«سُورَةُ الحَجِ» ومشهد عرفه 5/ 12 / 1447هـ
د عبدالعزيز التويجري
الخطبة الأولى: «سُورَةُ الحَجِ» ومشهد عرفه 5/ 12 / 1447هـ
الحمد لله الكريم الوهاب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه أدعو وإليه مآب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله واصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى...
سورة عظيمة مبانيها ، بديعة معانيها ، عميقة دلائلها ، فيها أسرار مدهشة وتشبيهاً بليغا ..
ألفاظها كعقود الدرِ ساطعةٌ وآيها لظلام الجهل أقمارُ
رقت معانيهِا إذ دقت لطائِفهُا فأمعنت فيها ألبابُ وأفكارُ
سورة الحج ، سورةٌ مدنيةٌ ، وصفها الإمام القرطبي رحمه الله بأنها من أعاجيب السور.. نزلت ليلاً ونهارا ، سفراً وحضرا، مكيا ومدنيا، وسلميا وحربياً، ناسخا ومنسوخا، محكماً ومتشابها..
سورة الحج سميت بهذا الاسم تخليداً لدعوة إبراهيم n ، حين انتهى من بناء الكعبة ونادى الناس لحج بيت الله الحرام، وأسمع ندائه من في الأصلاب والارحام، فأجابوا النداء "لبيك اللهم لبيك"
سورةُ الحج سميت باسم ركن من أركان الإسلام "الحج" ولايُعرف لها غير هذا الاسم..
سورةُ الحج ، سورة عالجت القلوب.. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "في سورة الحج حال القلوب الأربعة، الأعمى، والمريض، والقاسي، والمخبتُ الحي".
سورةٌ الحج تجلي التوحيد في أعمق معانيه، والحج إنما شعاره التوحيد، ولأجل تحقيق التوحيد..
ولهذا تتكرر في السورة تعميق معاني التوحيد في مشاهد: الخلق والبعث {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى}
والسجود الكوني {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ}
وإبطال الشرك{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}
وذم التعلّق بغير الله {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ}
وتعظيم الشعائر {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}
وتوحيد الأعمال {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى}
فالسورة كلها تنتقل بالإنسان من ظواهر الأعمال إلى حقائقها الباطنة، ومن صورة العبادة إلى روحها من الإخلاص وتحقيق التقوى..
سورة الحج من أكثر السور إظهارًا لمعنى التعظيم التكبير، إذ الغاية الكبرى من المناسك هي ذكر الله، قال عليه الصلاة والسلام"إنما جُعِلَ الطوافُ بالبيتِ وبين الصَّفا والمروةِ ورمْيُ الجِمار لإقامةِ ذكرِ الله"والتكبير شعار الحج الظاهر.. وتكرار والتكبير وذكر الله في السورة يدل على أن حياة المؤمن كلها ينبغي أن تقوم على التعظيم والذكر والخضوع لله تعالى.
ومن دقائق عظمتها أنها جعلت الحج صورةً جامعةً لحقيقة العبودية والإخلاص لله، وتذكرةً للمعاد.. فابتدأت هذه السورة بآيات تُزلزل القلوب والوجدان، كما تُتزلزل الأرض المباني والجدران.. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}.
من أبدع المعاني التي كشفتها سورة الحج أنها تجعل من الحج صورةً مكثفة لحقيقة الإنسان في هذه الحياة؛ فكأن الدنيا كلها رحلة حج كبرى، والإنسان فيها مسافر إلى الله منذ لحظة ميلاده حتى لحظة لقائه، فكما يترك الحاج وطنه وقومه يحمل زادهمتجهًا إلى بيت الله، فكذا الإنسان يخرج إلى هذه الحياة في رحلة مؤقتة لا استقرار فيها، يحمل زاده من الإيمان والعمل، ويعبر محطات من التعب والخوف والرجاء والاختبار..
في الحج يمضي بطريقه حتى يصل إلى الميقات فيتجرد من ثيابه وزينته بلباس أبيض، فتسقط الفوارق وتظهر الحقيقة ،وكذلك رحلة العمر؛ إذ يمضي الإنسان في طريقه في هذه الحياة حتى يصل إلى ميقات ربه، فيُجرَد وتنزع ملابسه ويكفن بلفائف بيض، فيدرك أن القيمة الحقيقية ليست فيما يملك، بل فيما يحمله قلبه من صدق وإخلاصٍ وتقوى..
والحاج يطوف حول بيت واحد، وكذا حياة الإنسان كلها لا تستقيم إلا إذا كان الله هو الواحد الذي تدور حوله روح الإنسانوعبادته وأعماله وأحلامه.
ثم إن الحج مليء بالحركة والسعي والمشقة، وكذلك الحياة؛ فلا وصول بلا مجاهدة، ولا هداية بلا صبر، ولا صفاء بلا تضحية..
وكما يقف الحجيج في مشهد مهيب متشابهين في لباسهم وهيئتهم، يقف الناس يوم القيامة مجردين من كل شيء إلا من أعمالهم..
فالسورة كلها تنتقل بالإنسان من ظواهر الأعمال إلى حقائقها الباطنة، ومن صورة العبادة إلى روحها.
سورة الحج تُشعر القارئ بالهيبة، وكأنه يسير بين مشهدين عظيمين: مشهد الحجيج حول البيت وفي عرفات، ومشهد الخلق يوم الحشر؛ كلاهما تجردٌ، وزحامٌ، وافتقارٌ، ووقوفٌ بين يدي الله..
ولهذا كانت سورة الحج من أكثر السور كشفًا لحقيقة الإنسان؛ إذ ترده من غروره إلى أصله، ومن تفرقه إلى قبلته، ومن غفلته إلى مصيره.
