هنيئا لمن اهتم بخير الأعمال

ياسر عبدالله الحوري
1447/11/28 - 2026/05/15 02:34AM
       بسم الله الرحمن الرحيم
         هنيئا لمن اهتم بخير الأعمال
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ربي لا شريك له شهادةً نعيش في ظلها، ونحيا من أجلها، ونلقى الله تبارك وتعالى عليها.
سأل موسى ربه فقال: يا رب علمني دعاءً أدعوك به وأذكرك به، قال: «يا موسى قل: لا إله إلا الله»، قال: يا رب إن العباد كلهم يقولون: لا إله إلا الله، فأريد دعاءً أذكرك به وأختص به، قال: «يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة؛ مالت بهن لا إله إلا الله».
[رواه ابن حبان والحاكم، وصححه الألباني].
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الدجى بكماله، وأنار الكون بجماله، حسنت جميع خصاله، صلوا عليه وآله.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة.
[رواه مسلم].
أجارني الله وإياكم من البدع والضلالات، آمين اللهم آمين.
أما بعد، فيا أيها الأحبة الكرام في الله، أحد السلف أقرع وأبرص وأعمى ومشلول اليدين والرجلين، يمر عليه رجل وإذا به يتمتم كلمات ويقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيراً من خلقه.
وهذا الدعاء وهذا الذكر لا يقوله إلا إذا رأى الإنسان رجلاً مبتلى، يقوله: «الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً». رواه الترمذي
فهذا رجل مبتلى بكل أنواع الأمراض، موجودة فيه كل أنواع المرض، ويقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيراً من خلقه.
فقال له رجل مر بجانبه: يا هذا أسألك بالله، ممَّ عافاك الله وأنت أقرع وأبرص وأعمى العينين ومشلول اليدين والرجلين؟ ممَّ عافاك الله؟
فاسمعوا إلى الجواب، قال: الحمد لله الذي جعل لي لساناً ذاكراً، وقلباً خاشعاً، وبدناً على البلاء صابراً.
[أثر مشهور عن بعض السلف].
نحن في صحة وعافية لكن لا نذكر ربنا إلا قليلاً، كثير من الناس في صحة وعافية لكنهم لا يذكرون الله كثيراً، كثير من الناس في صحة وعافية، لكن قلوبهم لا تخشع، لكن أعينهم لا تدمع من خشية الله.
ولهذا إخوة الإيمان قال: الحمد لله الذي جعل لي لساناً ذاكراً.
ما أحوجنا معاشر المسلمين إلى أن نتصف بخير الأعمال، فالنبي ﷺ يقول: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا».
[رواه مسلم].
فمن خير الأعمال ومن أفضلها وأزكاها ومن أرفعها عند الله كثرة ذكر الله عز وجل، فالنبي ﷺ يقول في الحديث الصحيح من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه:
«ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى، قال: «ذكر الله».
[رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني].
بل في حديث بشير بن بسر رضي الله عنه عن النبي ﷺ أن رجلاً قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأمرني بشيء أتشبث به، قال: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله».
[رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني].
فخير الأعمال وأفضلها وأزكاها ذكر الله، كيف لا إخوة الإيمان وما شرعت هذه العبادات إلا لإقامة ذكر الله؟
ألم يقل الله لنبيه موسى عليه السلام: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].
ما شرعت العبادات إلا لإقامة ذكر الله، وما أمر الله عز وجل بالمسارعة لأداء صلاة الجمعة إلا لإقامة ذكر الله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].
وما أذن الله عز وجل لبيوته أن ترفع إلا لإقامة ذكر الله:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36].
ولذا فأفضل وخير الأعمال هو ذكر الله جل جلاله.
ولهذا إخوة الإيمان، هناك ست ثمرات لمن أكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، عدوها معي، يقول الله عز وجل وهو ينادي المؤمنين:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42].
ست ثمرات لمن أكثر من ذكره:
أولها: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: 43].
الله يصلي عليك يا ابن آدم، يا من أكثرت من ذكر الله، يصلي عليك الله، والصلاة من الله عز وجل لعباده رحمة.
﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: 43].
والصلاة من الملائكة لعباد الله المؤمنين الذاكرين دعاء واستغفار، فإذا أردت أخي المسلم أن تستغفر لك الملائكة وأن تدعو لك الملائكة فأكثر من ذكر الله سبحانه.
﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: 43].
الجائزة الثالثة: إذا أكثرت من ذكر الله أخرجك الله عز وجل من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل إلى نور العلم، من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة.
