لا تضعْ بيضَ سعادتك في سلة واحدة
د. سلطان بن حباب الجعيد
لا تَضَعْ بَيْضَ سَعَادَتِكَ في سَلَّةٍ واحِدَةٍ
الحمدُ للهِ أَنيسِ العابدينَ، وقُرَّةِ عيونِ الموحِّدينَ، ونورِ قلوبِ المتَّقينَ، وحبيبِ الطائعينَ.
والصلاةُ والسلامُ على وضَّاحِ الجبينِ، ورسولِ ربِّ العالمينَ، مَن كانَ قُربُه من اللهِ أحبَّ إليهِ من قُربِ أقربِ الأقربينَ، صلاةً وسلامًا بعددِ العالمينَ.
وبعدُ أيُّها الناسُ: كونوا من المتَّقينَ، لتفوزوا بدارِ الخالدينَ، عند أرحمِ الراحمينَ. قال تعالى: ﴿وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلمُتَّقينَ﴾ [الزخرف: ٣٥].
أيُّها الإخوةُ الكرامُ: حالةٌ نفسيةٌ، وظاهرةٌ اجتماعيةٌ، يُحِسُّها الواحدُ في نفسِه، ويُلاحظُها في غيرِه؛ وهي مشاعرُ المرارةِ والحُزنِ التي تهبطُ على المرءِ بعدَ انتهاءِ الأوقاتِ السعيدةِ؛ كأوقاتِ الأعيادِ، والإجازاتِ، والمناسباتِ، والسفرياتِ، وما يُصاحِبُه من فِراقِ الأهلِ والأصدقاءِ بعدَ اجتماعِهم وأُنسِهم.
وربما أيضًا – وللأسفِ – اتَّسعَ نطاقُ هذه المراراتِ، ليشملَ بعضَ الأوقاتِ؛ كانتهاءِ أحداثِ مسلسلٍ بعدَ متابعتِه، أو انتهاءِ دورةٍ رياضيةٍ، ومسابقةٍ كرويةٍ، وغيرِ ذلك كثيرٌ من الأوقاتِ والأشياءِ التي يربطُ الناسُ بها أُنسَهم وفرحَهم.
وقَدْرٌ من هذه المشاعرِ طبيعيٌّ، ولا بُدَّ من حصولِه، ولكن إذا زادتْ عن حدِّها، فهنا يجبُ التوقُّفُ وتشخيصُ المرضِ، ووصفُ الدواءِ، وهذا ما نحاولُ فعلَه في عِظةِ هذا الأسبوعِ.
إنَّ السببَ الخطيرَ – أيُّها الإخوةُ – الكامنَ خلفَ مثلِ هذه الحالةِ النفسيةِ، هو أن يَعمدَ الإنسانُ ليختصرَ سعادتَه وأُنسَه في أوقاتٍ بعينِها، فإذا ما انتهتْ، خُيِّلَ إليهِ أنَّ سعادتَه برمَّتِها انتهتْ. فهي عندَه ليستْ مجرَّدَ أوقاتٍ عاديةٍ تمرُّ كغيرِها، بل جعلَها كلَّ حياتِه، التي ينتهي طعمُ الحياةِ بانتهائِها، وعليهِ حتى يسعدَ أن ينتظرَ رجوعَها من جديدٍ.
إنَّ المبالغةَ في ربطِ سعادتِنا بوقتٍ ينتهي وينقضي، له تداعياتٌ خطيرةٌ على مزاجِنا واستقرارِنا النفسيِّ؛ لأنَّ هذا يعني أنَّنا حكمنا بأنَّ سعادتَنا مؤقَّتةٌ.
فحتى نتجنَّبَ مثلَ هذه التداعياتِ، ونعالجَ مثلَ هذه الحالاتِ، فعلينا أن نُوسِّعَ نطاقَ الوقتِ الذي نسعدُ به، ليشملَ الأوقاتَ الطبيعيةَ في حياتِنا، والتي تُشكِّلُ النسبةَ الأكبرَ في أعمارِنا.
فنُعوِّدُ أنفسَنا ونُدرِّبُها على أن نسعدَ بالوقتِ الذي نمضيه في بيوتِنا ومع أولادِنا، ونسعدَ بالوقتِ الذي نمضيه في أعمالِنا، ونسعدَ بالوقتِ الذي نمضيه في ممارسةِ الرياضةِ، ونسعدَ بالوقتِ الذي نمضيه مع أنفسِنا للتأمُّلِ والتفكيرِ، ونسعدَ بالوقتِ الذي نمضيه في الراحةِ، ونسعدَ بالوقتِ الذي ننعمُ فيه بطيِّباتِ ما أحلَّ اللهُ لنا من الطعامِ والشرابِ.
