امتحان النعمة ، بين الأبرص والأقرع و الأعمى

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ الكريمِ المنَّانِ، الذي وسِعَتْ رحمتُهُ كلَّ شيءٍ، وعمَّتْ نعمتُهُ البرَّ والفاجرَ، أحمدُهُ سبحانهُ على ما أولى، وأشكرُهُ على ما أسدى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، الملكُ الديَّانُ، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، إمامَ المحسنينَ، وقدوةَ الشاكرينَ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومن سارَ على نهجِهِ إلى يومِ الدينِ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، فالتقوى هي وصيَّةُ اللهِ للأوَّلينَ والآخِرينَ، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.

أيُّها المسلمونَ: هذهِ الدنيا دارُ ابتلاءٍ واختبارٍ، يبتلي اللهُ بها عبادَهُ بالنِّعَمِ، ويبتليهم بالمِحَنِ؛ قال اللهُ: ﴿ونبْلوُكم بالشَّرِّ والخَيرِ فتنةً وإلينا تُرجَعُون﴾ فيبتليهم سبحانه لينظرَ كيف يعملونَ، وكيف يشكرونَ، وهل يعرفونَ الفضلَ لمن أنعمَ، أم يتقلَّبونَ في النعمةِ غافلينَ جاحدينَ.

وها هنا قصَّةٌ ليست كسائرِ القصصِ، قصَّةٌ تبدأُ ببلاءٍ ظاهرٍ، وتنتهي بكشفٍ باهرٍ لما في الصدورِ؛ إنَّها قصَّةٌ ساقها النبيُّ ﷺ لا لتُسمَعَ فحسبُ، بل لتُعاشَ في القلوبِ، ولتسألَ كلَّ واحدٍ منَّا:

إذا جاءتْكَ النعمةُ… فمَن تكونُ؟

وهذهِ القصَّةُ لثلاثةِ نفرٍ اشتركوا في الألمِ، ثمَّ افترقوا عندَ النعمةِ؛ فلم يكنِ الامتحانُ في فقرِهم حين ضاقتْ بهم الحياةُ، بل كان الامتحانُ يومَ انفتحتْ لهم أبوابُها! ثلاثةٌ مسَّتْهم الحاجةُ حتى قذرتْهم الأعينُ، ثمَّ مسَّتْهم رحمةُ اللهِ فصاروا أهلَ مالٍ وسعةٍ، وهنا… تبدأُ الحقيقةُ، وينكشفُ المستورُ.

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إنَّ ثلاثةً في بني إسرائيلَ: أبرصَ، وأقرعَ، وأعمى، أرادَ اللهُ أن يبتليَهم، فبعثَ إليهم مَلَكًا. فأتى الأبرصَ، فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟ قال: لونٌ حسنٌ، وجلدٌ حسنٌ، ويذهبُ عني الذي قد قذرني الناسُ. فمسحه، فذهب عنه قذرُه، وأُعطي لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا. قال: فأيُّ المالِ أحبُّ إليك؟ قال: الإبلُ، فأُعطي ناقةً عُشَراءَ، فقال: باركَ اللهُ لك فيها. وأتى الأقرعَ، فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟ قال: شعرٌ حسنٌ، ويذهبُ عني الذي قد قذرني الناسُ. فمسحه، فذهب عنه، وأُعطي شعرًا حسنًا. قال: فأيُّ المالِ أحبُّ إليك؟ قال: البقرُ. فأُعطي بقرةً حاملاً، فقال: باركَ اللهُ لك فيها. وأتى الأعمى، فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟ قال: أن يردَّ اللهُ إليَّ بصري، فأبصرُ به الناسَ. فمسحه، فردَّ اللهُ إليه بصره. قال: فأيُّ المالِ أحبُّ إليك؟ قال: الغنمُ. فأُعطي شاةً والدًا. فأُنتِجَ هذان، وولَّد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم. ثم إنه أتى الأبرصَ في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكينٌ، قد انقطعت بي الحبالُ في سفري، فلا بلاغَ لي اليومَ إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللونَ الحسنَ، والجلدَ الحسنَ، والمالَ، بعيرًا أتبلغُ عليه في سفري. فقال: الحقوقُ كثيرةٌ. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصَ يقذرك الناسُ، فقيرًا فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثتُ هذا المالَ كابرًا عن كابرٍ. فقال: إن كنتَ كاذبًا فصيَّرك اللهُ إلى ما كنتَ. وأتى الأقرعَ في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردَّ عليه مثل ما ردَّ هذا، فقال: إن كنتَ كاذبًا فصيَّرك اللهُ إلى ما كنتَ. وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجلٌ مسكينٌ، وابنُ سبيلٍ، قد انقطعت بي الحبالُ في سفري، فلا بلاغَ لي اليومَ إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردَّ عليك بصرك، شاةً أتبلغُ بها في سفري. فقال: قد كنتُ أعمى فردَّ اللهُ إليَّ بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فواللهِ لا أجهدُك اليومَ بشيءٍ أخذته لله.فقال: أمسك مالك، فإنما ابتُليتم، فقد رضي اللهُ عنك، وسخط على صاحبيك».