ومن هنا تتجلى سورة الحج ، وكأنها تربط بين بداية الإنسان ونهايته، وبين سفره الأرضي وسفره الأبدي، لتقول له إنك في هذه الدنيا حاجٌّ عابر، وإن الغاية من الرحلة كلها أن تصل إلى الله بقلبٍ عرفه، وخضع له، وتطهّر في طريقه إليه..
إنها سورةٌ تُربّي القلب على أن الحياة كلها سفرٌ إلى الله، وأن النجاة ليست في كثرة ما يملك الإنسان، بل في صدق ما يحمله إلى الله من تقوى وخضوع وإنابة. ولذلك بقيت السورة تحمل
وتختم السورة هذا البناء العظيم بأن الهداية نفسها لا تُنال إلا بجهاد ومجاهدة، وأن طريق التوحيد ليس فكرة تُدرك، بل مسار يُسلك، ومجاهدة تُبذل، حتى يصل القلب إلى يقينٍ صافٍ لا يرى معه إلا الله، ولا يقصد إلا وجهه، ولا يسير إلا إليه.
قال الحسن رحمه الله: "إن الرجل ليجاهد في الله حق جهاده وما ضرب بسيف".. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ }. ونستغفرك اللهم من ذنوبنا، إنك أنت الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية : الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خير خلقه أجمعين ...
أيامُ المواسمِ مكرمةُ مفضلةٌ، وأوقاتُها مرفوعةٌ أعمالهَا متقبلةٌ..فبشراكم أيها المقيمون في الأمصارِ بمغفرةِ اللهِ لذنوبكم بصيامكم ليوم عرفة، ففي صحيح مسلم «وصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ»
ويوم عرفة خيرُ أيامِ اللهِ، وبلوغهِ منحةٌ ربانيةٌ و" مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ " أخرجه مسلم.
ولا ينزل الله في إلى السماء إلا في زمن عظيم ولم يثبت نزوله نهارا إلا يوم عرفة ، ولا أوسع من باب رحمته فيه ، والمحروم من لم يجد مدخلا.
أدنى ماتكون الجنة وأبعد ما تكون النار في عرفة، والمحروم من لم يجد عملا ينجيه، قال عليه الصلاة والسلام"ما من يوم أكثر من أيعتق الله فيه من النار من يوم عرفه"
في هذا اليومِ العظيم لا يُسألُ إلا الله، ولا يُرجى إلا إياه.. رأى سالمُ بنُ عبد اللهِ بنِ عمرَ سائلا يسألُ يومِ عرفة فقال: يا عاجز، في هذا اليوم تسأل غير الله؟
"وخَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَة". فلا تهنوا في الدعاء ولا يحقرنّ أحدُ في هذا اليومِ نفسَه فكمٍ أَشْعَث أغبر ذِي طمرين لَو أقسم على الله لَأَبَره.
فلله نفحات ولله رحمات، وخزائنه ملأى، بيده سبحانه وتعالى الخير كله، فناديه وأنت موقنٌ برحمتهِ، وأنك أفقر العباد إليه، وأغناهم به سبحانه وتعالى، ولُذْ ببابه جل جلاله مسترحماً مستعطفاً لله سبحانه وتعالى.
فكم من عتيق فيه كمل عتقه وآخر يستسعي وربك أكرم
«ومَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ أَصْغَرَ وَلَا أَذَلَّ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام .
فابتهلوا فيه إلى ربكم، وتضرعوا إلى مولاكم، ولاتشغلوا أهليكم بتجهيز الافطار وفرغوهم للقرب من الملك القهار ، ودعوا لانفسكموأهليكم وللمستضعفين والمنكوبين والمأسورين من المسلمين والمسلمات، ولتعج البيوتُ والمساجدُ، وليجأرَ الصغيرُ والكبيرُ والذكرُ والانثى، فإنّ الله يُحب فقر عباده وحاجتَهم إليه، ثم أحسنوا الظنّ بالله يغفرْ لكم ويجيب دعواتكم، قال عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: جِئْتُ إلَى سُفْيَانَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَهُوَ جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَعَيْنَاهُ تَهْمِلاَنِ، فَالْتَفَتُ إِلَيه فَقُلْتُ: مَنْ أَسْوَأُ هَذَا الْجَمْعِ حَالاً؟ قَالَ: الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يُغْفَرَ لَهُ.
قدموا بين يديكم توبة نصوحا " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات"
ثم يأتي بعد ذلك شُكْر المولى جل جلاله بتكبيرِ اللهِ وذكرهِ وشكرهِ،والتقرب إليه بذبح
الأضاحي سنة محمد r ، قال ابن عمر t أقامَ النبيُّ r بالمدينة عشرَ سنين يضحي كل سنة. أخرجه الامام احمد
والاضحية تجزئ عن الرجل واهل بيته، قال عَطَاءُ بْنَ يَسَارٍ : سَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ: كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ r ؟ فَقَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى.
والأضحية شُرعت لتحقيقِ التقوى، وَالْإِخْلَاصُ، ليس للمرآة والتندر والتصوير، وما يرتفع لله إلا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}.
اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم اللهم ارزقنا الإخلاص والقبول والإعانة على طاعتك وحسن الإقبال عليك ..
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وارض اللهم عن صحابته اجمعين وعمنا معهم برحمتك يا ارحم الراحمين .
اللهم آمنا في دورنا واصلح ولاة امورنا .....
7
المرفقات
1779375884_«سُورَةُ الحَجِ».docx
1779375885_«سُورَةُ الحَجِ».pdf