وهكذا يجبُ أن نفعلَ مع كلِّ وقتٍ يمرُّ علينا، وكنا نراه روتينًا عاديًّا وطبيعيًّا؛ علينا أن نحوِّلَه إلى وقتٍ سعيدٍ، ونستمتعَ به، ونُشاهِدَ نعمةَ اللهِ علينا فيه. فكم من إنسانٍ حُرِمَ أسرةً وعملًا يقضي فيهما وقتَه، أو صحةً يُمارسُ بها رياضةً، أو يستمتعُ بها بطعامٍ وشرابٍ وراحةٍ؟!
علينا أن نتعاملَ مع سعادتِنا بكلِّ حصافةٍ وذكاءٍ، تمامًا كما نتعاملُ مع استثماراتِنا؛ فننوِّعُ مصادرَ سعادتِنا، كما ننوِّعُ مصادرَ دخلِنا.
وأن نحذرَ أشدَّ الحذرِ من أن نضعَ بيضَ سعادتِنا في سلَّةٍ واحدةٍ!
أقولُ قولي هذا…
الثانيةُ:
وبعدُ: أيُّها الفضلاءُ الكرامُ، ما سمعتموه من دواءٍ هو أشبهُ بالمُسكِّنِ لهذه الظاهرةِ النفسيةِ المُؤرِّقةِ، أمَّا إذا أردتم العلاجَ الناجعَ الذي يستأصلُ الداءَ من جذورِه؛ فلنجعلْ أُنسَنا وسعادتَنا باللهِ، فمن جعلَ أُنسَه بالدائمِ سبحانهُ دامتْ سعادتُه أبدًا، ليس في الدنيا فقط، بل وفي الآخرةِ. قال تعالى: ﴿المالُ وَالبَنونَ زينَةُ الحَياةِ الدُّنيا وَالباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦].
إنَّ الآنسَ باللهِ والسعيدَ بقربِه هو الذي لا يُزعجُه ولا يُقلقُه انتهاءُ الأوقاتِ التي يأنسُ الناسُ فيها بالناسِ، بل يفرحُ بها؛ لأنَّها هي وقتُ خلوتهِ بربِّه، ولقاءِ حبيبِه.
هو الوقتُ الذي تطمئنُّ نفسُه فيه، ويسكنُ قلبُه، وتقرُّ عينُه.
ولأنَّ نبيَّنا عليهِ الصلاةُ والسلامُ قد جُعلتْ قُرَّةُ عينِه في الوقتِ الذي يتَّصلُ فيه بربِّه، فقد أحبَّه وفضَّلَه على كلِّ وقتٍ، حتى الوقتِ الذي يقضيه مع أحبِّ الناسِ إليه، عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، فما بالُكم بغيرِها.
تقولُ رضيَ اللهُ عنها تحكي حالَه: “لمَّا كانَ ليلةٌ من الليالي قال: (يا عائشةُ ذريني أتعبَّدُ الليلةَ لربِّي). قلتُ: واللهِ إنِّي لأُحبُّ قربَك، وأُحبُّ ما سرَّك. قالت: فقامَ فتطهَّرَ ثم قامَ يُصلِّي. قالت: فلم يزلْ يبكي حتى بلَّ حجرَه. قالت: ثم بكى فلم يزلْ يبكي حتى بلَّ لحيتَه. قالت: ثم بكى فلم يزلْ يبكي حتى بلَّ الأرضَ”. [ابن حبان]
وكلُّ مَن اقتدى به عليهِ الصلاةُ والسلامُ استودعَ من هذا الأُنسِ في صدرِه ما شاءَ اللهُ له أن يستودعَ، فيطردُ به كلَّ أُنسٍ بغيرِ اللهِ.
لذلك كان السلفُ رضيَ اللهُ عنهم يفرحون بالليلِ إذا أقبلَ؛ لأنَّه وقتُ لقاءِ اللهِ.
رُويَ عن أبي سليمانَ الدارانيِّ رحمهُ اللهُ أنَّه قال: “أهلُ الليلِ في ليلِهم ألذُّ من أهلِ اللهوِ في لهوِهم، ولولا الليلُ ما أحببتُ البقاءَ في الدنيا”.
وقال رجلٌ لحممةَ العابدِ: “ما أفضلُ عملِك؟” فقال: “ما أتتني صلاةٌ قطُّ إلا وأنا مستعدٌّ لها ومشتاقٌ إليها، وما انصرفتُ من صلاةٍ قطُّ إلا كنتُ إذا انصرفتُ منها أشوقَ إليها منِّي حيثُ كنتُ فيها”.
اللهمَّ اجعلْ أُنسَنا بك، وفرحَنا بلقائِك، واجعلْ قُرَّةَ أعينِنا في الوقوفِ بين يديكَ، وفي ذِكرِك وشكرِك
المرفقات
1775130524_لا تضع بيض سعادتك في سلة واحدة pdf.pdf
1775130524_لا تضع بيض سعادتك في سلة واحدة ( وورد).docx
المشاهدات 1106 | التعليقات 2
اللهم آمين وإياك وجزاك الله خيراّ
منصور بن هادي
.نفع الله بك يادكتور، وبارك فيك، وفتح عليك
تعديل التعليق