وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ عِلَّةٌ وَزَلَّةٌ (تعميم)
يوسف العوض
الْخُطْبَةُ الْأُولَى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
عِبَادَ اللَّهِ : إنَّ مِنْ فِقْهِ الْعَصْرِ فِقْهَ التَّعَامُلِ مَعَ الْوَسَائِلِ الْمُسْتَحْدَثَةِ، الَّتِي أَصْبَحَتْ تُشَكِّلُ الْوَعْيَ، وَتُوَجِّهُ الرَّأْيَ، وَتُؤَثِّرُ فِي الدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ وَتِقْنِيَّاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ تَدْخُلُ فِي بَابِ "الْوَسَائِلِ"، وَالْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ تَقُولُ: الْوَسَائِلُ لَهَا أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ؛ فَمَا أَدَّى إِلَى خَيْرٍ فَهُوَ خَيْرٌ، وَمَا أَدَّى إِلَى شَرٍّ فَهُوَ شَرّ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ فِي التِّقْنِيَّةِ ذَاتِهَا، بَلْ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْجِيهِهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مَا يُنْشِئُهُ الْإِنْسَانُ فِي الْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ لَيْسَ عَابِرًا، بَلْ هُوَ أَثَرٌ بَاقٍ، يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
فَالْمَقَاطِعُ، وَالتَّعْلِيقَاتُ، وَالْمُشَارَكَاتُ كُلُّهَا آثَارٌ مُسَجَّلَةٌ، لَهَا تَبِعَاتُهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنَ الِانْحِرَافِ الْمُنْتَشِرِ الِانْدِفَاعُ فِي النَّشْرِ دُونَ تَحْقِيقٍ، وَتَلَقِّي الْمَعْلُومَاتِ دُونَ نَقْدٍ ، وَالْمُؤْمِنُ لَيْسَ سَاذَجًا رَقْمِيًّا، بَلْ هُوَ نَاقِدٌ، مُتَثَبِّتٌ، يَزِنُ الْمَعْلُومَةَ قَبْلَ أَنْ يُسَاهِمَ فِي تَدَاوُلِهَا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي زَمَانِ تَضَخُّمِ الْمُحْتَوَى.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا أَفْرَزَتْهُ التِّقْنِيَّاتُ الْحَدِيثَةُ صُنْعُ الْوَهْمِ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ ، فَالْمَشَاهِدُ الْمُرَكَّبَةُ، وَالْأَصْوَاتُ الْمُقَلَّدَةُ، وَالْهُوِيَّاتُ الْمُنْتَحَلَةُ، كُلُّهَا تُؤَدِّي إِلَى تَشْوِيشِ الْحَقِّ وَإِرْبَاكِ الْوَعْيِ ، وَهَذَا يَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ الْكَذِبِ، وَالزُّورِ، وَالْغِشِّ، وَتَزْيِيفِ الْوَاقِعِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ حِفْظُ الْعِرْضِ، وَفِي الْعَالَمِ الرَّقْمِيِّ يَتَّسِعُ الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِ ، فَنَشْرُ الصُّوَرِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، أَوِ التَّشْهِيرُ، أَوِ التَّنَقُّصُ، كُلُّهُ اعْتِدَاءٌ مُحَرَّمٌ، وَإِثْمٌ مُتَعَدٍّ.
لَيْسَ الْمَطْلُوبُ تَرْكَ هَذِهِ الْوَسَائِلِ، بَلْ تَحْوِيلُهَا إِلَى مَجَالٍ لِلْخَيْرِ ونَشْرِ الْعِلْمِ، والدَّعْوَةِ، والنَّصِيحَةِ، وَخِدْمَةِ النَّاسِ.



الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَالظُّلْمُ ظُلْمٌ، سَوَاءٌ وَقَعَ مُبَاشَرَةً أَوْ رَقْمِيًّا إِنَّ أَعْظَمَ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يَسْتَسْهِـلَ الذَّنْبَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ خَلْفَ شَاشَةٍ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الذَّنْبَ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْوَسِيلَةِ ، فَالْكَذِبُ كَذِبٌ، سَوَاءٌ قِيلَ بِاللِّسَانِ أَوْ كُتِبَ بِالْأَزْرَارِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي مَا تَكْتُبُونَ، وَفِي مَا تُشَارِكُونَ، وَفِي مَا تُسَاهِمُونَ فِي نَشْرِهِ ، وَاجْعَلُوا لِأَنْفُسِكُمْ قَاعِدَةً (لَا أَنْشُرُ حَتَّى أَعْلَمَ، وَلَا أُسَاهِمُ حَتَّى أَتَأَكَّدَ، وَلَا أَتَكَلَّمُ إِلَّا بِمَا يَرْضِي اللَّهَ).
المرفقات
1777982658_وسائل.docx