من مقاصد الحج التزود بالتقوى
ياسر عبدالله الحوري
1447/11/16 - 2026/05/03 14:38PM
بسم الله الرحمن الرحيم
من مقاصد الحج التزود بالتقوى
الحمد لله، وفق العاملين لطاعته، فوجدوا سعيهم مشكورا، وحقق آمال الآملين برحمته، فمنحهم عطاء موفورا، يبسط كرمه على التائبين، فيصبح وزرهم مغفورا، سبحانه من إله؛ مَن قصد غيره ضل، ومن اعتز بغيره ذل.
﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ﴾ [فاطر:45].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له : ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ [الفرقان: 59].
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله للناس كافة : ﴿ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيرا ﴾ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد:
معاشر المسلمين الموحدين، لنقف مع الآيات التي تتحدث عن مقصد عظيم من مقاصد الحج ألا وهو تحقيق تقوى الله والتزود منه؛ "ففي آية الأمر بإتمام الحج والعمرة ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ختم الله الآية بقوله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: 196]، وفي الآية التي بعدها ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ ختمت الآية بقوله سبحانه ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197]، ثم ختم آيات الحج في سورة البقرة بقوله: ﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِـمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: 203]، فتأمل تكرار التقوى في كل آية، وفي المائدة ختم أحكام الصيد بقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: 96]، وافتتح سورة الحج بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1]، ولما بدأ بالحديث عن الحج تكرر ذكر التقوى ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: 37] (د. ناصر العمر)".
معاشر المسلمين:
إن الرفعة والكرامة عند الله للتقي، قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ (الحجرات: 13).
فالوزن والقيمة عند الله بالتقوى، وبقدر ما في القلوب منها يكون وزنه وقيمته في ميزان ربه، فعن سهل بن سعد، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه رجل فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع، قال ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(هذا خير من ملء الأرض مثل هذا ) رواه البخاري. وقد قال صلى الله عليه وسلم وقد سُئل فقيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال ( أتقاهم ). متفق عليه.
المتقون هم أولياء الله وأحبابه، وهو معهم، ويحيطهم سبحانه بحفظه، ويؤيدهم بقوته ونصره ومدده وحسن العاقبة قال سبحانه وتعالى: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ واتقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ (آل عمران:76)، وقال سبحانه: ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ*الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ (يونس:63)
فيا لها من سعادة لمن حقق تقوى الله، قد يسأل سائل ما هي صفاتهم وسماتهم حتى نتصف بصفاتهم لنفوز بهذه الجوائز العظيمة في الدنيا في الآخرة؟
إن من أبرز سمات المتقين تعظيمهم لشعائر الله سبحانه وتعالى وقيامهم بما فرضه عليهم أحسن قيام، واجتنابهم ما نهاهم عنه من المحرمات والآثام؛ ولهذا تجد الكثير من السلف قد وصف المتقين بأدائهم الفرائض واجتنابهم المحرمات، قال الحسن – رحمه الله -: ( المتقون اتقوا ما حُرم عليهم، وأدوا ما افتُرض عليهم).
وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - : ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رُزق بعد ذلك خيراً، فهو خير إلى خير) جامع العلوم والحكم، لابن رجب.
فخير الزاد زاد التقوى، وخير اللباس هو لباس التقوى.
﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التقوى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى..... تقلب عرياناً وإن كان كاسياً
وخير لباس المرء طاعة ربه..... ولا خير فيمن كان لله عاصياً
عباد الله، فالمتقون مع حرصهم على حفظ حدود ربهم وحقوقه، قد يقع منهم التقصير ويحصل منهم التفريط، لكنهم إذا اقترفوا الذنب تذكروا، وإذا تذكروا أبصروا فسارعوا إلى التوبة، فهم سرعان ما يعودون إلى الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [ آل عمران:135].
المتقون يبذلون النفس والنفيس والغالي والرخيص في سبيل الله ونصرة دينه، ومع هذا البذل والعطاء تجد الصدق والثبات في البأساء والضراء إنهم ليسوا كمن يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه. رسخت التقوى في قلوبهم فثبتت أقدامهم على الطريق رغم المحن والابتلاءات.
قال الله تعالى في وصفهم: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم... قلت ما سمعتم واستغفروا الله لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
"علي – رضي الله عنه – يصف المتقين فيقول:
(هم أهل الفضائل.. منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، لا يرضون من أعمالهم بالقليل، ولا يستكثرون الكثير.. فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون...(توجيهات وذكرى من خطب المسجد الحرام للدكتور صالح بن حميد)".
روي عن الإمام الشافعي أنه قال:
تزود من التقوى فإنك لا تدري ... إذا جن ليل هل تعيشُ الى الفجر
فكم من عروس زينوها لزوجها ... وقد قبضت ارواحهم ليلة القدر
وكم من صغار يُرتجى طولُ عُمرِهم ... وقد أدخلت أرواحهم ظلمة القبر
وكم من صحيح مات من غير علة ... وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا ... وقد نسجت اكفانه وهو لا يدري
وكم ساكنٍ عند الصباح بقصره ... وعند المساء قد كان من ساكن القبر
فداوم على تقوى الاله فإنها ... أمان من الأهوال في موقف الحشر
تزود من التقوى فإنك لا تدري ... إذا جن ليل هل تعيش الى الفجر
وقال آخر:
تزود من التقوى فإنك راحل ... وسارع إلى الخيرات فيمن يُسارع
فما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بُد يوماً أن تُرد الودائع
"والواجب على مَن أكرمه الله بالحجِّ أن يستفيدَ من حجِّه تقوى الله، وأن يتزوَّد فيه بزادها المبارك، وأن ينهل من معينها العذب، وأن يتقي الله بصيانة حجِّه عن الرَّفث والفسوق والجدال، وأن يتقي الله بحفظ وقته عن كلِّ إسفاف، وأن يشغلَه بذكر الله والنافع من القول، وأن يتقي الله بالحرص على اتِّباع السنَّة ولزوم هدي خير الأمَّة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبالحذر من البدع والأهواء، وأن يتقي الله في مراعاة جميع أعمال الحجِّ من ركن وواجب ومستحبٍّ دون تساهل أو إهمال، وأن يتقي الله بالتفقُّه في دينه والإتيان بعبادته على بصيرة، وأن يتقي الله في إخوانه المسلمين من الحُجَّاج وغيرهم، وأن يكون عوناً لهم على كلِّ خير يلقاهم بطلاقة وجهٍ وصفاء قلب وحسن الحديث، ويتقي الله بتوقير الكبير ورحمة الصغير وتعليم الجاهل وإرشاد الضال، وأن يتقي الله بحفظ لسانه وغضِّ بصره وكفِّ يده، وأن يتقي الله باجتناب الغشِّ والكذب والشُّحِّ والسبِّ والبذاء وسوء الظنِّ. (د. عبد الرزاق البدر)".
الدعاء .....
نَفحُ الجُوري في خُطَبِ الحُوري
المرفقات
1777808275_من مقاصد الحج التزود بالتقوى.docx
1777808283_من مقاصد الحج التزود بالتقوى.pdf