في ظل الأحداث؛ هذه رشقة توجيهات

د. سلطان بن حباب الجعيد
1447/10/21 - 2026/04/09 16:58PM

   

 

الحمدُ للهِ، جَعَلَ النَّصْرَ والفَرَجَ حليفَ مَنِ اتَّقاهُ، والذُّلَّ والهوانَ عاقبةَ مَن تَنَكَّبَ صِراطَهُ وعَصاهُ.

والصلاةُ والسلامُ على مَن جاءَ بالهُدى مِن عندِ اللهِ، صلاةً وسلامًا كما يُحِبُّ ربُّنا ويرضاهُ.

 

وبعدُ، أيُّها الناسُ، اعلموا أنَّهُ بتقوى اللهِ يَتَنزَّلُ الصبرُ والنصرُ والفَرَجُ. قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اصبِروا وَصابِروا وَرابِطوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُم تُفلِحونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].

 

أيُّها الإخوةُ الكرامُ: إنَّ الأحداثَ التي تَمُرُّ بأُمَّتِنا أحداثٌ جليلةٌ وعظيمةٌ، كانتْ نتاجَ تخطيطِ الأعداءِ ومكرِهم سابقًا، وسيَنتُجُ عنها ما يأتي لاحقًا.

في سلسلةٍ من المكرِ والعداءِ المُتَّصلِ منذُ زمنٍ بعيدٍ، لم تَخْبُ نارُهُ يومًا واحدًا، ولن تَخْبُ، لتَصْدُقَ بذلك نبوءتُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ عندما قال: «يُوشِكُ أن تَداعَى عليكمُ الأُمَمُ مِن كلِّ أُفُقٍ كما تَداعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها». قيل: يا رسولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ يومئذٍ؟ قال: «لا، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الوَهْنُ في قلوبِكم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ مِن قلوبِ عدوِّكم؛ لِحُبِّكم الدنيا وكراهِيَتِكم الموتَ». [أحمد وأبو داود].

 

وتأمَّلْ قولَهُ: «الأُمَمُ»، فليسَ العدوُّ واحدًا، بل أعداءُ، يختلفون في كلِّ شيءٍ، ويتَّفقون على استهدافِ أُمَّتِنا، ودينِها، ومُقَدَّساتِها، وثرواتِها، وأمنِها.

 

في ظلِّ هذهِ الأحداثِ، الناتجةِ عن صراعِ هؤلاءِ الأعداءِ، التي يَصِمُّ أزيزُ طائراتِهمُ الآذانَ، وتنهالُ رَشَقاتُ مُسَيَّراتِهم على الأوطانِ، المُحَمَّلةِ قبلَ النيرانِ بالأحقادِ والأضغانِ، ثَمَّةَ مُسَيَّراتٌ لا تَقِلُّ خطرًا عنها، يجبُ التصدِّي لها، كما يتمُّ التصدِّي -بحمدِ اللهِ- لتلكَ المُسَيَّراتِ.

 

والتصدِّي لهذهِ المُسَيَّراتِ هو واجبُ الخطباءِ والعلماءِ وأربابِ الفكرِ النُّصحاءِ، حتى يقوموا بواجبِهم لأُمَّتِهم وبلادِهم في مثلِ هذهِ الظروفِ، أُسوةً بإخوةٍ لهم في ميادينَ أُخرى، يَذُبُّونَ فيها عن أمنِ الناسِ ودينِهم.

 

فقِيامًا بالواجبِ، فهذهِ رَشْقَةُ توجيهاتٍ في وجهِ تلكَ المُسَيَّراتِ المختلفةِ في طبيعتِها، والأشدِّ ضررًا وفتكًا في حقيقتِها:

 

أُولى هذهِ الرَّشَقاتِ التوجيهُ: اليَقَظَةُ في وجهِ الغفلةِ عمَّا يُرادُ لهذهِ الأُمَّةِ.

فإنَّ الغفلةَ عن مُخطَّطاتِ الأعداءِ، وما يَسعونَ إليهِ في بلادِ المسلمينَ، أوَّلُ أبوابِ الحِصْنِ كسرًا، وأوَّلُ نُذُرِ الشرِّ وقوعًا، فالأُمَّةُ الغافلةُ عمَّا يُرادُ لها لُقْمَةٌ سائغةٌ للأعداءِ. ولذلكَ أمرَ اللهُ المسلمينَ بمعرفةِ سُبُلِ الأعداءِ ومكرِهم، قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ وَلِتَستَبينَ سَبيلُ المُجرِمينَ﴾ [الأنعام: ٥٥].

