مِنْ حِكَمِ وأسرارِ الصَّلاةِ

محمد بن عبدالله التميمي
1447/10/20 - 2026/04/08 20:55PM

 

الخُطْبَةُ الأُولَى

الحمدُ للهِ الذي شَرَعَ لعبادِهِ الصَّلاةَ، وجَعَلَ المُحَافَظَةَ عَلَيْهَا سَبِيْلَ النَّجَاة، حَكَمَ سُبْحَانَهُ بِالفَلَاحِ للمُؤْمُنِينَ المُصَلِّينَ أَهْلِ الخُشُوعِ، المُظْهَرِينَ لَهُ الذُّلَّ والخُضُوع، أحمدُهُ سبحانهُ وأشكرُهُ، وأتوبُ إليهِ وأستغفِرُهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، فَلَا مَعْبُودَ بحقٍّ إَّلا إيَّاه، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، جُعُلِتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي الصَّلاة، وأخْبَرَ أَنَّهُ مَا مِنْ مُصَلٍّ إِلَّا وَهُوَ مَعَ اللهِ فِي مُنَاجَاة، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلَّم تسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:

فيا أيُّها الناسُ اتقوا اللهَ تعالى، فَمَنِ اتقاهُ وقاهُ، ومَن توكَّلَ عليهِ كَفَاهُ، واعلموا عِبادَ اللهِ أنَّ الصَّلاةَ قُرَّةُ عيونِ المُحبِّين، ولذَّةُ أرواحِ المُوحِّدين، وبُستانُ العابدين، ولذَّةُ نفوسِ الخاشعين، قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاةِ».

عبادَ اللهِ المُصلِّين: إنَّ المقصودَ الأعظمَ من الصلاةِ: إقامةُ ذكرِ اللهِ، والمقصودُ مِنْهَا للقلبِ: الخشوعُ لهُ، واستحضارُ مُناجاتِهِ، ولهذا يتنقَّلُ العبدُ في الصلاةِ من قيامٍ إلى ركوعٍ، ومنهُ إلى سجودٍ، ومنهُ إلى رفعٍ، وفي كلِّ رُكنٍ من الحِكَمِ والأسرارِ ما هو من أعظمِ مصالحِ القلبِ والرُّوحِ فبِالخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ يَزِيدُ الإيمانُ، وبِهِ قَدْ علَّقَ اللهُ الفلاحَ ودُخُولَ الجِنَان: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ).

عبادَ اللهِ.. إنَّ الصَّلَاةَ مُشتملةٌ على الحِكَمِ الباهرةِ، والمصالحِ الباطنةِ والظاهرةِ، والمنافعِ المُتَّصلةِ بالقلبِ والرُّوحِ والبدنِ، يُفرِغُ المُصلِّي القلبَ عمَّا سوى اللهِ ويُخلِصُ النيَّةَ، ويَفتتحُ الصلاةَ بكلمةٍ جامعةٍ لِمَعَاني العُبُوديَّةِ، دالَّةٍ على أصولِ الثناءِ وفروعِهِ، مُخرِجَةٍ من القلبِ الالتفاتَ إلى ما سوى الله، إنَّهُ وقوفٌ بين يديْ عظيمٍ جليلٍ، أكبرُ مِنْ كُلِّ شيءٍ، وأجلُّ من كُلِّ شيءٍ، عَنَتْ لهُ الوجوهُ، وخضعتْ لهُ الرِّقابُ.

ثمَّ يأخذُ العبدُ في تسبيحِ اللهِ وحَمدِهِ وذِكرِهِ، تَبارَكَ اسمُهُ وتعالى جَدُّهُ وعظمتُهُ، ثمَّ في الثناءِ عليهِ بأفضلِ ما يُثنَى عليهِ بهِ من حمدِهِ وذِكرِ ربوبيَّتِهِ للعالَمِ وإحسانِهِ إليهم، ورحمتِهِ بهم، ثمَّ سؤالِهِ أفضلَ مسؤولٍ وأجلَّ مطلوبٍ على الإطلاقِ، وهو هدايةُ الصِّرَاطِ المستقيمِ، صِرَاطِ من اختصَّهم بنعمتِهِ بأنْ عَرَّفهم الحَقَّ وجَعَلَهُمْ مُتَّبعينَ لهُ، دونَ صراطِ أُمَّةِ الغضبِ الذين عرَفوا الحقَّ ولم يتَّبعوهُ، وأهلِ الضلالِ الذين ضلُّوا عن معرفتِهِ واتِّباعِهِ، والرَّبُّ تعالى يَسمعُ لكلامِهِ فَيَقولُ: «حمدني عبدي» «أثنى عليَّ عبدي» «مجَّدني عبدي» «هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».

