مفاتيح رحمة الله (1)
أمير محمد محمد المدري
الحمد لله لم يزل عليًا، ولم يزل في علاه سميًا، قطرةٌ من بحر جوده تملأ الأرض ريًا، نظرةٌ من عين رضاه تجعل الكافر وليًا، الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدًا حبشيًا، والنار لمن عصاه ولو شريفًا قرشيًا، أنزل على نبيه ومصطفاه قولاً بهيًا: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 63]، وأشهد أن لا إله إلا الله العز كل العز في طاعته، والذل كل الذل في معصيته، سبحانه، غنى كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، من تكلم سمعت نطقه، ومن سكت علمت سره.
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أما بعد:
نعيش وإياكم مع أجمل وأحلى شيء في الحياة، شيء لو دخل في حياتك وبيتك صلحت أمورُك كلها، وعشت أسعد حياة، وأحلى حياة. إنها رحمة الله القائل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
ما المخرج مما نحن فيه؟ ما النجاة من الهموم والمصائب والأزمات؟ إنها رحمة الله، لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه. دخول الجنة التي عرضها السموات والأرض، ليس مقابل طاعاتنا وصلاتنا وقرباتنا؛ فالجنة غالية، إنما يدخل الله تعالى عبادَه السعداء جنتَه برحمته، وبمحض فضله وإحسانه وجوده وكرمه. ففي الحديث الشريف قال ﷺ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» (أخرجه البخاري ومسلم).
من يحمينا من الشيطان ومكائده إلا رحمة الله؟ قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83].
من يحمينا من قرناء السوء واتباع الهوى الذين يحاولون إبعادنا عن الخير والإيمان؟ قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113].
كم نخوض بألسنتنا!! كم نتكلم في أعراض الآخرين! كلماتنا تهلكنا لولا رحمة الله القائل: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 14].
من هدانا؟ من زكّانا؟ من دلنا على الخير وأدخلنا المسجد وأعاننا على طاعته؟ إنها رحمة الله القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 21].
**نعيش وإياكم مع مفاتيح رحمة الله**
المفاتيح رمز للخير والمال ورمز للخزائن، ولقد وصف الله غنى قارون بذكر مفاتيحه، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76]. حتى في المنام من رأى مفاتيح فهي رمز لفتح الأرزاق والخيرات. واليوم سنعيش وإياكم مع المفاتيح؛ لكنها ليست مفاتيح المال والدنيا؛ بل مفاتيح رحمة الله عز وجل. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك يا رب العالمين.
سبحانه رحمته وسعت كل شيء، سبحانه رحمته سبقت غضبه. لا أحد أرحم من الله، فالله أرحم بعباده من عبادهم بأنفسهم. يرى النبي ﷺ امرأة من السبي وهي تحتضن وليدًا ترضعه، فيسأل النبي ﷺ أصحابه: «هَلْ تَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلِيدَهَا فِي النَّارِ؟». فيقولون: لا والله يا رسول الله، فيقول ﷺ: «للهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلِيدِهَا». الله جل وتعالى فتح أبواب رحمته للتائبين، وللعاصين، وللمنحرفين، ما عليهم إلا أن يقبلوا على مولاهم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
قيل لأحد السلف: هل ترضى أن يتحمل أهلك وذويك عنك أوزارك يوم القيامة؟ فأجاب: لا أرضى بذلك. فقيل: ولم؟ قال: لأن الله سيكون يوم القيامة أرحم بي من أبي وأمي وجميع أهلي.
«إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة».
**عباد الله:**
إن رحمة الله لو فتحها سبحانه لأحد من خلقه، فسيجدها في كل شيء، وفي كل موضع، وفي كل حال، وفي كل مكان، وفي كل زمان، فإنه لا ممسك لها، قال تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2].
**أيها المسلمون:**
ما من نعمة من نعم الله يمسك الله عنها رحمته، حتى تنقلب هي بذاتها نقمة، وما من محنة تحفها رحمة الله، حتى تكون هي بذاتها نعمة. ينام الإنسان على الشوك مع رحمة الله فإذا هو مهاد وحرير، وينام على الحرير وقد أمسكت عنه رحمة الله، فإذا هو شوك وعذاب. ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2].
إن الإنسان يواجه أصعب الأمور برحمة الله فإذا هي هوادة ويسر، ويواجه أيسر الأمور وقد تخلت رحمة الله فإذا هي مشقة وعسر، ويخوض المخاوف والأخطار برحمة الله، فإذا هي أمن وسلام، ويعبرها بدون رحمة الله، فإذا هي مهلكة وبوار. إنه لا ضيق مع رحمة الله.
فلنطلبها بفعل أسبابها والأخذ بمفاتيحها. يارب خصّنا برحمتك يا من يختص برحمته من يشاء.
إن المال والولد والصحة والقوة والجاه والسلطان لتصبح مصادر قلق وتعب ونكد إذا أمسكت عنها رحمة الله، فإذا فتح الله أبواب رحمته كان فيها السكن والراحة والسعادة والاطمئنان.
