ما أعظم ما يثبت القلوب ؟

ياسر عبدالله الحوري
1447/11/12 - 2026/04/29 23:57PM
           بسم الله الرحمن الرحيم
         ما أعظم ما يثبت القلوب؟
الخطبة الأولى:
الحمد لله مُثبِّتِ القلوب على طاعته، ومُقلِّبِها كيف يشاء بحكمته، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل لعباده أسبابًا يثبتون بها في زمن الفتن، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، دلَّ أمته على كل خير، وحذَّرها من كل شر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن القلوب تتقلب، وأن الفتن تعصف، ولا نجاة للعبد إلا بثباتٍ يثبته الله به.
أيها المؤمنون: فما أعظم مثبتات القلوب؟
إنَّ أساسَ الثَّباتِ عِندَ الشَّدائدِ والِمحَنِ علمُكَ أنّ الثَّباتَ باللهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ الذِي يَهْدِي ويُوَفِّقُ ويُثَبِّتُ قلوبَ المؤمنِينَ، كَمَا أنَّه يخذُلُ ويُضِلُّ ويُزيغُ قلوبَ الظالمِينَ، فإيمانُكَ واعتصامُكَ بِهِ وبِوَحْيِهِ مِفتاحُ الثَّباتِ والسَّدادِ.
قَالَ تَعَالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ‌ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٣-٧٤].
وقَالَ سبحانَهُ: ﴿يُثَبِّتُ ‌اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
كتاب الله هو أعظم ما يثبت القلوب ويربطها على الحق، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كذلك لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]،
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧].
فمن لازم القرآن تلاوةً وتدبرًا وعملًا، ثبّت الله قلبه.
فالله سبحانه وتعالى أنزل كتابه العزيز ليهتدي به الناس ويعتصموا به فهو مصدر القوة والعزة وأساس التمكين والرفعة، فيه الهدى والنور، من آمن به حق الإيمان وصدق به وأخلص التصديق فقد هداه الله وآتاه من فضله وأعانه على كل خير.
من أراد الرفعة والشرف والذكر بين الأمم فعليه بالقرآن ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ [الزخرف:44].
وقال سبحانه: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء:10].
أي: فيه شرفكم فمن أراد الاستخلاف والتمكين في الأرض والغلبة على الأعداء فعليه بالقرآن تلاوة وتدبرا وتحكيما، إنها رفعة في الدنيا والآخرة، فما أعظمها من كرامة!
وهو العلاج الناجح لأمراض القلوب: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57].
إنه موعظة من الله وهل هناك أبلغ من الموعظة القرآنية؟
الطريق إلى الله واضح في القرآن:
فمن أراد السير إلى الله سيراً صحيحاً مأموناً فعليه بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴾ [التكوير: 27-28].
هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلم أصحابه الثبات كيف يكون وقت المحن، عُذِّبَ أَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَمَامَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ، وَيَعِدُهُمْ بِالنَّصْرِ وَالْفَلَاحِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَيْضًا مَا جَاءَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَرَّ بِعَمَّارٍ وَأَهْلِهِ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ، فَقَالَ: أَبْشِرُوا آلَ عَمَّارٍ وَآلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ.
فقصص الأنبياء والصالحين فيها أعظم دروس الثبات عند الابتلاء.
قال تعالى:
﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠].
تأملوا ثبات إبراهيم في النار، وموسى أمام البحر، ويوسف في السجن، ويونس في بطن الحوت… كلها تثبيت للقلوب بأن الفرج قريب.
ومن مثبتات القلوب عند المحن، حسن الظن بالله والرجاء فيه، حسن ظنه بربه أنه لن يخذل أولياءه، ولن يضيعهم، ولن يتركهم، لأنهم مع الله، والله معهم، من وجد الله ماذا فقد؟! ومن فقد الله ماذا وجد؟!، من وجد الله.. وجد كل شيء، ومن فقد الله.. فقد كل شيء.
قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢].
وقال ﷺ: «أنا عند ظن عبدي بي»
(رواه البخاري ومسلم).
عباد الله:
من فوض أمره إلى الله بعد أخذه بالأسباب ثبته الله عز وجل ، من توكل على الله كفاه، وأنزل عليه السكينة والطمأنينة، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ﴾.
وقال ﷺ:
«لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير»
(رواه الترمذي وصححه الألباني).
إيماننا باليوم الآخر، وبأن وعد الله حق، والجنة حق، والنار حق، وما أعده الله للمؤمنين حق، وما أعده الله للكافرين والمجرمين والمنافقين حق، يهوّن علينا المصائب ويعظم الأجر، قال تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧].
إنَّ سَحَرةَ فِرعونَ جَاؤُوا يُحَارِبونَ دينَ اللهِ طالبِينَ المَالَ، فبشَّرهُم فرعونُ ووعدَهُمُ السُّلطةَ والجَاهَ، فَسَالَ لُعَابُهُم، وَدَخَلُوا جَولَةَ البَاطِلِ معتزِّينَ بِفِرعَونَ، فَلَمَّا أَرَاهُمُ اللهُ الحقَّ سَجَدُوا لِرَبِّ العَالمِينَ، فحوَّلَ فرعونُ نعيمَ دُنيَاهُم إلى جَحِيمٍ، فَمَا ثَبَتَوا إلَّا بِإيثَارِهِمُ اللهَ وجنَّاتِ النَّعيمِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ‌إِنَّمَا ‌تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾ [طه: ٧٠-٧٦].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم.....أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد، فإن من أعظم مثبتات القلوب، الصحبة الصالحة، فالصاحب يثبت صاحبه ويعينه على الخير.
قال ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه الألباني).
وأخيرا الدعاء هو سلاح المؤمن ومن أعظم أسباب الثبات، قال تعالى:
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، وكان من دعاء النبي ﷺ: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بهذه المثبتات، فإن القلوب لا تثبت إلا بها، ولا تستقيم إلا عليها.
اللهم ثبت قلوبنا على دينك،
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا،
اللهم ارزقنا حسن الظن بك، والتوكل عليك،
اللهم اجعلنا من الثابتين عند الفتن.
وصلوا وسلموا على نبيكم محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
 
المرفقات

1777496218_ما أعظم ما يثبت القلوب ؟.docx

1777496218_ما أعظم ما يثبت القلوب ؟.pdf

المشاهدات 533 | التعليقات 0