 

وأمرَهم كذلكَ بأخذِ الحيطةِ والحذرِ، فقال جلَّ شأنُهُ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا خُذوا حِذرَكُم فَانفِروا ثُباتٍ أَوِ انفِروا جَميعًا﴾ [النساء: ٧١].

 

وكيفَ لا نَحذَرُ ونتيقَّظُ؟! وقد أعلنوا وصرَّحوا بمخطَّطاتِهم التوسُّعيَّةِ، الراميةِ للاستحواذِ على بلادِ المسلمينَ ومُقَدَّساتِهم.

 

وهذهِ اليَقَظَةُ يجبُ أن تتعمَّقَ، ونعلمُ بها أنَّهُ لا مكانَ في هذا العالمِ المتوحِّشِ لغيرِ الأقوياءِ، فينتجُ عنها عندئذٍ الأخذُ بأسبابِ القوَّةِ، التي تجعلُ من الأُمَّةِ مهيبةَ الجانبِ، قادرةً بنفسِها على التصدِّي لكلِّ ما يُهدِّدُ وجودَها ومصالحَها، وقادرةً أيضًا على فرضِ نموذجِها، فتقفُ بذلكَ نِدًّا عنيدًا، وخصمًا قويًّا في وجهِ سائرِ القوى الأُخرى.

 

وكلُّ ذلكَ امتثالًا لقولهِ تعالى: ﴿وَأَعِدّوا لَهُم ما استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَآخَرينَ مِن دونِهِم لا تَعلَمونَهُمُ اللَّهُ يَعلَمُهُم﴾ [الأنفال: ٦٠].

وقولهِ تعالى: ﴿وَلا تَهِنوا وَلا تَحزَنوا وَأَنتُمُ الأَعلَونَ إِن كُنتُم مُؤمِنينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].

وقولهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ». [مسلم].

 

وثاني هذهِ الرَّشَقاتِ: التوبةُ والرجوعُ إلى اللهِ، في وجهِ التفريطِ والإصرارِ على ما حرَّمَ اللهُ.

 

فإنَّ من أعظمِ أسبابِ البلاءِ التي تَحيقُ بالأُممِ، مخالفةُ أمرِ اللهِ وارتكابُ نهيِهِ، كما أخبرَ اللهُ بذلكَ في كتابِهِ.

 

قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهلُ القُرى أَن يَأتِيَهُم بَأسُنا بَياتًا وَهُم نائِمونَ ۝ أَوَأَمِنَ أَهلُ القُرى أَن يَأتِيَهُم بَأسُنا ضُحًى وَهُم يَلعَبونَ ۝ أَفَأَمِنوا مَكرَ اللَّهِ فَلا يَأمَنُ مَكرَ اللَّهِ إِلَّا القَومُ الخاسِرونَ﴾ [الأعراف: ٩٧-٩٩].

 

ومن أعظمِ البلاءِ الذي يكونُ بسببِ الذنوبِ، أن يُسَلِّطَ اللهُ على الأُمَّةِ عدوًّا لا يرقُبُ فيها إلًّا ولا ذِمَّةً، فيسومُها الخَسفَ والهوانَ والذلَّ.

 

وحوادثُ التاريخِ القديمِ والحديثِ، تشهدُ على أنَّ هذهِ سُنَّةٌ إلهيَّةٌ لا تتغيَّرُ ولا تتبدَّلُ. فأينَ هي دولةُ المسلمينَ وحضارتُهم في الأندلسِ، التي كانتْ مِلءَ السمعِ والبصرِ؟! زالتْ وبادتْ على أيدي النصارى لمَّا تَزَيَّلَ المسلمونَ عن قيمِهم وأخلاقِهم ودينِهم التي دخلوا بها تلكَ الجزيرةَ!

 

وإن داخلكم شكٌّ في ذلكَ، فتذكَّروا ما وقعَ يومَ أُحُدٍ من الهزيمةِ لأعظمِ جيشٍ على الإطلاقِ، تحتَ أعظمِ قيادةٍ على الإطلاقِ، بسببِ المعصيةِ والمخالفةِ وحبِّ الدنيا والتسارعِ إليها.

 

أيُّها الأخُ المباركُ، ابدأْ بنفسِكَ بكلِّ ما سمعتَ، وحذارِ أن تقولَ: أنا فردٌ، وما عسى أن يقعَ بسببي؟!

 

أنتَ غرضُ الكلامِ الأوَّلُ، والمعنيُّ به دونَ غيرِكَ، ويقعُ بسببِكَ الكثيرُ من أسبابِ الخيرِ، وقد يقعُ بسببِكَ أيضًا الكثيرُ من أسبابِ الشرِّ، فتمثَّلِ الأُمَّةَ كلَّها في نفسِكَ، وارفعْ منسوبَ وعيِكَ بما يدورُ حولَكَ، ولا تكنْ من الغافلينَ، وارجعْ إلى ربِّكَ في مثلِ هذهِ الظروفِ والأحداثِ مستغفرًا متضرِّعًا، ولا تكنْ من السادرينَ اللاهينَ، حتى لا يُؤتَى البلادُ والعبادُ من قِبَلِكَ.

