وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

عبدالرحمن اللهيبي
1447/07/13 - 2026/01/02 03:54AM
من جميل المنقول
 
 

الحمد لله فاطرِ السموات والأرض، خلَق فسوَّى، وقدَّر فهَدَى، أحمده -سبحانه- وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد ألَّا إلهَ إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلواتُ ربي وسلامُه عليه، وعلى آل بيته الطيِّبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامينِ، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 أما بعدُ: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله، في سِرِّنا وجَهرِنا، وفِعلِنا وقَولِنا، ((إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ(

عبادَ اللهِ : إن من أعظم سمات المسلم كف الأذى عن الآخرين، فإنَّ من حق المسلم على أخيه أن يكون سِلْمًا له كافا للأذى عنه.

 وكف الأذى – يا عباد الله- هو أن يترك المرءُ كلَّ قول أو عمل من شأنه أن يُلحِق ضررًا وأذى بأخيه المسلم، سواء كان الضرر والأذى حسيًّا وجسديا أو كان الضرر والأذى معنويًّا ونفسيا ..

عباد الله: وإنَّه لا يمتهن الأذى إلَّا أرباب النفوس الدنيئة اللئيمة ؛ ولو أنَّ كل واحد منا استحضَر ألم الأذى الذي يُلحقِه بالآخَرِين، بنفس الأذى الذي يلقاه هو من الآخَرين لكان له ذلك رادعا إن كان له زاجر من مروءة دين

 قال ﷺ " والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ " ، فإذا كنت لا تحب أن يؤذيك الآخرون فلماذا تسمح لنفسك أن تمارس عليهم ما لا تحبه أنت منهم .. أليس هذا وقاحة منك ولؤم وأنانية وسوء طبع وخبث نفس

ألَا والله ويلٌ ثم ويل لمن مُلئت صحائفه بأذية الآخرين وجَرح مشاعرهم، والإساءة إليهم، فيؤذي هذا بلسانه ويؤذي هذا بسخريته ، ويؤذي ذلك بلمزه وهمزه ، ويؤذي آخر بكلمة نابية أو بمزاح سمج أو برسالة عبر الجوال جارحة ، أو يؤذي الآخرين بالشكاوى الكيدية والوشايات الكاذبة ، أو يؤذي الناس بالكذب عليهم وتشويه سمعتهم ، ويلٌ له، ثم ويلٌ له، فيوم التغابن ستُشهر صحيفةُ إفلاس أرباب الطباع المؤذية ؛ قال ﷺ أتَدْرُون ما المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِسُ فِينا مَن لا دِرهمَ له ولا مَتاعَ، فقال: إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يوْمَ القيامةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَك دَمَ هذا، وضَرَب هذا، فيُعْطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإنْ فَنِيَت حَسَناتُه قبْلَ أنْ يُقْضى ما عليه، أُخِذَ مِن خَطاياهم فطُرِحَت عليه، ثمَّ طُرِحَ في النَّارِ

عباد الله: إنَّه والله لَمِنَ الدين والعقلِ والرشد وحسن الخلق أن يكف المرءُ لسانه عن كل ما يؤذي به غيرَه، وما يجرح به مشاعره، أو ما يدخل به على أخيه من الهم والضيق والألم ، قال ﷺ : المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" ، فتأملوا كيف قدَّم النبي ﷺ اللسانَ في الحديث على اليد مع أن اليد أقوى إيلاما على الجسد؛ وذلك لأن جرح اللسان له ألم معنويٌّ ونفسيٌّ يطول أمده ويعظم على المرء كمده بينما جرح اليد سريعٌ برؤه

واعلم أيها المسلم أن بعض الناس رقيق النفس لطيف المشاعر قد تؤلمه أدنى كلمة جارحة ولو صدرت من مزاح غير مقصود وقد يغتم لها أياما .. وربما دعا ربه عليك في جنح الظلام ثم لا تفلح بعدها أبدا ، فكن عف اللسان لطيف الكلام شديد الحذر مما يؤذي الآخرين

فيا فوزَ رجل كف عن الناس أذاه ، لم يؤذِ أحدا يوما ، ولم يجرح أحدا، ولم يقع منه سوء إلى مسلم أبدا ، بل يجبر الخواطر ، وينتقي أطيب الكلمات لإخوانه كما ينتقي أطايب الثمر ، مهتديا بقوله تعالى: ((وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ))

 ويا خيبةَ رجل انفضَّ الناسُ من حوله، نفرة منه، وبغضا له، واتقاء لقبح كلماته

قال ﷺ) : إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ  ( رواه البخاري.

