فقه التعامل مع الذكاء الصناعي

بسم الله الرحمن الرحيم

فقه التعامل مع الذكاء الصناعي

 

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَظِيمًا عَلِيًّا، جَبَّارًا قَهَّارًا قَادِرًا قَوِيًّا، قسم الخلائق سعيداً وشقياً، وقسم الرِّزْقَ بَيْنَهُمْ فَتَرَى فَقِيرًا وَغَنِيًّا، وَرزق الْعَقْلَ فَجَعَلَ مِنْهُمْ ذَكِيًّا وَغَبِيًّا، فَهُوَ الَّذِي جَادَ عَلَى أَوْلِيَائِهِ بِإِسْعَادِهِ، فأصلح قلب كل مؤمن وفؤاده، وَرَمَى الْمُخَالِفِينَ لَهُ بِطَرْدِهِ وَإِبْعَادِهِ، وسيحاسبه كل مخالف منهم بفساده، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، شهادة تجلو القلب من اسوداده، وأشهد أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- عبده ورسوله سيد الخلق وأفضل الرسل بجدّه وجوده واجتهاده.

 

واعلموا أن َّأصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هديُ محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71]؛ أما بعد:

 

عباد الله: كلنا يعلم أن الإنسان يعيش حياتين حياة الدنيا وحياة ما بعد الموت؛ قال الله -سبحانه: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

 

واليوم استجدت فينا حياة ثالثة هي الحياة الالكترونية الافتراضية ووسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أوجدتها الفضاءات الالكترونية والأجهزة التقنية، وكما أن الواحد منا يعيش حياته الواقعية مع الناس يأكل فيها ويشرب ويروح ويجيء ويتعامل ويتزوج وينجب، فإنه يعيش الحياة الالكترونية يبيع فيها ويشتري ويتعارف ويتقاطع ويحزن ويفرح ويجد ويلعب ويعقد الصفقات ويجري المعاملات ويتعلم ويعلم.

 

معاشر المسلمين: وكما أن في حياتنا الواقعية أخيار ففي الحياة الأخرى أخيار، وكما أن في الأولى أشرار ففي الثانية كذلك؛ فلم يفترض الإنسان أنه يتعامل مع فريق دون الآخر، والساحة السحابية والفضاء الالكتروني يضم الملايين من الناس بمؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم وصادقهم وكاذبهم وشريفهم ووضيعهم وفقيرهم وغنيهم وكبيرهم وصغيرهم وعالمهم وجاهلهم، وكل منهم يجب أن يكون له ما يناسبه من تعامل، لا ينزل المؤمن منزلة الكافر، ولا الكافر منزلة المسلم، ولا الصادق يتعامل معه كالكاذب، ولا الكاذب كالصادق؛ قال سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ).

 

وكما أن أكثر الناس ولو حرصت ليسوا بمؤمنين، وكما أن أكثر من في الأرض يضلون عن سبيل الله -سبحانه-، وكما أن بعث النار يوم القيامة من كل ألف 999، فحياتنا الافتراضية كذلك، فالشر غالب والكذب شائع وظن السوء وأمراض القلوب والاستغلالية والنصب والاحتيال والغش والتدليس والتضليل والمكر والكيد والدجل وبقية مفردات هذا القاموس هو القاعدة.

 

فيجب أن يتعامل المسلم مع هذه الحياة وهذه المساحة بحذر على ضوء المرتكزات الشرعية التي تؤكد على أن المسلم سيحاسب عما يقول ويفعل؛ (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)؛ فما تقوله وتسجله وتكتبه وتنشره وتعتمده وترضاه وتؤيده في أجهزتك ستجده مكتوباً يوم القيامة إما لك أو عليك، فخير الناس من قال خيراً ونشر خيراً؛ (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).

 

عباد الله: وهذه الأجهزة والمساحات الافتراضية نعمة من نعم الله -سبحانه-، يهدي بك الله رجلاً، أو ينفع بك آخر، أو يترك إثماً، أو يقاطع شراً؛ فبدل أن تسافر وتنصب وتبذل الأموال وتغترب عن الأهل للدعوة إلى الله ونشر الخير، فها هي أبواب البر وسبل الخير أصبحت ميسرة مسهلة بضغطة زر، أو كتابة كلمات، أو تعليم جاهل، أو تنبيه غافل وأنت في مكانك والعالم كله بين يديك. فمن مقل ومن مكثر.

