى فهيَ وصِيَّةُ اللهِ للأَوَّلينَ والآخِرينَ ، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ النساء : 131.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ النَّقْصَ فِي بَنِي آدَمَ وَصْفٌ لَازِمٌ لِلْبَشَر، فَكُلُّ عَبْدٍ مُعَرَّضٌ لِلْخَطِيئَةِ وَالزَّلَل ، وَمَجْبُولٌ عَلَى التَّقْصِيرِ فِي العَمَل ، فَهُوَ بَيْنَ إِحْسَانٍ وَإِسَاءَة ، وَإِصَابَةٍ وَإِقْصَاءَة ، إِذْ لَا عِصْمَةَ لِمَخْلُوقٍ مِنَ العُيُوب ، وَلَكِنَّ الخَيْرَ فِي العَبْدِ إِذَا أَخْطَأَ تَابَ ، وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ وَأَنَابَ ، قال ﷺ: " كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ " رواه ابن ماجة وحسنه الألباني.
فَمَنْ تَدَنَّسَ بِشَيْءٍ مِنْ قَذَرِ المَعَاصِي وَالآثَام ، فَلْيُبَادِرْ بِغَسْلِهِ بِمَاءِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ عَلَى الدَّوَام ، فَلَا سَبِيلَ لِمُرِيدِ النَّجَاةِ ، إِلَّا بِالعَوْدَةِ إِلَى الكَرِيمِ المَنَّان .
عِبَادَ اللَّهِ: وَإِنَّ الشُّعُورَ بِوَطْأَةِ الخَطِيئَةِ، وَأَلَمِ الجَرِيرَةِ، وَالنَّدَمَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنَ الفُجُورِ ، وَالتَّأَسُّفَ عَلَى التَّفْرِيطِ فِي الأُمُورِ ، مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالذَّنْبِ لِلرَّبِّ الغَفُورِ؛ هُوَ سَبِيلُ التَّصْحِيحِ وَالمُرَاجَعَةِ ، وَطَرِيقُ الأَوْبَةِ وَالمُتَابَعَةِ، وَهُوَ رُكْنُ التَّوْبَةِ الأَعْظَمُ، وَشَرْطُهَا المُقَدَّمُ ؛ ثُمَّ الإِقْلَاعُ عَنِ المَعَاصِي وَالآثَامِ ، لِتَحْقِيقِ الاسْتِقَامَةِ وَالتَّمَامِ ، فَلَا تَوْبَةَ إِلَّا بِفِعْلِ المَأْمُورِ ، وَاجْتِنَابِ المَحْظُورِ ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ مَظَالِمِ العِبَادِ ، وَإِبْرَاءِ الذِّمَمِ لِنَيْلِ الرَّشَادِ ، ثُمَّ العَزْمُ الأَكِيدُ عَلَى عَدَمِ العَوْدَةِ ، لِاسْتِكْمَالِ شُرُوطِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ ، وَالفَوْزِ بِمَغْفِرَةِ العَفُوِّ الغَفُورِ .
فَاقْصِدُوا بَابَ الهِدَايَةِ ، وَتَخَلَّصُوا مِنْ كُلِّ غَدْرَةٍ وَجِنَايَةِ ، وَأَقْلِعُوا عَنْ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَغِوَايَةِ ، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ النور: 31.
عِبَادَ اللَّهِ: وَالتَّوْبَةُ: هِيَ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِتَرْكِ الذُّنُوبِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا ، وَالتَّوْبَةُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي شُكْرِ النِّعَمِ وَتَقْدِيرِهَا، وَالتَّوْبَةُ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِثْقَالِهَا ؛ تَوْبَةً تَكُفُّكُمْ عَنِ الدَّنَاءَاتِ ، وَتَحْجِزُكُمْ عَنِ الخَطَايَا وَالسَّيِّئَاتِ ، وَتَحْمِلُكُمْ عَلَى أَدَاءِ الفَرَائِضِ وَالوَاجِبَاتِ ، وَتَدْفَعُكُمْ إِلَى التَّدَارُكِ وَقَضَاءِ مَا فَاتَ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾التحريم:8.
عِبَادَ اللَّهِ: وَالتَّوْبَةُ طَاعَةٌ جَلِيلَةُ المِقْدَارِ ، يُحِبُّهَا اللهُ العَفُوُّ الغَفَّارُ ؛ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ ، مَعَ غِنَاهُ عَنِ الخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ ؛ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ اللهَ يَفْرَحُ بِأَوْبَةِ العَاصِي إِلَى رِحَابِهِ ، كَفَرَحِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي نَجَا مِنَ المَوْتِ المُحَقَّقِ ، بَعْدَ فِقْدَانِ زَادِهِ وَشَرَابِهِ ، فَلَمَّا وَجَدَهُ قَلَبَ كَلَامَهُ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ ، فَقَال: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ .
عِبَادَ اللَّهِ: وَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْبَةِ: أَنَّ عَفْوَ اللهِ أَوْسَعُ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، وَبَابَهُ مَفْتُوحٌ لِكُلِّ مَنْ أَنَابَ ؛ فَتَأَمَّلْ فِي حَالِ ذَلِكَ العَبْدِ الَّذِي قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ ، وَضَاقَتْ بِهِ سُبُلُ الشِّقْوَةِ ، كَيْفَ هَيَّأَ اللهُ لَهُ الأَسْبَابَ ، لَمَّا صَدَقَ فِي خَلَاصِهِ مِنْ رِبْقَةِ المَعْصِيَةِ ، حَيْثُ نَاءَ بِصَدْرِهِ عِنْدَ المَوْتِ نَحْوَ أَرْضِ الصَّلَاحِ ، فَأَمَرَ اللهُ الأَرْضَ أَنْ تَتَقَارَبَ لِيَفُوزَ بِالفَلَاحِ ، وَهُوَ لَمْ يَعْمَلْ بَعْدَ تَوْبَتِهِ خَيْرًا قَطْ ، لَكِنَّهُ أَنَابَ صَادِقًا فَقَطْ .
قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى في الحديث القدسي:" يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً "رواه الترمذي وصححه الألباني.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ على إِحسانِهِ ، والشُّكرُ لهُ على تَوفِيقهِ وامتِنانهِ ، وأَشْهدُ أنْ لَا إِلهَ إِلا اللهُ وحْدهُ لا شَريكَ لهُ ، وأَشْهدُ أنَّ مُحمداً عبدهُ ورَسولُهُ ، صَلّى اللهُ عَليهِ وعَلى آلهِ وصَحبهِ ، وسَلَّمَ تسليماً كثيراً ، أمَّا بعدُ :
عِبَادَ اللَّهِ: التَّوْبَةُ خُضُوعٌ وَانْكِسَارٌ ، وَتَذَلُّلٌ وَاسْتِغْفَارٌ ، وَأَوْبَةٌ وَاعْتِذَارٌ ؛ تُثْمِرُ بُعْداً عَنْ سُبُلِ الفَسَادِ ، وَهِجْرَانًا لِأَهْلِ الغَوَايَةِ وَالعِنَادِ ؛ لِتَغْدُوَ النَّفْسُ صَفْحَةً بَيْضَاءَ ، فِيهَا خَوْفٌ وَرَجَاءٌ ، وَخَشْيَةٌ وَبُكَاءٌ ؛ وبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ ، وَخَيْرُهَا مَمْنُوحٌ ، مَا لَمْ تُغَرْغِرِ الرُّوحُ .
عِبَادَ اللَّهِ: المَنَايَا لِلْخَلْقِ رَاصِدَةٌ ، وَالحَوَادِثُ لَهُمْ حَاصِدَةٌ ؛ فَيَا مَنْ يَرَى العِبَرَ بِعَيْنَيْهِ ، وَيَسْمَعُ المَوَاعِظَ بِأُذُنَيْهِ ، وَالنَّذِيرُ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ ، وَكَلِمَاتُهُ تُلْقَى عَلَيْهِ ، أَقْبِلْ عَلَى مَوْلَاكَ مُنْكَسِرًا ، وَلُذْ بِبَابِ جُودِهِ مُعْتَذِرًا ، وَارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَيْهِ مُفْتَقِرًا ، مُقِرًّا بِالذُّنُوبِ ، وَقُلْ فِي دُعَاكَ:
اللَّهُمَّ إِنْ تَغْفِرْ فَأَنْتَ لِذَاكَ أَهْلٌ ، وَإِنْ تَطْرُدْ فَمَنْ يَرْحَمُ غَيْرُكَ ، فَلَا رَبَّ لَنَا سِوَاكَ ، وَأَنْتَ القَائِلُ: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ آل عمران:135.
فَتُوبُوا عِبَادَ اللَّهِ قَبْلَ مَوْتِ الفَجْأَةِ، وَاسْتَدْرِكُوا قَبْلَ الفَوَاتِ وَالمَمَاتِ ، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ الزمر : 53 .
اللَّهُمَّ أَيْقِظْنَا مِنَ الغَفَلَاتِ ، وَارْزُقْنَا التَّوْبَةَ النَّصُوحَ قَبْلَ المَمَاتِ ، يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ يَا مُجِيبَ الدَّعَوَات .
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
المرفقات
1779791960_فضل التوبة خطبة 12-12-1447.docx
1779791960_فضل التوبة خطبة 12-12-1447.pdf