نعمة الأمن والأمان

د أحمد بن حمد البوعلي
1447/11/02 - 2026/04/19 06:43AM

نعمة الأمن والأمان

خطبة الجمعة: 22 / 10 / 1446هـ جامع الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني - رحمه الله

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل الأمن قوام الحياة، والسكينةطمأنينة للقلوب والجباه، نحمده سبحانه على نِعمٍتوالت، وآلاءٍ عظمت، ونشهد أن لا إله إلا الله وحدهلا شريك له، جعل الأمان قرين الإيمان، وشرع منالأحكام ما يحفظ النفوس والأوطان، ونشهد أننبينا محمداً عبد الله ورسوله، القائل: "مَنْ أَصْبَحَمِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ.."، صلى الله عليه وعلى آلهوصحبه أولي النهى والفضل والإحسان.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الأمن من أجلِّ النعم التي امتنَّ الله بها على عباده، به تستقيم الحياة، وتُصان الدماء، وتُحفظ الأعراض، وتُؤدى العبادات في طمأنينة وسكينة. وقد امتنَّ الله على قريش فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أيها المسلمون، إن ما تنعم به المملكة العربية السعودية من أمنٍ واستقرار، لهو نعمة عظيمة تستوجب الشكر، وذلك بفضل الله أولًا، ثم بما قامت عليه هذه البلاد من تحكيم شريعة الإسلام، ورعاية مصالح العباد، والسهر على حماية الدين والنفس والمال.

وإن من شكر هذه النعمة: المحافظة عليها، والسمع والطاعة في المعروف، ونبذ الفتن، والحذر من كل ما يخلّ بالأمن، من قولٍ أو فعل، أو نشرٍ للشائعات، فإن الشائعات تُفسد القلوب وتزعزع الاستقرار.

عباد الله، إن الأمن لا يدوم إلا بطاعة الله، واجتناب معاصيه، والتعاون على البر والتقوى، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ… وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾.

 

أيها المسلمون:

ننظر اليوم إلى ما حولنا من أحداثٍ مضطربة،وصراعاتٍ متسارعة، وحروبٍ مشتعلة في مناطقمتعددة من العالم، تتداخل فيها القوى، وتتصادمفيها المصالح، وتُزهق بسببها الأرواح، وتُدمّر فيهاالأوطان، ومع كل هذا، نعيش في هذه البلادالمباركة – المملكة العربية السعودية – في أمنٍواستقرار، واجتماع كلمة، وطمأنينة نفس.

إنها نعمة عظيمة تستحق الوقوف والتأمل، بلتستوجب الشكر الدائم، فكم من بلادٍ فقدت أمنهافأصبحت ساحات نزاع، وكم من شعوبٍ تفرّقتبعد اجتماع، وكم من أسرٍ شُتّتت بعد استقرار. ونحن – بحمد الله – نعيش في وطنٍ تُقام فيهالشعائر، وتُحفظ فيه الحقوق، وتُصان فيهالكرامات، ننام فيه آمنين، ونصبح فيه مطمئنين،نجتمع في أفراحنا، وتُقام أعمالنا في أجواءٍ منالاستقرار والثقة.

عباد الله:

إن ما ننعم به من أمنٍ وأمانٍ، هو ثمرةٌ لأصولٍراسخة؛ في مقدمتها الإيمان بالله، وصحةالعقيدة؛ ففي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُواإِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [1]. والاعتصام بحبله المتين، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوابِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [2].

وما يتبع ذلك من أعمالٍ صالحة تُشيع التكافل؛فالعمل الصالح ركيزة أساسية لتحقيق الأمن، إذيعزز التكافل الاجتماعي، وينشر المحبة، وهوسبب في استخلاف الله للمؤمنين، يقول تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِلَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ... وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِخَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [3].

تذكّروا أن الأمن أمانة في أعناقنا جميعًا، لا يختص به فرد دون آخر، بل كلٌّ منا مسؤولٌ عنه بحسب موقعه؛ في بيته، وفي عمله، وفي مجتمعه. فحافظوا على هذه النعمة العظيمة، وكونوا عونًا على تثبيتها، لا سببًا في زعزعتها.

