وهزم الأحزاب وحده
د فهد بن محمد السعيد
وهزم الأحزاب وحده
الحمد لله، الحمد لله حمدًا يتوالى، ونعمةُ الحمد منه وله سبحانه وتعالى، يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، سجدت له الأكوان إذعانًا وإجلالاً، أسبغ علينا نعمه مِنَّةً منه وإفضالاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عليها نحيا ونموت، وبها نرجو بها النجاة يوم الحساب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هدانا الله به من الضلالة، وأنقذنا به من العبودية إلا لله، أكرمُ الخلق على ربه، وأزكاهم نفسًا وخُلقًا وجمالاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يسعى نور المؤمنين بين أيديهم ويتلالا.
أمّا بعد:
فإن أعظمَ الوصايا وأفضلَ الهدايا، التذكيرُ بالتقوى، فإن التقوى هي العُدّةُ في المُلِمّات، وهي النجاةُ في المُدْلَهمات، وهي الفوزُ الحقيقي عند رب الأرض والسموات (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).
عباد الله: في القرآن الكريم حدثٌ في غاية العجب، وواقعة يذهب من هولها العقلُ والأَرَبُ، وموقفٌ في غاية الأَدب، حادثةٌ كأنها تَحكي واقِعَنَا، وتَصِفَ عَصْرنا.
إنها غزوة الأحزاب التي وقعت أحداثها في شهر شوال من السنة الخامسةِ من الهجرة النبوية.
في حادثةٍ ذَكَرَها القرآن، وأبْدَعَ في وصف أحداثها، فقال تعالى: (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌۭ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا وَجُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ٩ إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠ هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا۟ زِلْزَالًۭا شَدِيدًۭا ١١).
وكان من نبأ هذه الغزوةِ أنّ نَفَراً من اليهود من الذين حَزَّبوا الأحزابَ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خَرجوا حتى قَدِموا على قريشٍ في مكة، فَدَعَوهم إلى حَرْبِ رسول الله، وقالوا: إنّا سنكون معكم عليه حتى نَسْتَأْصِلَه. فقالت لهم قريشٌ: يا معشرَ يَهود، إنكم أهلُ الكتاب الأول والعلمِ بما أصبحنا نَخْتَلِفُ فيه نحن ومحمدٌ، أَفَدِينُنا خيرٌ أم دِينُه؟ قالوا: بل دينكُم خيرٌ من دِينه، وأَنتم أَوْلى بالحق منه.
وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَـٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا)
فلما قالوا ذلك لقريش سَرَّهم ونَشِطوا لما دَعوهم إليه من حرب رسولِ الله واتَّعَدوا له.
ثم خرج أولئك النفرُ من يهودَ حتى جاءوا غَطَفانَ وهم من قبائل الجزيرة العربية المشهورة، فدعوهم إلى حرب رسولِ الله، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأنّ قريشاً قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فَخَرَجَت قريشٌ وقائدُها أبو سفيان بنُ حَرب، وخَرَجَت غَطَفان وقائدُها عُيَيْنَةُ بنُ حِصْن الفَزَاري وغيرُهم.
فلما سَمِعَ بهم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وما أجمعوا لهم من الأمر جمع الناس وأخبرهم بالأمر واستشارهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق فأعجب ذلك المسلمين، فضَرَبَ رسول اللهِ الخَنْدَقَ على المدينة فعَمِلَ فيه وعَمِلَ معه المسلمون فيه، فَدَأَبَ فيه ودَأَبوا، وأبطأ عن العمل رِجالٌ من المنافقين، يعتذرون بالضعف، ويتسللون إلى أهليهم بغير علمٍ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا إذنٍ، وهؤلاء يصدق فيهم قوله تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)
وأما المؤمنون فإذا نابت أحدهم نائبةٌ من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذنُ له، فإذا قَضَى حاجته رَجَع إلى ما كان فيه من عمله رغبةً في الخير واحتساباً للأجر؛ فأنزلَ الله في أولئك المؤمنين: (إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُوا۟ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمْرٍۢ جَامِعٍۢ لَّمْ يَذْهَبُوا۟ حَتَّىٰ يَسْتَـْٔذِنُوهُ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ فَإِذَا ٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ).