إن رحمة الله من طلبها وجدها، ومن أخذ بمفاتيحها نالها في أي مكان وفي أي حال. وجدها إبراهيم ﷺ في النار، ووجدها يوسف ﷺ في الجب كما وجدها في السجن، ووجدها يونس ﷺ في بطن الحوت في ظلمات ثلاث، ووجدها موسى ﷺ في اليم وهو طفل رضيع مجرّد من كل قوة ومن كل حراسة، ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور فقال بعضهم لبعض: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾، ووجدها رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار، والقوم يتعقبونهم قائلاً: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
ووجدها شيخ الإسلام عندما أُدخل السجن، فالتفت إلى السجناء، وتمثل قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: 13].
إنه ما بين الناس ورحمة الله إلا أن يطلبوها مباشرة منه بلا واسطة، ويعملون بأسبابها ويأخذون بمفاتيحها. وفي كتاب الله علّمنا الله أن نطلب الرحمة، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
بين أيدينا بضعة وعشرون مفتاحًا من مفاتيح الرحمة:
**المفتاح الأول: الإيمان**
إن رحمة الله لا تحصل إلا لمن آمن، الإيمان الحقيقي بجميع أركانه الستة: الإيمان بالله، بملائكته، وبكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. وقال جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الجاثية: 30].
يرى رسول الله ﷺ أحد الأصحاب فيقول له: «كيف أصبحت؟». فيقول: أصبحت مؤمنًا حقًا. فيقول المصطفى: «وما حقيقة إيمانك؟». فيقول: أصبحت أرى عرش ربي بارزًا، وأصبحت أرى أهل الجنة وهم يتزاورون، وأهل النار وهم يتعاوون. فقال: «عَرَفْتَ، فَالْزَمْ» (البزار في مسنده).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.
***
**الخطبة الثانية**
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.
أما بعد:
**المفتاح الثاني: طاعة الله وطاعة رسوله**
عباد الله، إن ما عند الله لا ينال إلا بطاعة الله، ودخول الجنة معلّق بطاعة الحبيب محمد ﷺ القائل: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى». قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (رواه البخاري).
آياتٌ كثيرة في كتاب الله تحثنا على طاعة الله وطاعة رسوله، وقال جل وعلا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: 132]. وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: 56].
**المفتاح الثالث: اتباع الكتاب**
إن اتباع كتاب الله هو الخير كل الخير، قال تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155].
**المفتاح الرابع: اتباع السنة**
والسنة لا يصح اتباع الكتاب إلا باتباعها؛ لأنها شارحة ومبينة للكتاب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157].
ظهر في أمة محمد من ينكر السنة ويقول: يكفينا القرآن. نقول لهؤلاء: أين تذهبون بقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7].
**المفتاح الخامس: رحمة الخلق**
كيف تريد رحمة الله وأنت لا ترحم عباده؟ قال رسول الله ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه أبو داود والترمذي).
إن المؤمن لا يكون مصدر إيذاء أبدًا، وإلا ففي إيمانه نظر. قيل لرسول الله ﷺ: فلانة تقوم الليل وتصوم النهار ولكنها تؤذي جيرانها؟ قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ». من ادعى الإيمان وهو يؤذي الخلق ويفزعهم فهو كاذب، قال ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» (أخرجه البخاري ومسلم).
وأولى الناس برحمتك ولينك وعطفك أقرب الناس بك: أهلك وأولادك. عن أنس رضي الله عنه قال: ((دخلنا مع رسول الله ﷺ على ولده إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعده وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال ابن عوف: وأنت يا رسول الله؟ -كأنه استغرب بكاءه- فقال ﷺ: «الْقَلْبُ يَخْشَعُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبَّنَا، وَإِنَّا لِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (رواه مسلم).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قَبَّلَ رسول الله ﷺ الحسن والحسين وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا قط. فنظر إليه رسول الله ﷺ وقال: «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ؟» وفي رواية: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» (رواه البخاري).
**عباد الله:**
إذا ترحلت الرحمة من المجتمع، انقلب المجتمع إلى مجتمع غاب، يأكل القوي فيه الضعيف، وتداس فيه الحقوق، ويشكو الوالد ولده، وتشكو الزوجة زوجها، والقضايا المتراكمة في المحاكم تشهد بذهاب خلق الرحمة بين الناس. بل لقد أخبرنا الصادق المصدوق، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يَطُوفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا (أي أنها استقت له من البئر، والموق هنا هو الخف) فَغُفِرَ لَهَا» (متفق عليه).
عباد الله: إذا كانت الرحمة بالكلاب تغفر الخطايا للبغايا، فكيف تصنع الرحمة بمن وحّد رب البرايا؟!
**المفتاح السادس: التصالح والأخوة**
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10].
لا صلاح لأحوالنا ولا لاقتصادنا إلا بالأخوة والتصالح. سفينة المجتمع إذا تم خرقها سنغرق جميعًا، فلنوحد صفوفنا، ولا نسمح لأحد يشق صفنا وألفتنا. ولنقدم مصلحة الدين ثم الوطن على كل الفئات والأحزاب والطوائف والأشخاص.
هذا وصلوا - رحمكم الله - على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك فقال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم ارحمنا برحمتك، واغفر لنا برحمتك، واهدنا برحمتك، وعافنا برحمتك، وارزقنا برحمتك. اللهم اجعلنا من الذين تستجيب دعاءهم، وتغفر ذنوبهم، وترحم ضعفهم، وتقيل عثراتهم.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
المرفقات
1777361144_مفاتيح رحمة الله الجزء الاول.doc