كراهية الحروب

هلال الهاجري
1447/10/13 - 2026/04/01 22:29PM

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وأَنْتمْ مُسْلِمُونَ)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)، أمَّا بَعدُ:

جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلى كَرَاهِيَّةِ الحُرُوبِ، فَهيَ سَبَبٌ لِلقَلَقِ والهَّمِّ والكُرُوبِ، تَتَضَاربُ فِيهَا الآرَاءُ والتَّوَقُّعَاتُ، وتَضطَرِبُ فِيهِ التَّحَاليلُ والتَّصرِيحَاتُ، فَيَبقَى المُتَابِعُ فِي حِيرَةٍ وَشَتَاتٍ، فَالوَاقِعُ يُخَالِفُ مَا يُبَثُّ فِي الشَّاشَاتِ، عِندَهَا يَمُوجُ النَّاسُ بَينَ القِيلِ والقَالِ، ويبحَثُونَ عَنِ السَّكِينَةِ ورَاحَةِ البَالِ، فَتَعَالُوا لِنَتَدَّبَرَ كِتَابَ رَبِّنَا الكَرِيمِ، لِنَرى مَا هُو عِلاجُ القَلبِ السَّقِيمِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، هُنَا قِفْ، وَقُلْ: سُبحَانَ اللهِ، فَقَد عَلِمَ اللهُ تَعَالى كَرَاهِيتَنَا لِلحُرُوبِ، وَمَا فِيهَا مِن أَهوَالٍ عَظِيمَةٍ وَخُطُوبٍ، وَلَكِنَّهُ أَخبَرَنا بِمَا لا نَعلمُ: وَهُو أَنَّ الخَيرَ أَحيَانَاً يَكُونَ فِيمَا نَكرَهُ، والشَّرُّ قَد يَكُونُ فِيمَا نُحِبُ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

(وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)، أَلَيسَ هَذِهِ الحُروبُ تَذَكِّرُنَا بَمَا كَنَّا قَد نَسِينَاهُ مِنَ النِّعَمِ، فِي وَقتٍ كُنَّا نَشتَكِي مِنَ المَلَلِ والتَّضَجُّرِ والسَّأَمِ، فَهَا هِيَ صَافِراتُ الإنذَارِ تَخبِرُنَا أَنَّنَا كُنَّا نَنَامُ لَيلَنَا كُلَّهُ فِي أَمَانٍ، وَهَا هُوَ أَزِيزُ الطَّائرَاتِ يُحَدِّثُنَا عَن زِيَارَاتِنَا السَّابِقَةِ لِلأَحِبَّةِ فِي اطمِئنَانِ، فَانتَبَهنَا إلى مَا كُنَّا فِيهِ مِن صِحَةٍ ورِزقٍ واستِقرَارٍ، ويَومِنَا الذي كَانَ مَلِيئاً بِنِعَمِ العَزِيزِ الغَفَّارِ، وَمَعَ كَرَاهِيَتِنا لِلحَربِ وَلَكِنَّهَا أَيقَظَتنَا مِن غَفلَتِنا الطَّويلَةِ، ونَسَأَلَ اللهَ أَن نَستَعِيدَ شُكرَ هَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ.

الشُّكرُ للهِ شُكرَاً لَيسَ يَنصَرِمُ *** شُكرَاً يُوافِقُ مَا يَجرِي بِهِ القَلَمُ

يَأَتي البَلاءُ لِتَمحِيصٍ وَتَذَكِّرَةِ *** كَأَنَّ كُلَّ بَلاءٍ نَازِلُ نِعَمُ

(وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)، لَقَد كَرِهنا الحَربَ كُرهَاً شَدِيدَاً، وَلَكِنَّهَا أَعطَتنَا دَرسَاً مُفِيدَاً، فَقدَ ظَهَرَ لَنَا حِنكَةَ القَادَةِ فِي السِّلمِ والرَّخَاءِ، ومَحبَتَهُم لِشُعُوبِهم بُكلِّ صِدقٍ وَوَفَاءٍ، فَهَا هُم يَصرِفُونَ الحَربَ عَن البِلادِ والعِبَادِ، ولا يَنسَاقُونَ خَلفَ كَيدِ أَهلِ الفَسَادِ، بَل يَتَعَامَلُونَ مَعَ الأَحدَاثِ بِكُلِّ دَهَاءٍ وُدُبلومَاسيَّةٍ، فِي صَبرٍ وَحِكمَةٍ وحِفَاظٍ عَلى المُقَدَّرَاتِ الأَسَاسِيَّةِ، كَم عَقَدُوا مِن صَفقَاتٍ لِلأَسلِحَةِ بِالمِليَاراتِ، واليَومَ نَرى أَثَرَهَا فِي حِمَايَةِ المَدَنِيينَ والمُنشَىآتِ، يُحَافِظُونَ عَلى أَجواءِ الأَمنِ والسُّرُورِ، ويَدفَعُونَ مَصَادرَ الخَوفِ والشُّرورِ، (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ).

