فضل عشر ذي الحجة ( وموافقة للتعميم )

أنشر تؤجر
1447/11/27 - 2026/05/14 13:54PM

الخطبة الأولى :

‎الحمد لله رب العالمين ، منَّ على عباده بمواسم الخيرات ، أحمده سبحانه وأشكره ، وأستعينه وأستغفره ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين ، وسلم تسليماً كثيرا .           

‎أما بعد : فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ،{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }[آل عمران:102]

عِبَادَ اللهِ : إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى هٰذِهِ الأُمَّةِ أَنْ عَوَّضَهَا عَنْ قِصَرِ الأَعْمَارِ بِعِظَمِ الأُجُورِ وَفَضْلِ المَوَاسِمِ ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :« أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ »، أَعْمَارٌ قَصِيرَةٌ ، وَلٰكِنَّ اللهَ فَتَحَ لَنَا أَبْوَابًا مِنَ الرَّحْمَةِ وَالمُضَاعَفَاتِ ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا هٰذِهِ الأَيَّامُ المُبَارَكَاتُ التي نحن على مشارفها ، بل هي أعظم أيام الدنيا على الإطلاق ، ألا وهي عشر ذي الحجة .

‎عَشْرٌ كَثيرَةُ الحَسَنَاتِ ، عَالِيةُ الدَّرجاتِ ، مُتنوِّعَةُ الطَّاعَاتِ ، كَفَاها شَرَفَاً أنَّ اللهَ أَقسَمَ بها ، فَقَالَ :( وَالْفَجْر*وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، قال ابن عباس وغيره من السلف : والليالي العشر هي عشر ذي الحجة .

‎وَمِنْ فَضَائِلِ العَشرِ أنَّ اللهَ تَعَالَى أَكْمَلَ فِيهَا الدِّينَ ، وَأَنْزَلَ فِيهَا بِشَارِتَهُ لِلمؤمِنينَ ، فَقَالَ تعالى :( ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإسْلاَمَ دِينًا ).

وَمِنْ فَضَائِلِهَا أَنَّها أَفْضَلُ أيَّامِ الدُّنْيا عَلى الإطلاقِ ، كمَا وَصَفَها الْمُصطَفى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ، فَقَالَ :« مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ ». يَعْنِى أَيَّامَ الْعَشْرِ .

فتعجَّبَ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم من هذا الفضلِ العظيمِ ، وتذّكروا أكثرَ الأعمالِ أجراً وأحبَّها إلى العزيزِ العليمِ ، وهو الجهاد .

فقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ :« وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ ».

ولذلكَ لمَّا سمِعَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رحمَه اللهُ تعالى هذا الحديثَ من ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما ، انتفعَ به انتفاعاً عظيماً ، فكانَ إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ .

عِبَادَ اللهِ : الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ يَشْمَلُ كُلَّ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَشَرَعَهُ لِعِبَادِهِ ؛ فأَكْثِرُوا فِيها من ذِكرِ اللهِ وَمِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكبِيرِ والتَّحْمِيدِ ، وَقِرَاءَةِ القُرَآنِ فليكنْ له في هذه الأيامِ أكبرَ الحظِ والنصيبِ ، اقرأ وتدبّر، واحرص على أن تختم ، فَقَدْ قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ :« فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ »؛ قُولوا: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وللهِ الحَمْدُ .

‎أَحيُوهَا في بُيُوتِكُمْ، وَمِسِاجِدِكُمْ، وَطرُقَاتِكُمْ، وَمَكَانِ عَملِكُمْ!

‎ولنحرص – يا عباد الله - في هذه الأيامِ الفاضلةِ على أداءِ الفرائضَ ، ولنراجعُ علاقتَنا مع أولِ ما يُحاسبُ عليه العبدُ يوم القيامةِ ، لمَّا سمعَ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم قولَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ "، كانوا كما وصفَهم ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه :( وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ )، يَقُولُ عُدَيُّ بْنُ حَاتِمٍ :( مَا جَاءَ وَقْتَ صَلاَةٍ قَطُّ إِلاَّ وَقَدْ أَخَذْتُ لَهَا أُهْبَتَهَا ، وَمَا جَاءَتْ إِلاَّ وَأَنَا إِلَيْهَا بِالأَشْوَاقِ ).

‎واسمعوا إلى هذا المثالِ الرائعِ ، لما طُعنَ عُمرُ بنُ الخَطابِ رضيَ اللهُ عنه ، أُغميَ عليه وحُملَ إلى بيتِه ، فدخلَ المِسورُ بنُ مَخرمةَ رَضيَ اللهُ عنه وسألَ عَنهُ ، فقالوا : كما ترى ، فقالَ : أَيقظوه للصَّلاةِ ، فكَانوا يُحركونَهُ ، ويُكلمونَه فلا يَردُّ عليهم لكثرةِ ما نَزفَ من الدِّماءِ ، فماذا قَالَ له المِسورُ بنُ مخرمةَ؟، قالَ له : يا أميرَ المؤمنينَ ، الصَلاةُ ، ففَزعَ عُمرُ ، وأَفاقَ ، وقَالَ : نعم ، ولا حَظَّ في الإسلامِ لمن تَركَ الصَّلاةَ ، فصلَّى ، وإنَّ جُرحَه ليَثْعَبُ دَمَّاً ؛ فحبُّ الصَّلاةِ وسِرعةُ الاستجابةِ ، هي التي رفعتْ مكانةَ الصحابةِ .