 فإذا رأيت الناس يتقونك حذرا من سطوة لسانك وقبح كلماتك ، فلا تفرح بذلك ظنا أن هذا قوة في شخصيتك ، كلا بل قد تكون أنت بهذا الخلق من شرار الناس عند الله منزلة يوم القيامة ، فليس كل من يتقيك بخائف منك ، بل ربما لأن أخلاقه ومروءته تأبى عليه النزول لمستوى قبح ألفاظك ، فهذا رسول الله ﷺ كان يداري بعض الناس ليس خوفا منهم وحاشاه، فهو أشجع الناس ، بل كان يفعل ذلك اتقاء شرهم وخبث طباعهم

فلا تفرح بلسان مؤذٍ سليط ، فإنه قد يلقي بك في النار يوم القيامة ، قال رجلٌ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن كَثرةِ صَلاتِها وصَدقَتِها وصيامِها، غيرَ أنَّها تُؤذي جيرانَها بِلِسانِها؟ قال: هيَ في النَّارِ، ثم قال: يا رَسولَ اللهِ، فإنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن قِلَّةِ صيامِها وصَدقَتِها وصَلاتِها، وإنَّها تَتَصدَّقُ بالأَثوارِ مِن الأَقِطِ، وَلا تُؤذي جيرانَها بِلسانِها؟ قال: هيَ في الجنَّةِ. صححه الألباني في صحيح الترغيب

 ألَا فاتقوا اللهَ -عباد الله- واعلموا أنَّ الرابح مَنْ طهَّر قلبَه من الحقد والحسد ، وكفَّ لسانَه عن الأذى، إنْ تكلم فبخير أو سكت ، قال ﷺ: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت ))

وليحذر كل منا ألا يبيت بسببه مسلمٌ يكابد الألم والضيم من كلمة آذته أو عبارة آلمته

وتحلَّلوا من كل من بَخَسْتُمُوه حقَّه قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم؛ فالأمرُ جِدٌّ خطيرٌ.

إلى ديَّان يوم الدين نمضِي *** وعند الله تجتَمِعُ الخُصوم

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ..

 الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا كما أَمَرَ، وأصلِّي وأسلِّم على عبده ورسوله خير البشر.

 أما بعدُ: فاتقوا الله -عباد الله-، واعلموا أنَّ ثمة صدقة عظيمة تنفع المسلمَ وترفعه في الدنيا والآخرة، صدقةً لا تحتاج منه إلى مال، وهي أن يكف أذاه عن الآخَرين، قَالَ ﷺ : "تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ" (مُتَّفَقٌ عليه).

 ثم اعلموا يا مسلمون أن الجزاء من جنس العمل ، فإن من تسلط على الناس بالأذى سلط الله عليه من يؤذيه ، فقد كال تعالى " ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله"

 فالحذرَ الحذرَ -يا مسلمون- من مغبَّة إيذاء الآخرين وإيلامهم ، وإلحاق الضرر بهم؛ فإنَّ ذلك من العمل الخبيث الماحق، الذي يجلب الإثمَ المبينَ، والعذابَ المهينَ، قال الله في محكم التنزيل:  وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا

قال سفيانُ الثوريُّ -رحمه الله-: "إنك أن تلقَى الله -عز وجل- بسبعين ذنبًا فيما بينَكَ وبينَه؛ أهونُ عليكَ مِنْ أَنْ تلقاهُ بذنبٍ واحدٍ فيما بينَكَ وبينَ العبادِ".

يا ظالمًا جارَ فيمن لا نصيرَ له *إلا المُهيمِنُ لا تغترَّ بالمهَلِ

غدًا تموت ويقضِي الله بينكُما * بحِكمة الحقِّ لا بالزيغِ والحِيَلِ

ألا فاتقوا الله أيها المسلمون وكفوا الأذى ، ولا تجرحوا المشاعرَ، بل أدخلوا عليهم السرور ، واجبروا الخواطرَ

وقديماً قالوا: "من سَارَ بينَ النَّاسِ جابرًا للخَواطرِ أدركَه اللهُ في جَوفِ المَخاطرِ".

 اللهمَّ اهدِنا لأحسنِ الأخلاقِ لا يهدي لأحسنِها إلا أنتَ، واصرفْ عنَّا سيئَها لا يصرفُ عنا سيئَها إلا أنتَ.

 هذا وصلوا -رحمكم الله-، على خير البرية، وأزكى البشرية، فقد أمركم الله بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِكْ على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 اللهم أَعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا ربَّ العالمينَ

اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه، من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وفِّقْه ووليَّ عهده لِمَا فيه صلاح البلاد والعباد

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، ونسألك اللهم نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك اللهم لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، يا ذا الجلال والإكرام.  رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

 
 
 
المشاهدات 540 | التعليقات 0