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43].
ثم قال سبحانه على أنهم يوم القيامة يستقبلون استقبالاً عظيماً:
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: 44].
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 44].
هذه ست ثمرات عظيمة لمن أكثر من ذكره في سورة الأحزاب.
بل إخوة الإيمان ذكر الله عز وجل في سورة الأحزاب عشر أعمال، عشر أعمال يتقرب بها المسلم إلى الله، وهي درجات القرب من الله، من أهمها الإكثار من ذكر الله، قال سبحانه:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].
كيف لا والله عز وجل يقول في الحديث القدسي:
«أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة».
[رواه البخاري ومسلم].
هذه الثمرات العظيمة كلها لمن أكثر من ذكر الله سبحانه.
أسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلني وإياكم من الذاكرين الله كثيراً.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ربي لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
إخوة الإيمان، الله عز وجل حذرنا من الغفلة عن ذكره، وحذرنا من الانشغال عن ذكره حتى ولو كان الانشغال بالأولاد، فالله عز وجل قد حذرنا من الانشغال بالمال وبالأولاد وبالدنيا عن ذكره، ولو انشغلنا بالمال والأولاد عن ذكره لصرنا من الخاسرين والعياذ بالله في الآخرة، فهي خسارة ما بعدها خسارة، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: 15].
وحذرنا عز وجل من الانشغال بالمال والأولاد عن ذكره سبحانه، وإذا انشغلنا لا سمح الله قد نكون من الخاسرين يوم القيامة، ولهذا قال سبحانه في أواخر سورة المنافقون:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 9].
وذكر الله هنا قال كثير من المفسرين: الصلاة؛ لأن ما شرعت الصلاة إلا لإقامة ذكر الله، وقد قال الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ۝ وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [المنافقون: 9-10].
ولهذا يتبادر في الذهن أن الإنفاق فقط لا يكون إلا بالمال، الإنفاق يكون حتى بذكر الله عز وجل.
ألم يقل النبي ﷺ عندما جاء أناس إليه فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور -يعني أصحاب الأموال- بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، قال: «أوليس الله قد جعل لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة…»..رواه مسلم
هنا قال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: 10].
فأي شيء رزقك الله أنفق به من قبل أن يأتيك العذاب.
﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ۝ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: 10-11].
فنحن في صحة وعافية، فلنكثر من ذكر الله، فلنواظب على فرائض الله عز وجل قبل أن نتمنى في سكرات الموت أن نعود إلى الدنيا لنكون من الصالحين، لنكون من الذاكرين.
أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى.
اللهم أصلحنا وأصلح شباب المسلمين، اللهم أصلحنا وأصلح نساء المسلمين، اللهم أصلحنا وأصلح بنات المسلمين، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم آت نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها يا رب العالمين.
اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً يا رب العالمين.
اللهم كن للمستضعفين في كل مكان، اللهم للمظلومين في كل مكان، اللهم للمضطهدين في كل مكان، اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان.
اللهم إنا نسألك رحمة تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتوحد بها صفنا، وتؤاخي بها فيما بيننا.
اللهم يا عزيز يا جبار يا قوي يا قهار، اللهم عليك بالمتآمرين على الإسلام والمسلمين بالليل والنهار، اللهم عليك بالمتآمرين على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى والمنافقين، اللهم شتت شملهم، اللهم فرق جمعهم، اللهم جمد الدماء في عروقهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا من أنت على كل شيء قدير.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
عباد الله، صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين، حيث أمركم فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً عدد ما أحاط به علمك، وخط به قلمك، وأحصاه كتابك.
وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
وأقم الصلاة.
نَفحُ الجُوري في خُطَبِ الحُوري
 
المرفقات

1778801671_هنيئا لمن اهتم بخير الأعمال.docx

1778801672_هنيئا لمن اهتم بخير الأعمال.pdf

المشاهدات 656 | التعليقات 0