‎واحرصْ - يا عبد الله - في هذه الأيامِ الفاضلةِ على الصِّيامِ ، فهو العبادةُ الوحيدةُ التي أُخفيَ أجرُها عن الأنامِ ، قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)،

لنحرص على صيام هذه الأيام ، فإن لم نفعل، فلا نفرط في صيام يوم عرفة الذي يكفر سنتين.

وَمِن أَفْضَلِ الأَعمَالِ في هذه الأيامِ الفاضلةِ : التَّقرُّبُ إلى اللهِ بِذَبْحِ الأَضَاحِي ، وَقَدْ أَرْشَدَنَا نَبِيُّنا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِيَ بِأَنَّهُ لا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلا بَشَرَتِهِ شَيئَاً مِنْ حِينِ دُخُولِ العَشْرِ ، فعظموا أمر نبيكم .

عِبَادَ اللهِ : إن مواسم الخيرات موضوعة لبلوغ الأمل بالاجتهاد في الطاعة ، ورفع الخلل والنقص بالاستدراك بالتوبة ؛ فاتَّقُوا اللهَ رَبَّكم ، واستَعِدُّوا لِعَشرِكُم ، وَجِدُّوا وَشَمِّرُوا بِما تَجِدُهُ ذُخرَاً لَكُم :( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ).

إنَّها عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ ، فَوَقْتُهَا قَصِيرٌ لا يَحْتَمِلُ التَّسْوِيفَ وَلا التَّقْصِيرَ ، الاجْتِهَادُ فِيهَا أَعْظَمُ! لأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عَنْهَا غَافِلُونَ ، وَجَزَاءُ العَمَلِ الصَّالِحِ فِي وَقْتِ غَفْلَةِ النَّاسِ أَعْظَمُ أَجْرَاً!

فاللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ .

‎اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ ، وَوَفِّقْنَا فِيهَا لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، وَاجْعَلْنَا فِيهَا مِنَ الْفَائِزِينَ الْمَقْبُولِينَ ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

‎أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَاسْتَغْفِرُوهُ ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .

‎الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ :

‎الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .

أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَفْضَلِ مَا يُعْمَلُ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ :

‎حَجُّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، فَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِيهِ الْعِظَامِ ، قال تعالى :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ جِجُ البَيتِ مَن استَطاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَن العالَمينَ ).

وعلى مَن وفّقَه اللهُ للحجّ أنْ يكونَ حجُّه خالصًا للهِ تعالى ، متَّبعًا فيه سنَّةَ النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقد

قال عليه الصلاة والسلام :« يا أيُّها الناسُ خُذوا عنِّي مناسكَكم ».

واعلموا أنَّه يجبُ على الحُجَّاج الالتزامُ بالتعليماتِ الصادرة من الجهاتِ الرسميَّةِ ، لما في ذلك من حفظِ الأنفس ، وتيسيرِ أداءِ النُّسكِ ، ويدخلُ في ذلك عدمُ أداءِ الحجّ دون تصريح نظاميّ ؛ لما فيه من مخالفةٍ أمرٍ وليَّ الأمرِ ، والإضرارِ بالحُجَّاج ، وتعريض الأنفس للخطرِ ، قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ).

ممَّا يجدرُ تنبيهُ الحُجَّاج عليه الالتزامُ بالسَّكينةِ والرّفق في المشاعرِ والطُّرقاتِ ، والتحلِّي بالصبرٍ والحِلمِ والأخلاق الحسنةِ ، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم  في حجَّتِه :« أيُّها الناسُ ، السكينةَ السكينةَ ».

وعلى الحاج الدعاء لولاةِ أمرِ هذه البلادِ المباركة ، الذينَ يبذلوا بسخاءٍ كلَّ غالٍ ونفيسِ في خدمةِ الحرمين الشريفين وقاصديهما من ضيوفِ الرحمن ، كلُّ ذلك من أجل التيسير على الحجاج لأداء نسكهم بطمأنينة ويسر .

وكذلك الدعاء لبلاد الحرمين الشريفين ، ولرجال أمنها ، وكذلك الدعاء لسائر بلاد المسلمين بالحفظ والأمن والاستقرار والرخاء .

اللهمَّ احفظِ الحُجَّاجَ من كلِّ شرِّ ، وأعِنْهم ويسِّرْ أمرَهم ، وتقبَّلْ منهم ، واجعلْ حجَّهم في أمنٍ وطمأنينةٍ .

اللهمَّ وفّقْ وليَّ أمرِنا ووليَّ عهدِه لما تُحبُّ وترضى ، اللهمَّ أعِزَّ بهما الإسلامَ والمسلمينَ .

اللهمَّ احفظْ بلادَنا وبلادَ المسلمينَ من كلِّ شرٍّ .

اللهمَّ آتِ نفوسَنا تقواها ، وزكِّها أنتَ خيرُ من زكَّاها ، أنتَ وليُّها ومولاها .

اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ .

ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذابَ النارِ .

وصلّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ.

المرفقات

1778756051_فضل عشر ذي الحجة ( وموافقة للتعميم ).docx

المشاهدات 751 | التعليقات 0