ولما فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الخَنْدق أَقْبَلَت قُريشٌ حتى نَزَلَت قريباً من المدينة، في عَشَرةِ آلافٍ من أَحابيشهم ومَن تَبِعَهم من بني كنانةَ وأهلِ تِهامة، وأقبلت غَطَفانُ ومَن تبعهم من أهل نجد حتى نَزَلوا بجانبِ أُحد، وخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون في ثلاثة آلافٍ من المسلمين فَضَرَبَ عَسْكَره، وجَعَلَ الخَندقَ بينه وبين القوم، وأَمَرَ بالذراري والنساءِ فجُعلوا في الحُصون حِفاظاً عليهم.
وإمعاناً في المكر خَرَج عدوُّ اللهِ حُيي بنُ أَخْطب اليهودي -وهو والد صفيةَ أُمِّ المؤمنين- حتى أَتَى كعبَ بنَ أَسَد القُرظي من قريظة من اليهود، وكان كعبٌ هذا قد عاهد رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- عن قومه، وعاقده على ذلك، فلم يَزل حُييٌ بكَعْبٍ يُقْنِعُه ويُلحُّ عليه بنقض عهده مع رسول الله لينضم إليه، حتى أعطاه عهداً وميثاقا: لَئن رَجَعَتْ قُريشٌ وغَطَفانُ ولم يصيبوا محمداً أَنْ أَدْخلَ معك في حِصنك حتى يُصيبني ما أَصَابك، فَنَقَضَ كَعْبُ ابنُ أسدٍ عَهْده مع رسول الله، وبرئ مما كان بينه وبينه.
وهنا، وفي هذا الوقت العصيب والحالةِ الحرجة عَظُمَ البلاءُ على المسلمين، واشْتَدَّ الخوفُ، وأَتاهم عدوُّهم من فوقهم ومِن أًسْفلَ منهم، حتى ظنَّ المؤمنون كلَّ ظن، ونَجم النفاق وأظهر المنافقون ما كانوا يُخفون، حتى قال بعضُهم: كان محمدٌ يَعِدُنا أنْ نَأكل كُنوزَ كِسرى وقيصر، وأحدُنا اليومَ لا يأْمَن على نفسه أنْ يذهب إلى الغائط! وحتى قال بعضهم: يا رسولَ الله، إنّ بيوتنا عَورةٌ من العدو، فأذنْ لنا أنْ نَخرجَ فنرجعَ إلى دارنا، فإنها خارجَ المدينة.
فأقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأقام عليه المشركون بضعاً وعشرين ليلة، قريبا من شهر، لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرَّمْيَ بالنَّبلِ والحِصار.
وفي هذه الأثناء وبينما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون في هذه الحال، من الهم والكرب الذي وصَفَه الله بأَدَقِّ وَصْفٍ وأَبْلغه حيث قال (وإذْ زَاغَتِ الأَبْصَاَرُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ)، وَوَصَفَه فقال: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونُ وَزُلْزِلُوا زِلْزَلاً شَدِيداً).
اللهم بارك لنا في القرآن والسنة وانفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه ثم توبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله وحده، أنزل الكتاب، وأجرى السحاب، ونَصَرَ عبدَه الأوّاب، وهَزَمَ الأحزاب، والصلاةُ والسلامُ على نبينا محمدٍ الذي أُوتيَ الحكمةَ والسدادَ والصواب، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والسَّبق في جميع الأبواب.
أما بعد:
وفي خِضَمّ البلاءِ، ومن قلبِ الحِصار يجيءُ نصرُ الله من فوقِ سبع سماواته، وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا.
وأول بوادر النصر حين جاء نُعيمُ بنُ مَسعودٍ الغَطَفانيُّ رضي الله عنه إلى النبيِّ مُسلمًا، فقال: يا رسولَ اللهِ إني قد أَسْلَمتُ وإن قومي لم يَعلموا بإسلامي فَمُرْني بما شِئت، فقال له رسول الله: إنِ اسْتَطَعْتَ أنّ تُخذِّل عنّا الناس فافعل، فأَتَى نُعيمُ بنُ مَسعود إلى بني قريظة؛ فأشار عليهم أنْ لا تقاتلوا مع قريشٍ وغَطفانَ حتى تأخذوا منهم رَهائنَ تَسْتَوثقون بهم، فصوَّبوا رأيه، ثم أَتى أبا سفيان فأعلمه أن قريظةَ قد عَزَمَت على أنْ تأخذَ رهائن منكم تُسلمهم إلى محمَّد، وحذّرهم أنْ يَدْفعوا إليهم الرهائن، ثم أَتى غطفانَ فقال لهم مثلَ ذلك، فوقع بين القوم، وأَيسَ بعضُهم من بعض.