 

أقولُ قولي هذا…

 

الثانية:

 

وبعدُ، أيُّها الإخوةُ الكرامُ: ثالثُ هذهِ الرَّشَقاتِ التوجيهيَّةِ الدعوةُ للاجتماعِ ووحدةِ الصفِّ، في وجهِ الفرقةِ والخلافِ والنزاعِ.

 

فإنَّ من أعظمِ أسبابِ الضعفِ والهزيمةِ التي تَحيقُ بالأُممِ،  أن تتنازعَ فيما بينها، ويجعلَ اللهُ بأسَهم بينهم، فيُبغِضونَ بعضَهم أكثرَ من بُغضِهم لعدوِّهم، ويضرُّ بعضُهم بعضًا أكثرَ من ضررِهم لعدوِّهم، حينها ستكونُ مهمةُ العدوِّ في القضاءِ عليهم أسهلَ مهمةٍ.

 

وقد بيَّنَ القرآنُ أنَّ النزاعَ بين المؤمنينَ يتسبَّبُ في ذهابِ قوَّتِهم، كما في قولهِ تعالى: ﴿وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسولَهُ وَلا تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم وَاصبِروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].

 

وكذلكَ حذَّرَ النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ من هذهِ الحالِ، وبيَّنَ أنَّها أشدُّ خطرًا من العدوِّ الخارجيِّ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «فإنِّي سألتُ ربِّي لأُمَّتي ألَّا يُهلِكَها بسَنةٍ عامَّةٍ، وألَّا يُسلِّطَ عليهم عدوًّا من سوى أنفسِهم فيستبيحَ بَيْضَتَهم، فإنَّ ربِّي قال : يا مُحمَّدُ إنِّي إذا قضَيْتُ قضاءً فإنَّه لا يُرَدُّ وإنِّي أُعطيكَ لِأُمَّتِكَ ألَّا أُهلِكَهم بسَنةٍ عامَّةٍ وألَّا أُسلِّطَ عليهم عدوًّا مِن سوى أنفسِهم فيستبيحَ بَيْضَتَهم ولوِ اجتَمَع عليهم مِن أقطارِها حتَّى يكونَ بعضُهم يُهلِكُ بعضًا ويَسبي بعضُهم بعضًا». [مسلم].

 

وقد عَلِمَ الأعداءُ هذهِ الحقيقةَ، فجعلوا من أولويَّاتِهم بثَّ الفرقةِ والنزاعِ بين أبناءِ الأُمَّةِ الواحدةِ، وإثارةَ الفتنةِ بينهم، وزعزعةَ صفِّهم، وتأجيجَ الأحقادِ والعصبيَّاتِ في صدورِهم.

 

متَّخذينَ في سبيلِ ذلكَ كلَّ وسائلِ الكيدِ والمكرِ، ومُجَنِّدينَ لها من استطاعوا تجنيدَهُ من ضعفاءِ النفوسِ والمنافقينَ والمُرجِفينَ.

 

فلنكنْ أُمَّةً واحدةً كما أرادَ اللهُ لنا، متلاحمينَ، متناصرينَ، متحابِّينَ، سامعينَ ومطيعينَ في المعروفِ.

 

وفي الختامِ، أيُّها المؤمنونَ، إن تذرَّعنا باليقظةِ والوعيِ، والتوبةِ والضراعةِ، والوحدةِ والتلاحمِ، فقد تصدَّينا لمُسَيَّراتِ الغفلةِ والمعصيةِ والنزاعِ والفرقةِ، فحمينا بذلكَ أعظمَ الجبهاتِ على الإطلاقِ، وهي الجبهةُ الداخليَّةُ، والتي حمايتُها مسؤوليَّةُ الجميعِ.

 

اللهمَّ انصرْ دينَكَ، وأعلِ كلمتَكَ.

اللهمَّ احفظْ بلادَنا وبلادَ المسلمينَ من كيدِ الكائدينَ وعدوانِ المعتدينَ، نعوذُ بكَ، اللهمَّ، من شرورِهم، ونَدْرَأُ بكَ في نحورِهم..

 

المرفقات

1775743098_في ظل الأحداث هذه رشقة توجيهات ( pdf).pdf

1775743098_في ظل الأحداث هذه رشقة توجيهات ( وورد).docx

المشاهدات 498 | التعليقات 0