كما نكونُ تكونُ وسائل تواصلنا

د. سلطان بن حباب الجعيد
1447/11/20 - 2026/05/07 13:58PM

كما نكونُ تكونُ وسائلُ تواصلِنا

 


الحمدُ للهِ خالقِ الأرضِ والسماءِ، ومُقدِّرِ الأشياءِ، يَحكُمُ ما يريدُ ويفعلُ ما يشاءُ.

والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِ الأنبياءِ، وزينةِ الأصفياءِ، صلاةً وسلامًا بعددِ رملِ الأرضِ ونجومِ السماءِ.

 


أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ؛ فإنَّها سبيلُ الولايةِ، التي يأمنُ أصحابُها من المخاوفِ والأحزانِ، قال اللهُ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢-٦٣].

 


وبعدُ، أيُّها الإخوةُ الكرامُ: الوسائلُ في ذاتِها مُحايدةٌ، لا تُوصَفُ بخيرٍ أو شرٍّ، وإنَّما الذي يصبغُها ويمنحُها الأوصافَ، نحنُ؛ بطريقةِ تعاملِنا معها، وفي أيِّ شيءٍ نستخدمُها؟!

 


ومن تلكم الوسائلِ وأهمِّها ما يُعرَفُ اليومَ بوسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وبرامجِ الذكاءِ الاصطناعيِّ. فقد أضحت جزءًا رئيسيًّا في حياتِنا، تقتطعُ من أوقاتِنا الكثيرَ، ولا يستغني عنها أحدٌ.

 


وهذه الوسائلُ إذا صادفت وعيًا عند الناسِ، وتديُّنًا صادقًا، وخُلُقًا ساميًا، وثقافةً عاليةً، آتت أُكُلَها بإذنِ ربِّها، وانتفعَ الناسُ بها، وكانت من نعمِ اللهِ عليهم. فإذا كان هذا حالَهم معها، كانت وسائلَ للتواصلِ مع الشعوبِ، وتبليغِ كلمةِ اللهِ لهم، وتبادلِ الخبراتِ معهم، والتعرُّفِ على ثقافاتِهم، وفتحِ جسورِ الحوارِ الناضجِ بيننا وبينهم، ليصلَ إلينا من خيرِهم ما شاء اللهُ له أن يصلَ، ويصلَ إليهم من خيرِنا ما شاء اللهُ له أن يصلَ، فيتحقَّقَ بذلك التعارفُ الذي أشارَ اللهُ إليه في قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].

 


ومع الثقافةِ وسموِّ الأخلاقِ أيضًا، تكونُ وسائلَ للنقدِ البنَّاءِ، بأن نضعَ أيدينا على أدوائِنا ومشاكلِنا، ونُشخِّصَها تشخيصًا دقيقًا، ونعرفَ أسبابَها وملابساتِها، ثم نُقدِّمَ الحلولَ الناجعةَ والنافعةَ.

 


وتكونُ أيضًا وسائلَ لأن نشدَّ رابطةَ أُخوَّتِنا الدينيَّةِ مع محيطِنا العربيِّ والإسلاميِّ، فنتفاعلَ مع قضاياهم، ونتألَّمَ لجراحِهم، ونُظهرَ لهم حبَّنا ووُدَّنا، ولا نسمحَ لضعافِ العقولِ والنفوسِ أن يزرعوا الحقدَ والضغينةَ بيننا، ونشاركَهم رأيَنا، ونطلبَ رأيَهم، ونخوضَ وإيَّاهم آفاقًا من التفكيرِ والتدبُّرِ يرسمُ لأمَّتِنا ملامحَ الطريقِ الذي تخرجُ به من كبوتِها الحضاريَّةِ، وتخلُّفِها وضعفِها المزمنِ في كلِّ المجالاتِ.

 


وكذلك نجعلُ منها وسيلةً لأن نُعرِّفَ العالمَ بعدالةِ قضايانا، وعلى رأسِها قضيةُ فلسطينَ، ونكشفَ لهم ضراوةَ وشراسةَ عدوِّنا ووحشيَّتَه وإجرامَه، ونقفَ في هذه الوسائلِ صفًّا واحدًا للتصدِّي لسرديَّتِه ودعاويه، وكشفِ زيفِها وباطلِها.