 

قلت ما سمعتم ولي ولكم فاستغفروا الله ...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه..

 

أيها المسلمون: ينشط المجرمون وعصابات المافيا بكل أنواعها في هذه المساحات الالكترونية بكل ما أوتوا من قوة، بالتزوير والتضليل، وتركيب المقاطع، وتقليد الأصوات، وانتحال الشخصيات، ونسبة الأقوال زورًا إلى غير أصحابها، والغش والتدليس والكذب والاحتيال وتغيير الحقائق وتشويه الخير وتزيين الشر وانتهاك الأعراض والخصوصيات، وتشويه السمعة، وإثارة الرأي العام وتأجيجه، وزعزعة الثقة، والإضرار بالأمن المجتمعي، وإشاعة الفتنة، وغير ذلك من صور الإفساد في الأرض، والله لا يحب المفسدين.

 

فمن ساهم بشيء ولو يسير مع هذه الصور صار مشاركاً لها، ومفسداً في الأرض، ومسخراً علمه وطاقته وماله وجهازه لأساطين الإفك وأباطرة الافتراء وأقطاب الجريمة.

 

أيها المسلمون: إن من أوسع أبواب الغفلة والوقوع في فخ الخداع الالكتروني هو ضعف ميزان الثقة، وترمومتر التقييم، فيضع المسلم ثقته في غير موضعها، إما مع أناس يجهلهم، أو مع أناس يعرف أمانتهم لكنهم انقلبوا وتغير حالهم فصاروا أعداء بعد أن كانوا أصدقاء، و المجرمون يصطادون الضحايا بوسائل مدروسة بناء على منهج اجتماعي، فيوهمون الضحية بالخطر إن لم يستجب لهم، أو يتظاهرون بأنهم أصحاب سلطة وجهات رسمية، أو يغرونه بالربح والتسهيلات المادية، أو يهددونه بالابتزاز إن كان قد نشر خصوصياته، أو يخادعونه بأنه صديق أو قريب بناء على تشابه الصوت أو الشكل أو معرفة المعلومات.

 

أيها الإخوة: والواجب ألا نخلط بين حسن الظن والسذاجة، وبين التأني والتسرع، وبين الفطنة والتعالم؛ فالمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين، وقال عمر -رضي الله عنه-: لست بالخب ولا الخب يخدعني.

 

لا بد -أيها الفضلاء- من الالتجاء إلى الله -سبحانه- أمام خداع المنافقين؛ (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)، حاولوا خداع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أشرف الخلق وأعلمهم بالله -سبحانه- فعصمه الله بالله؛ (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ).

 

فيا عباد الله: اتقوا الله في سركم وعلنكم، واعلموا أن هذه التقنيات والوسائل هي "صحفٌ" تُملأ، و"موازينُ" تُثقل أو تخف؛ فاجعلوا من جوالاتكم وأجهزتكم حجةً لكم لا عليكم، ولا تكن عقولكم ممرًا للشائعات، ولا أناملكم عونًا للمبطلين؛ كونوا فطنين، حذرين، مستمسكين بهدي دينكم، فالحلال بيّن والحرام بيّن، والرقيب هو الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

 

عباد الله: (إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي"، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

اللهم أمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل هذا البلد آمناً مباركاً وجميع بلاد المسلمين.

 

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزائِمَ مَغْفِرَتِكَ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثمٍ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ، والنَّجاةَ مِنَ النَّارِ.

 

اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل بلادنا آمنةً مطمئنة وسائر بلاد المسلمين.

 

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

 

اللهم احفظ علينا ديننا وعقولنا وأعراضنا وأمننا، واعصمنا من فتن التقنيات ومضلات الفضاءات.

 

اللهم اجعل عملنا كله صالحاً، ولوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحدٍ غيرك فيه شيئاً.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

 

المرفقات

1778317796_فقه التعامل مع الذكاء الصناعي.docx

المشاهدات 114 | التعليقات 0