فأيُّ نعيمٍ وقُرَّةِ عينٍ ولذَّةِ قلبٍ وابتهاجٍ وسرورٍ لا يَحصلُ لهُ في هذهِ المُناجاةِ.

ثمَّ يَعودُ إلى تكبيرِ ربِّهِ عزَّ وجلَّ جانِيًا لهُ ظهرَهُ، خُضُوعاً لِعظمتِهِ وتَذَلُّلاً لعزَّتِهِ، واستكانةً لجبروتِهِ، مُسبِّحاً لهُ بذكرِ اسمِهِ العظيمِ.

ثمَّ يَعودُ إلى حالِهِ من القيامِ حامداً لربِّهِ مُثنياً عليهِ بأكملِ محامدِهِ وأجمعِها وأعمِّها، مُثنياً عليهِ بأنَّهُ أهلُ الثناءِ والمجدِ، ومُعترفاً بعبوديَّتِهِ، شاهداً بتوحيدِهِ، وأنَّهُ لا مانعَ لما أعطى، ولا مُعطيَ لما منعَ، وأنَّهُ لا ينفعُ أصحابَ الجَدِّ والمالِ والحظِّ من اللهِ جُدودُهم ولو عظُمَتْ.

ثمَّ يَعودُ إلى تكبيرِهِ ويخرُّ لهُ ساجداً على أشرفِ ما فيهِ وهو الوجهُ، فيُعفِّرُهُ في التُّرابِ ذُلًّا بين يديهِ ومسكنةً وانكساراً، لمن لهُ العزُّ كلُّهُ والعظمةُ كلُّها، وهذا أيسرُ اليسيرِ من حقِّهِ على عبدِهِ، ثمَّ أُمِرَ أن يُسبِّحَ ربَّهُ الأعلى، فيذكُرَ علوَّهُ سبحانهُ في حالِ سُفولِهِ هو، فاللهُ هو الأعلى بكلِّ معنىً من معاني العلوِّ، ولمَّا كان هذا غايةَ ذُلِّ العبدِ وخضوعِهِ وانكسارِهِ كان أقربَ ما يكونُ الرَّبُّ منهُ في هذهِ الحالِ، فأُمِرَ أن يجتهدَ في الدعاءِ لقُربِهِ من القريبِ المُجيبِ.

وشُرِعَ لهُ بين السجودينِ: أنْ يجلسَ جِلسةَ العبيدِ، ويسألَ ربَّهُ أن يغفرَ لهُ ويرحمَهُ ويرزقَهُ ويهديَهُ ويعافيَهُ، وهذهِ الدعواتُ تجمعُ لهُ خيرَ دنياهُ وآخرتِهِ، ويا لِشِبَعِ القلبِ من هذا الغذاءِ، وأخذِهِ نصيباً وافراً من الدواءِ.

ثمَّ لمَّا أَكملَ صلاتَهُ شُرِعَ لهُ أنْ يَقْعُدَ قِعدةَ العَبدِ الذَّلِيلِ المِسْكِينِ لِسَيِّدِهِ، ويُثنيَ عليهِ بأفضلِ التحيَّاتِ، ويُسلِّمَ على من جاءَ بهذا الحظِّ الجزيلِ وما نالتهُ الأُمَّةُ على يديهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، ثمَّ يُسلِّمَ على نفسِهِ وعلى سائرِ عبادِ اللهِ المشاركينَ لهُ في هذهِ العبوديَّةِ، ثمَّ يتشهَّدَ شهادةَ الحقِّ، ثمَّ يَعودَ فيُصلِّي على من علَّمَ الأُمَّةَ هذا الخيرَ ودلَّهم عليهِ، ثمَّ شُرِعَ لهُ أن يسألَ حوائجَهُ ويدعوَ بما أحبَّ ما دامَ بين يدي ربِّهِ مُقبلاً عليهِ، فإذا قضى ذلك أُذِنَ لهُ في الخروجِ منها بالتسليمِ على المشاركينَ لهُ في الصلاةِ.

فتأمَّلْ هذا الترتيبَ العجيبَ، وهذا التنقُّلَ في مراتبِ العبوديَّةِ، كيف ينتقلُ من مقامِ الثناءِ على الرَّبِّ بأحسنِ أوصافِهِ وأسمائِهِ وأكملِ محامدِهِ إلى منزلةِ خضوعِهِ وتذلُّلِهِ لمن لهُ هذا الثناءُ، ويستصحبُ في مقامِ خضوعِهِ ثناءً يُناسبُ ذلك المقامَ ويليقُ بهِ، فيذكُرُ عظمةَ الرَّبِّ في حالِ خضوعِهِ، وعلوَّهُ في حالِ سُفولِهِ.

