لن تُراعوا

سامي بن محمد العمر
1447/10/15 - 2026/04/03 00:59AM

لن تُراعوا

15/10/1447

 

((لن تُراعوا، لن تُراعوا)) ([1])

بهاتين الجملتين استقبل النبي صلى الله عليه وسلم أهل المدينة وقد فزعوا من صوتٍ سمعوه، فخرجوا جهة الصوت، فتلقاهم صلى الله عليه وسلم - وقد سبقهم إلى الصوت - بهذا التسكين لروعهم، والتهدئة لخوفهم، فقال: ((لن تُراعوا)) وهذا نفي بمعنى النهي([2])؛ أي: لا تفزعوا من كل خطْب، ولا تخافوا من كل حرْب.

{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا} يتألم للذعته، ويجزع لوقعته، ويظنه قد حلّ بلا ارتحال، وأقام بلا زوال، فلا فرج لحاله ولا تغيير، ولا أمل في زواله ولا تبديل.

{إلَّا الْمُصَلِّينَ} الذين لديهم دوام اتصال بمسير الأحداث ومدبر الأحوال، فإن نزلت بهم الخيرات شكروا وحَمَدوا، وعملوا فأحسنوا، وإن نزلت بهم الشرور صبروا وثبتوا، وتابوا وأنابوا؛ لأنهم قد قرؤوا من الوحي فعلموا أن لله في كونه سُنناً ثابتة، وقواعد راسخة؛ حيث جعل للأسباب مسببات، وللآثار مؤثرات، ولكل داء دواء.

وما تسمعونه هذه الأيام من أصوات التصدي للصواريخ والمسيرات، وما يتناقله الناس من أخبار الحروب والضَربات، يستدعي منا معرفة الواجب الشرعي في زمن الفتن والبليات، والمصائب والأزمات:

1-          وأول ذلك أن يفيق المؤمنون من سباتهم ويعودوا للتَّمَسُّكُ بِكِتَابِ ربهم وَسَنَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليتحقق لهم الأمن والنصر والتمكين ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]

2-     وثانيا: العلمُ بأن لوقوع الضرر بالناس أسباباً معنويةً: إذا غيروا وبدلوا، وتمادوا وتمردوا: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}

وتلك الأسباب المعنوية تعالجُ بأضدادها من العلاجات المعنوية: توبةً إلى الله وإنابة، وتوكلاً عليه واستعانة، ولجوءاً إليه واستكانة.

3-     وثالثاً: أن يكون المرء متثبتاً من كل ما يسمع، واثقاً من كل ما يقول، عاقلا في كل ما ينشر، فلا يبث الشائعات، ولا يُهوِّل الأزمة، ولا يخيف الناس ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15].

4-          ورابعاً: أن يردَّ المرء هذه الأمور العظيمة إلى أهلها العالمين بها، فلا يتصدر بين الناس بتحليل أو توجيه أو قراءة للأحداث، ويذيع ذلك بغير هدى وبصيرة، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83].

5-     وخامساً: المسارعة لنبذ التفرق والاختلاف، مع الأخذ بالوحدة والاجتماع مع ولاة الأمر حفظهم الله، قَالَ تَعَالَى {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

6-          وسادساً: أن يفزع المرء عند كل أمرٍ مُفزِع إلى ذكر الله والصلاة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].

وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ‌عند ‌الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم)) ([3]).

وفي رواية الإمام أحمد: كان إذا حزبه – صلى الله عليه وسلم – أمرٌ قال ذلك.

فقارن هذا بما يفعله الناس من الفزع إلى مصادر الأخبار، والسؤال عن نتائج الأحداث، مع كل صوت يسمعونه، والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 173]

فحسبنا الله ونعم الوكيل على كل من أراد بنا سوءا ومكروها

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم....

 

الخطبة الثانية

أما بعد:

فإن لهذه لبلايا وأمثالها فوائدَ وحِكماً:

من أبرزها: تذكيرُ العبد بذنوبه ليتوب منها، وزوالُ قسوة القلوب ليعود لها لينها ورقتها، وانكسارُ النفوس بين يدي خالقها وبارئها، ودوامُ استكانتها لربها وتضرعها؛ مخالفةً لفعل الجاهلين المجرمين ممن قال الله عنهم {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 76].

وإن البلايا لتذكرنا: أن العاصم من كل مكروه، والمنجي من كل محذور؛ واحدٌ لا شريك له، عليه توكلنا وإليه أنبنا؛ فلن يصيبنا إلا ما كتب لنا:

{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ} [الأنعام: 63 - 65]

فمن ضعفت نفسه فقالت: إن الحروب تُفني وتُبيد؛ قلنا له: بل الله يُبدي ويُعيد، فمَن ذا الذي سأل اللهَ فلم يعطه، أو دعا الله فلم يجبه، أو توكل عليه فلم يكفه، أو وثق به فلم ينجه؟

فارفعوا إليه أكف الضراعة، أن يرفع البلاء ويكشف الغمة عن بلادنا وبلاد المسلمين.  

اللهم إنا عبيدك المستغيثون المستجيرون الوجلون المشفقون المقرون بذنوبنا، نسألك مسالة المسكين ونبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وندعوك دعاء الخائف الضرير، دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذل جسده، ورغم لك أنفه.

لا إله إلّا الله العظيم الحليم، لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلّا الله ربّ السّماوات والأرض وربّ العرش الكريم

اللهم ادفع عن بلدنا وبلاد المسلمين الوباء والغلاء والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهمَّ إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّلِ عافيتك، وفجاءةِ نِقْمتِك، وجميعِ سَخَطِك.

اللهم آمنا في أوطاننا ووفق أئمتنا وولاة أمورنا لما تحب وترضى، واحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وانصر جنودنا المرابطين وثبتهم وردهم سالمين غانمين، يا قوي يا عزيز.

 

 



([1]) البخاري (6033) ومسلم (2307).
([2]) عمدة القاري (22/119).
([3]) البخاري (6346) ومسلم (2730).

المرفقات

1775167173_لن تُراعوا.docx

1775167181_لن تُراعوا.pdf

المشاهدات 407 | التعليقات 0