 (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)، نَكرَهُ الحَربَ عِندَمَا تُظهِرُ لَنَا وَجهَهَا العَابِسَ، فَتعِيثُ فِي الأَرضِ وتَأكلُ الأَخضَرَ واليَابِسَ، وَلَكِنَّهَا أَظهَرَتْ لَنَا جُنُودَنَا البَوَاسِلَ المُخلِصِينَ، الذينَ كَانَوا زَمَاناً عَلى ثُغُورِ البِلادِ مُرَابِطِينَ، فَأرادَ اللهُ تَعَالى أَن يُرِينَا جُهُودَهُم الشَّامِخَةَ، ويُظهِرُ لَنَا شَجَاعَتَهُم الرَّاسِخَةَ، يَسهَرُونَ لِنَنَامَ، وَيَتعَبُونَ لِنرتَاحَ، وَيَتَعرَّضُونَ لِلخَطَرِ لِنَأمَنَ، وَيُقتَلُونَ شُهدَاءَ لِنحيَا، كَمَا بَشَّرَهُم عَلِيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَولِهِ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)، إنَّهُم الأَبطَالُ رِجَالُ الدِّفَاعِ، وَلِسانُ حَالِهِم فِي ثَبَاتِهِم الشَّجَاعِ:

إِذَا كَشَـفَ الـزَّمَـانُ لَكَ القِنَـاعَا *** وَمَدَّ إِلَيْـكَ صَـرْفُ الدَّهْـرِ بَـاعَا
فَـلاَ تَـخْشَـى المَنِيَّــةَ وَالتَقِيْـهَا *** وَدَافِـعْ مَا اسْتَطَـعْتَ لَهَـا دِفَـاعَا

(وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)، نَكرَهُ الحَربَ وَمَن يُحِبُّ الحَربَ، فَفِيهَا الفِتَنُ والهَمُّ والكَربُ، وَلَكِنَّهَا أَظهَرَتْ لَناَ العَدُوَّ مِنَ الصَّدِيقِ، وبَانَ لَنَا فِيهَا الخَصمُ مِنَ الرَّفِيقِ، وتَسَاقَطَتْ أَقنِعَةُ الأعدَاءِ، وَكُشِفَ مَا فِي القُلُوبِ مِن وَلاءٍ، وَأَصبَح جَليَّاً حِقدُ الحَاقِدِينَ عَلى بِلادِ المُسلِمِينَ، فَهُم لا يُريدونَ لَها تَطَوُّرَاً أَو فَلاحَاً، ولا يَتَمَنَّونَ لَهَا تَنمِيَّةً ولا نَجَاحَاً، فَهُم يُثِيرونَ القَلقَ فِي المَنطِقَةِ لِصَدِّ المَستَثمِرينَ، لِوَقفِ خُطَطِ القُوَّةِ والازدِهَارِ المَبذُولَةِ مِن سِنِينَ، وَصَارَ وَاضِحَاً أَنَّ الحَلَّ فِي مِثلِ هَذِهِ المَواقفِ الكَبِيرةِ، هُوَ فِي اجتِمَاعِ دُولِ المَنطِقَةِ حَتى لا نَكونَ لُقمَةً صَغِيرةً.   

كُونُوا جَمِيعَاً يَا بَنِيَّ إِذا اعتَرى *** خَطْبٌ ولا تَتَفَرقُوا آحَادَا

تَأبَى الرِّمَاحُ إِذا اجتَمَعْنَ تَكَسُّراً *** وإِذا افتَرقْنَ تَكَسَّرتْ أَفرَادَا

بَارَكَ اللهُ لَنَا في القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِن الآياتِ والذِّكرِ الحَكيمِ، وَتَابَ عَلِينَا وَهَدَانا إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية:

الحَمدُ للهِ الذي وَفَّقَ مَن شَاءَ بِرحمَتِهِ إلى طَاعَتِهِ، وَيَسَّرَ الهِدَايةَ لِمَن أَحَبَّ مِن خَلقِهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى مَن جَعَلَهُ رَبُّهُ هَادِيَاً مَهدِّيَاً، بَشِيراً وَنَذِيراً، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الطَّيبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَمَن تَبِعَهُم بِإحسَانٍ إلى يَومِ الدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:

(وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)، ولازِلنَا نَكرَهُ الحَربَ ويَبينُ لَنَا خَلفَ هَذَا الكُرهِ مِنَ الخَيرِ مَا لا تَدرِكُهُ الظُّنُّونَ، وَذَلِكَ لأَنَّ اللهَ تَعَالى قَالَ فِي آخِرِ الآيَةِ: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، فَحُقَّ لِكُلِ مُؤمنٍ أَن يَطمَئنَ لأَقدَارِ اللهِ تَعالى مِن شَرٍّ وَخَيرٍ، فَإنَّها لَهُ فِي الدُّنيَا والآخِرَةِ زِيَادَةٌ فِي الحَسَنَاتِ والخَيرِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالى: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)، فَكُلُّ مَا أَصَابَكَ أَيُّهَا المُؤمنُ فَهُوَ خَيرٌ لَكَ، وَبيَانُ ذَلِكَ فِي قَولِهِ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (عَجَبَاً لأَمرِ المؤمِنِ إنَّ أَمرَهُ كُلَهُ خَيرٌ وَلَيسَ ذَاكَ لأَحدٍ إلا لِلمُؤمِنِ، إن أَصَابتْهُ سَراءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيراً لَهُ، وإن أَصَابتْهُ ضَراءُ صَبرَ فَكَانَ خَيراً لَهُ).

فَإذا كَانتْ أَقدَارُنَا بِيَدِ العَليمِ الرَّحِيمِ، العَزِيزِ الحَكيمِ، الذي هُو أَرحَمُ بِنَا مِن أنفُسِنَا، فَكَيفَ نَخَافُ عَلى مُستَقبَلِنَا، بَل عَلينَا أَن نُحسِنَ الظَّنَّ بِرَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ، فَقَد قَالَ فِي الحَديثِ القُدُسيِّ: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي)، فَظُنَّ بِربِّكَ خَيرَاً، تَفَاءَلْ، كُنْ مَصدَرَ سَعَادَةٍ وَجَمَالٍ، وبُثَّ في النُّفُوسِ الرَّجَاءَ والآَمَالَ، دَعْ عَنكَ التَّشاؤمَ والإحبَاطَ، وأَبعِدْ عَنكَ وَعنْ إخوَانِكَ اليَأسَ والإقنَاطَ، وَلنُرَبِّ أَنفُسَنَا وَأَبنَاءَنا وَمَن حَولَنَا عَلَى النَّظرَةِ الإيجابيَّةِ لِلوَاقعِ، لأَنَّنَا نُؤمِنُ بِأَنَّ لَنَا ربَّاً يُدَبِّرُ أُمُورَنا (هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، فَأَمرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، يَقُولُ مُصطَفَى السِّباعيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (إِذَا نَظَرتَ بِعَيْنِ التَّفَاؤُلِ إِلَى الوُجُودِ، رَأَيْتَ الجَمَالَ شَائِعًا فِي كُلِّ ذَرَّاتِهِ، حَتَّى القُبْحَ تَجِدُ فِيهِ جَمَالًا).

أَيُّهَا الشَّاكِي وَمَا بِكَ دَاءٌ *** كُنْ جَمِيلاً تَرَ الوُجودَ جَميلاً

اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِحْ أئمَّتَنا وولاةَ أُمورِنا، اللهمَّ أيِّد بالحقِّ والتَّوفيقِ والتَّسديدِ إمامَنا ووليَّ أَمرِنا، ووفِّقه لما تحبُّ وتَرضَى، وخُذ بناصيتِه للبرِّ والتَّقوى، اللهمَّ من أرادَنا وأَرادَ دينَنا ودِيارَنا وأَمنَنا وولاةَ أمرِنا وعُلماءَنا وأهلَ الفَضلِ والصَّلاحِ منَّا ورِجالَ أَمنِنا وقُواتِنا ووِحدتَنا واجتماعَ كَلمتِنا بسُوءٍ، اللهمَّ فأشغِله بنَفسِه، واجعل كيدَه في نَحرِه، واجعل تَدبيرَه تَدميرًا عَليهِ يا رَبَّ العَالمينَ، اللهمَّ انصُرْ جُنُودَنا، وثَبِّتْ أَقدَامَهُم، وَسَدِّدْ رَميَهُم، وَأَنزِلْ عَلِيهِم السَّكِينَةَ وَالطُّمأَنِينَةَ، وَأَجزِلْ لَهُم الأَجرَ وَالمَثوبَةَ، اللهمَّ احفِظنَا وِبِلادَ المُسلِمِينَ من شرِّ الأشرارِ، وكَيدِ الفُجَّارِ، وشرِّ طوارِقِ الليلِ والنهارِ، اللهمَّ يا ذا الجُودِ والمنِّ، احفظ علينا هذا الأمنَ، وسدِّد قيادتَه، وَوَفِّقْ رجالَه، وخُذ بأيديهم، وشُدَّ من أزرِهم، وقوِّ عزائِمَهم، وزِدهم إحسانًا وتوفيقًا، وتأييدًا وتسديدًا يا ربَّ العَالمينَ.

المرفقات

1775098348_كراهية الحروب.docx

1775098360_كراهية الحروب.pdf

المشاهدات 318 | التعليقات 0