يوم عرفة ويوم النحر والأضحية

أحمد بن علي الغامدي
1447/12/04 - 2026/05/21 18:38PM

أما بعد :فَلَا زِلْنَا نَتَفَيَّأُ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْنَا فِي عَشْرٍ هِيَ أَعْظَمُ أَيَّامِ العَامِ، وَإِنَّ مِنَ العَشْرِ لَيَوْمَيْنِ هُمَا الأَعْظَمُ فِيهَا قَدْرًا، يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ.

فَأَمَّا يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "الشَّاهِدُ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَالمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ".

 

عِبَادَ اللَّهِ: يَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ يَوْمُ كَمَالِ الدِّينِ، وَتَمَامِ النِّعْمَةِ، فَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:﴿ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا ﴾.

 

ويَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ عِيدٍ لِلْمُسْلِمِينَ،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ".

 

ويَوْمُ عَرَفَةَ هو يَوْمُ المُبَاهَاةِ بِأَهْلِ المَوْقِفِ،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا".

 

ويَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ يَوْمُ العِتْقِ مِنَ النَّارِ،رَوَى مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ المَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟".

 

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"ويَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ يَوْمُ العِتْقِ مِنَ النَّارِ، فَيُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ، فَلِذَلِكَ صَارَ اليَوْمُ الَّذِي يَلِيهِ عِيدًا لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ فِي أَمْصَارِهِمْ، لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي العِتْقِ وَالمَغْفِرَةِ".

 

وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَقَدْ تَكُونُ الرَّحْمَةُ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَى الحُجَّاجِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: تَنْتَشِرُ بَرَكَاتُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الأَعْذَارِ، فَيَكُونُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَحَظٌّ مَعَ مَنْ شَهِدَ ذَلِكَ الموقف".  

 

 عِبَادَ اللَّهِ: إِذَا كَانَ الحجاجُ قَدْ ظَفِرُوا بِالوُقُوفِ بعَرَفَةَ، فَإِنَّ لِأَهْلِ الأَمْصَارِ صَوْمَ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ،وَصَوْمُهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ،كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ".

 

 فاجْتَهِدُوا – عِبَادَ اللَّهِ – فِي هَذَا اليَوْمِ بِالدُّعَاءِ،فَإِنَّ لِلصَّائِمِ دَعْوَةً لَا تُرَدُّ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".  فاجعلْ يومَكَ يومَ حمدٍ وتمجيدٍ، وأكثرْ من الثناءِ على ربِّكَ بين يدي دعائِكَ؛ فإنَّ الثناءَ مفتاحُ القبولِ، واللهُ يحبُّ الحمدَ، قال النبيُّ ﷺ: «وليس أحدٌ أحبَّ إليه المدحُ من اللهِ سبحانه». وفي حديث فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ  رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: عَجِلَ هَذَا ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاء".  رواه الإمام أحمد .

فمن قدّمَ بين يدي دعائه حمدًا وثناءً وتمجيدا طويلًا ، وأكثرَ في دعائه من الصلاة على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم،: كان أقربَ إلى أن تُفتحَ له أبوابُ الرجاءِ، وتُستجابَ له الدعواتُ.

أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنَ المُسْلِمِينَ،وَأَنْ يَكْتُبَ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَأَهْلِينَا الرَّحْمَةَ من لدنه وَالمَغْفِرَةَ من عنده وَالعِتْقَ مِنَ النَّارِ بمنه وفضله وبره، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

عباد الله : أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية :

​أما بعد: فَإنّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ الفَاضِلَةِ، فِي هَذِهِ العَشْرِ المُبَارَكَةِ، هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ؛ وَهُوَ يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَوْمُ النَّحْرِ».

 

​وَمِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَأَقْرَبِ القُرُبَاتِ الزَّاكِيَةِ فِيهِ: ذَبْحُ الأُضْاحِي؛ طَاعَةً لِرَبِّ العَالَمِينَ، فإنّها سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَشَعِيرَةٌ مُعَظَّمَةٌ فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَيْهَا وَالمُسْتَطِيعِ لَهَا.

عِبَادَ اللَّهِ:اعْلَمُوا أَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِاخْتِيَارِ أَحْسَنِ الأَضَاحِي وَأَكْمَلِهَا، وَانْتِقَاءَ أَجْوَدِهَا وَأَنْفَسِهَا؛ هُوَ مِنْ ِ َعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ الَّذِي يَدُلُّ دَلَالَةً صَادِقَةً عَلَى تَقْوَى القُلُوبِ

​وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامةَ بنِ سَهْلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-:(كُنَّا نُسَمِّنُ الأُضْحِيَّةَ بِالمَدِينَةِ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ).

​وَلِأَجْلِ هَذَا قَرَّرَ العُلَمَاءُ: «أنّ الأُضْحِيَة كلما كانت أَكْمَلَ فِي صِفَاتِهَا، وَأَتَمَّ فِي خِلْقَتِهَا، فَهِيَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَعْظَمُ أَجْرًا لِصَاحِبِهَا».

 لَكِنْ لِيَعْلَمَ كُلُّ مُضَحٍّ أَنَّ المَدَارَ لَيْسَ عَلَى غلاءِ الأضحيةِ وشكلِها ، بَلْ عَلَى القُلُوبِ المُخْبِتَةِ؛ قال الله تعالى﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾. قال العلماءُ :فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ: حَثٌّ بَالِغٌ، عَلَى تحقيقِ الإِخْلَاصِ فِي الأُضْحِيَةِ، وَأَنْ يَكُونَ القَصْدُ وَالنِّيَّةُ وَجْهَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَا مُجَرَّدَ عَادَةٍ، وَلَا فَخْرًا، وَلَا رِيَاءً، وَلَا تَسْمِيعًا وتحدثا بِثَمَنِهَا أَوْ نَوْعِهَا أَوْ حَجْمِهَا أو وزنِها.

 

​   أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَ الحُجَّاجِ حَجَّهُمْ،وَمِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ ضَحَايَاهُمْ، وَمِنَ المُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ طَاعَاتِهِمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.

عباد الله : صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه

 

 

المرفقات

1779377912_يوم عرفة ويوم النحر والأضحية.doc

المشاهدات 648 | التعليقات 0