وكم في هذا من منفعةٍ للقلبِ، وتفريحٍ للنفسِ، وتنشيطٍ للجوارحِ، وتخفيفٍ من أثقالِ الدُّنيا، فجميعُ أعمالِ القلوبِ متحرِّكةٌ في الصلاةِ، زيادةً في الإيمانِ، وقُرباً من اللهِ الواحدِ الديَّانِ، فالصلاةُ من أعظمِ نعمِ اللهِ عليهِ وأفضلِ هداياهُ التي ساقَها إليهِ.

فاللهمَّ أعنَّا على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عبادتِكَ، واجعلنا مُقيمي الصلاةِ ومن ذريَّاتِنا، ربَّنا وتقبَّلْ دعاء. واغْفِرْ لنا وللمُسْلِمِيْنَ أَجْمَعِين.


الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمدُ للهِ أهلِ الحَمدِ ومستحقِّهِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ مِنْ خَلقِهِ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُ اللهِ وأفضلُ رُسُلِهِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ.

أمَّا بعدُ: فيا عبادَ اللهِ، اتقوا اللهَ حقَّ التَّقوى، واعلموا أنَّ الناسَ في صلاتِهم على مراتبَ شتَّى، ومنازلَ متفاوتةٍ، فليسوا فيها سواءً، بل يتفاضلون فيها تفاضلاً عظيماً بحسب ما في قلوبِهم من إقبالٍ وخشوعٍ ومجاهدةٍ.

فمنهم – عبادَ اللهِ – مَن ظلمَ نفسَهُ وفرَّط، فقصَّر في وضوئِها، وتهاونَ في مواقيتِها، وانتقصَ من أركانِها، فهذا قد عرَّض نفسَهُ للعقوبةِ.

ومنهم من حافظَ على ظاهرِها، فأقامَ أركانَها، وضبطَ مواقيتَها، وأحسنَ وضوءَها، غيرَ أنَّهُ غفلَ عن قلبِهِ، فاسترسلَ مع الوساوسِ والأفكارِ، فهذا على خطرٍ عظيمٍ.

ومنهم – رحمكم اللهُ – مَن جَمَعَ بين إقامةِ ظَاهرِها ومُجَاهَدَةِ بَاطنِهِ، فَدَفعَ الوساوسَ، وقاومَ الشيطانَ، وجَاهَدَ نفسَهُ لئلَّا تُسرقَ صلاتُهُ، فهذا في جهادٍ عظيمٍ، وهو على خيرٍ، تُكفَّرُ عنهُ سيئاتُهُ بإذنِ اللهِ.

ومنهم من أقبلَ على صلاتِهِ بقلبِهِ وجوارحِهِ، فأقامَ حقوقَها وحدودَها، واستغرقَ قلبُهُ فيها، لا يكادُ يلتفتُ عنها، ولا يُقصِّرُ في شيءٍ من شأنِها، فهذا ممَّن أثابهُ اللهُ ورفعَ درجتَهُ.

وأمَّا أعلى هذهِ المراتبِ وأجلُّها – عبادَ اللهِ – فمرتبةُ من قامَ إلى صلاتِهِ بقلبٍ حاضرٍ، وخشوعٍ كاملٍ، قد أقبلَ على ربِّهِ، وامتلأ قلبُهُ بمحبتِهِ وتعظيمِهِ، كأنَّهُ يراهُ، فإن لم يكن يراهُ فإنَّ اللهَ يراهُ، فهذا هو المقرَّبُ عند اللهِ، وهذا هو الذي قُرَّتْ عينُهُ بالصلاةِ في الدُّنْيَا، فَتَقَرُّ عينُهُ بقربِ ربِّهِ في الآخرةِ، ومَنْ قَرَّتْ عينُهُ باللهِ قرَّتْ بهِ كلُّ عينٍ، ومن لم تَقَرَّ عينُهُ باللهِ تَعَالَى تقطَّعتْ نفسُهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ.

ثم صَلُّوا وسَلِّمُوا عَلَى خَاتَمِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، الشَّافِعِ المُشَفَّعِ عِنْدَ اللهِ يَومَ لِقَائِه، نَبِيِّكُم مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ صلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَيْهِ، وارضَ عَنْ آلِهِ وأَصْحَابِه، وأَتْبَاعِهِم عَلَى هَدْيِه، وارضَ عنَّا يا ذَا الفَضْلِ والمِنَّة.

المرفقات

1775670925_من حكم وأسرار الصلاة.docx

1775670925_من حكم وأسرار الصلاة.pdf

المشاهدات 320 | التعليقات 0