فانظر إلى هذا الرجل كيف نَفَعَ اللهُ به نفعًا عظيمًا وهو حديثُ عهدٍ بالإسلام، ولكن المؤمِن يعمل لله في كلِّ حال بما يستطيع ولو كان وحيدًا.
وبَعَثَ اللهُ في هذه الغزوة آيةً عظيمةً من آياته، حيث سَلّط على الكفار رِيحاً شديدةً في ليلةٍ شاتيةٍ باردةٍ مُظْلِمة، فَجَعَلَت تُقلِب القدورَ وتَطْرحُ الخيام، وتُقلِّبُ عليهم الحِجارة، وأظْلم الجَوُّ عليهم، فكان أَحدُهم لا يعرف راحلته، حتى انْقَفَلوا مُنهزمين.
يقول حُذيفةُ رضي الله عنه وهو يصف تلك الريحَ: لقد رأيتُنا ليلةَ الأحزاب وأبو سفيانَ والأحزابَ فوقَنا، واليهودَ أسفَل منّا، نَخَافهم على ذَرارِينا، وما أتَت علينا قطّ ليلةٌ أشدّ منها ظلمةً ولا أشدّ ريحًا، في أصواتِ ريحُها أمثالُ الصواعق، وهي ظلمةٌ ما يَرى أحدُنا أُصْبُعَه، يقول: فسمعتُ المشركينَ يقولون: الرحيلَ الرحيلَ لا مُقام لكم، وإذا الريحُ في عسكرهم، فوالله إني لأسمع صوتَ الحجارة في رحالهم وفُرشِهم، والرّيحُ تضربهم بها، وهذا معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا).
وأما رسول الله فأمره في غاية العجب، كان قائماً يُصلّي ويدعوا ويَستنصر ربه ويقول: (اللهمّ منزِلَ الكتابِ سريعَ الحساب اهزِم الأحزابَ، اللهمّ اهزِمهم وزلزلهم)
وهذا أعجبُ ما يكون في التعلق بالله واللجوءِ إليه في أشق الأحوال وأشدها، وهو في الوقت ذاته دَرسٌ للمؤمنين في كل زمان ومكان، أنْ يُدركوا أن الأسبابَ لوحدها لا تُغني شيئاً عن تدبير الله وتوفيقه (وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ) (وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ)
وفي هذه الساعة تَفرّق الأحزابُ، وعادَت قريش كما عادَت غَطفان، لم ينالوا خيرًا، كما انقلَب اليهودُ بخيانَتِهم وخَيبتهم، وقال النبيّ: (الآن نَغْزوهم ولا يغزونا)، وهكذا كان نصر الله وتأييده لأوليائه حتى فتَح الله مكّةَ.
أيها المسلمون: تُعلمنُا هذه الغزوةُ أنَّ سُنّةَ اللهِ جاريةٌ قديمًا وحديثًا، وأنّ غُربةُ الدين وضَعفَ المسلمين لا ينبغي بحالٍ أن يقودَا إلى الإحباط وخَورِ النّفوس، بل يجب أنْ يكونَ دافعًا للصبر والبذل والثّبات حتى يأذَنَ الله تعالى بالفَرَج.
تعلمنا غزوةُ الأحزاب أنّ الكفارَ مهما كانوا، مِلةٌ واحدة، بعضُهم أولياءُ بعضهم، فاليهود والنصارى والمشركون كلُّهم أعداءٌ لهذا الدين وإنْ اختلفوا فيما بينهم إلا أنهم في صَفٍّ واحدٍ على المسلمين، (وَدُّوا مَا عَنِتْم قَدْ بَدَتْ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهم أَكْبر).
اللهم منزل الكتاب وهازم الأحزاب اهزم الأحزاب جميعا الذين تحزبوا على المسلمين وآذوهم وظلموهم واضطهدوهم.
اللهم عليك بالمعتدين الظالمين من اليهود والنصارى والرافضة والمنافقين.
اللهم انج ضعفة المسلمين في كل مكان واكتب لهم النصر والتمكين يا رب العالمين.
واجعل بلدنا آمناً مطمئنا وسائر بلاد المسلمين.
المرفقات
1775838860_وهزم الأحزاب وحده.docx
1775838860_وهزم الأحزاب وحده.pdf