اللهم إنا نسألك أمنًا في الأوطان، وطمأنينةً في القلوب، وصلاحًا في الدين والدنيا، اللهم أدم علينا نعمة الأمن والإيمان، واجعلنا من الشاكرين الذاكرين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذيناصطفى، أما بعد:

أيها الإخوة: إن للأعمال الصالحة أثراً عميقاًفي حفظ أمن المجتمعات، فهي تحقق الأمنالنفسي عبر التراحم، وتعزز الاستقرار العام لأنالطاعة تزكي النفوس وتنهى عن الفحشاء، قالتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَمُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [4]. كما أن الأعمالالصالحة درع أمام الفتن، كما جاء في الحديث: "بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ" [5].

دور الفرد في حماية الأمن

واعلموا رحمكم الله، أن الأمن ليس مسؤولية جهةبمفردها، بل هو عقدٌ اجتماعي وشرعي يشتركفيه كل فرد منا. إن دوركم في الحفاظ على هذاالأمن يتمثل في كنّ الألسن عن الشائعات التيتفت في عضد المجتمع، وفي تربية الأبناء علىالوسطية والاعتدال بعيداً عن الغلو والجفاء، وفيأن يكون كل واحد منا "رجل أمن" في موقعه؛يحمي مقدرات وطنه، ويصون كرامة جيرانه،ويقف سداً منيعاً أمام كل من يحاول عبثاًالمساس بوحدة هذا الصف.

إن ما نعيشه اليوم هو ثمرة قيادة حكيمة، وولاةأمرٍ جعلوا حفظ الدين وخدمة المواطن في مقدمةأولوياتهم، فاجتمع لنا صدق التوحيد، وقوةالقيادة، وتكاتف المجتمع؛ فكانت النتيجة أمنًايُغبط عليه.

أيها المسلمون: إن المتأمل في أحوال كثير من البلدان التي فقدت الأمن، يرى كيف تعطلت فيها المصالح، وانتشر فيها الخوف، وضاعت فيها الحقوق، وذلك يبين لنا عِظَم ما نحن فيه من نعمة ينبغي أن تُقابل بالشكر لا بالجحود، وبالحفظ لا بالإهمال.

عباد الله، إن من أعظم أسباب دوام الأمن:
التمسك بطاعة الله، ولزوم جماعة المسلمين، واجتناب الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحذر من دعاة الفوضى والانحراف، فإنهم يلبسون الحق بالباطل، ويزينون الفساد باسم الحرية أو الإصلاح.

ومن ذلك أيضًا: حفظ اللسان، وعدم نشر الشائعات، خاصة في هذا الزمن الذي تنتشر فيه الأخبار بسرعة عبر وسائل التواصل، فكم من كلمةٍ أفسدت أمنًا، وأشعلت فتنة، والله يقول:
﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.

أيها الأحبة، إن شكر نعمة الأمن يكون بالقلب اعترافًا، وباللسان حمدًا، وبالجوارح عملًا صالحًا، وذلك بالمحافظة على الدين، وخدمة الوطن، والقيام بالمسؤوليات، والتعاون مع ولاة الأمر في كل ما فيه صلاح البلاد والعباد وبالحذرمن الفتن. واعلموا أن الأمن لا يدوم إلا بالشكر،قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [6].

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيّد بالحق إمامنا ووليَّ أمرنا، اللهم من أراد بلادنا وبلاد المسلمين بسوء فاشغله بنفسه، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه.
اللهم وفّق خادم الحرمين الشريفين ووليَّ عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد، واجعلهم مفاتيح للخير مغاليق للشر.

وصلّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش:

[1] سورة الأنعام، الآية: 82.

[2] سورة آل عمران، الآية: 103.

[3] سورة النور، الآية: 55.

[4] سورة النحل، الآية: 97.

[5] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهرالفتن، رقم (118).

[6] سورة إبراهيم، الآية: 7.

المشاهدات 172 | التعليقات 0