 


وبوعيِنا وثقافتِنا نجعلُ منها وسائلَ لنقلِ الخبرِ الصادقِ، والتحليلِ الموضوعيِّ، دون كذبٍ وتضليلٍ، لنرفعَ بذلك منسوبَ الوعيِ بما يُرادُ لهذه الأمَّةِ، حتى تكونَ على بصيرةٍ من أمرِها.

 


أمَّا إذا تدنَّى مستوى الثقافةِ، وقلَّ الوازعُ الدينيُّ، وهبطت الأخلاقُ إلى درجاتِها الدنيا، استحالت هذه الوسائلُ إلى وسائلَ للتناحرِ والتدابرِ.

 


فتُنهَشُ فيها أعراضُ المسلمينَ، وتُوزَّعُ التُّهَمُ فيها بالباطلِ، ويُؤذَى فيها عبادُ اللهِ، ويُنهَى فيها عن المعروفِ، ويُؤمَرُ بالمنكرِ، ويُزيَّفُ فيها الحقُّ، ويُزخرفُ الباطلُ، ويُذَبُّ عنه وعن أهلِه.

 


وتُثارُ فيها النَّعراتُ بين المسلمينَ، وتُؤجَّجُ فيها الخلافاتُ، ويُزرَعُ الحقدُ والكراهيةُ في قلوبِهم.

 


ويكثرُ فيها الجدلُ المذمومُ، والنقاشُ الفارغُ، والقيلُ والقالُ، ونشرُ الشائعاتِ والأكاذيبِ.

 


أيُّها الإخوةُ، هذه هي وسائلُ التواصلِ الاجتماعيِّ، ترتقي برُقِيِّنا، وتعكسُ مدى تديُّنِنا وأخلاقِنا ووعيِنا، فإصلاحُها ينبعُ أولًا من إصلاحِ واقعِنا وأنفسِنا.

 


ويحقُّ لنا أن نقولَ، وبكلِّ صدقٍ: كما نكونُ تكونُ وسائلُ تواصلِنا.

أقولُ ما تسمعونَ…

 


الثانية

 


وبعدُ: أيُّها الأخُ المباركُ، أنتَ لبنةُ المجتمعِ، يصلحُ بصلاحِك، وينصاعُ للحقِّ بانصياعِك.

 


فاتَّقِ اللهَ في تعاملِك مع هذه الوسائلِ، وراقبِ اللهَ فيما تأتي منها وما تذرُ.

 


وإيَّاكَ أن تُشاركَ بكلامٍ لا يُرضي اللهَ، وليس لك فيه حُجَّةٌ بين يديِ اللهِ غدًا.

 


وإيَّاكَ أن تُعيدَ تدويرَ موادَّ فيها أذيَّةٌ للمسلمينَ، أو مجافاةٌ للحقِّ وترويجٌ للباطلِ، سواءٌ شعرتَ أو لم تشعرْ.

 


وإيَّاكَ أن تُشاركَ في جدالاتٍ وخصوماتٍ وخلافاتٍ ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ، فتكونَ بذلك قد خُضتَ مع الخائضينَ، وساهمتَ في تعميقِ أزماتِنا، وتقطيعِ أوصالِنا.

 


ويصدقُ عليك إذًا قولُ شوقي:

 


خطبتَ فكنتَ خَطْبًا لا خطيبًا

           أُضيفَ إلى مصائبِنا العِظامِ

 


واعلمْ أنَّ المرءَ مُحاسَبٌ على ما يجنيه لسانُه وقلمُه، وكلُّ ذلك مكتوبٌ في صحائفِ أعمالِه، وأنَّ اللهَ سائلُه عنه، ولن ينفعَه أن يقولَ: قلتُ ما يقولُ الناسُ.

 


وتذكَّرْ قولَ القائلِ:

 


وما من كاتبٍ إلَّا سيفنى

ويبقى الدهرُ ما كتبتْ يداهُ

 


فلا تكتبْ بكفِّك غيرَ شيءٍ

يسرُّكَ في القيامةِ أن تراهُ

 


وأعظمُ من ذلك موعظةً، وأشدُّ زجرًا لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيدٌ، قولُ الحقِّ سبحانه وتعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].

 


هذا، وصلُّوا وسلِّموا

المرفقات

1778151487_كما نكون تكون وسائل تواصلنا ( وورد).docx

1778151487_كما نكون تكون وسائل تواصلنا ( PDF).pdf

المشاهدات 421 | التعليقات 0