أيُّها المؤمنونَ: إنَّ أخطرَ ما في النعمةِ أنَّها لا تُظهرُ معدنَ الإنسانِ إلا بعدَ أن تُغمرَهُ؛ فربَّ فقيرٍ لو أُعطيَ لطغى، وربَّ مبتلى لو عوفيَ لنسيَ، وربَّ من ظننتَهُ شاكرًا، فإذا هو عندَ أوَّلِ اختبارٍ جاحدٌ!

تأمَّلوا – رحمكم اللهُ – كيف اجتمعَ الثلاثةُ في البلاءِ، ثمَّ تفرَّقوا في الوفاءِ؛ فبانَ الصادقُ من المدَّعي، والشاكرُ من الجاحدِ. فما الذي غيَّرَ القلوبَ؟ إنَّه الفرقُ بين قلبٍ عرفَ الفضلَ فشكرَ، وقلبٍ استكثرَ النعمةَ فأنكرَ.

باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعَنا بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، أقولُ ما سمعتم، وأستغفرُ اللهَ.

 

 

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ وكفى، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّهِ المصطفى، أمَّا بعدُ: فيا عبادَ اللهِ…

ليستْ هذهِ القصَّةُ مجرَّدَ حكايةٍ تُروى، بل مرآةٌ ترى فيها نفسَكَ، وتزنُ بها حقيقتَكَ؛ فهذانِ الأبرصُ والأقرعُ لم يجحدا المالَ فحسبُ، بل جحدا التاريخَ، وأنكرا الفقرَ، ومسحا من ذاكرتِهما أيَّامَ الضعفِ؛ فكانتِ العقوبةُ أن يُرَدَّا إلى ما كانا عليهِ، كأنَّ النعمةَ لم تمرَّ بهما يومًا!

أمَّا الأعمى، فكان بصرُ قلبِهِ أصدقَ من بصرِ عينِهِ، فلمَّا جاءَهُ السائلُ، لم يرَ فيه فقيرًا، بل رأى فيه امتحانًا من اللهِ، فقال كلمتَهُ الخالدةَ: «خذْ ما شئتَ، ودعْ ما شئتَ»، كأنَّما يقولُ: هذا المالُ ليس لي، إنَّما أنا فيه مُستخلَفٌ! يا لها من كلمةٍ تُكتَبُ بماءِ الذهبِ؛ لا لأنَّها سخيَّةٌ فحسبُ، بل لأنَّها صادقةٌ، خرجتْ من قلبٍ ممتلئٍ يقينًا، ومعترفٍ بالفضلِ لربِّهِ.  فهذا الأعمى صدقَ مع ربِّهِ فنجا؛ فأقرَّ بالنعمةِ، ونسبَ الفضلَ لله، وبذلَ بلا تردُّدٍ، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، وهداهُ اللهُ إلى البرِّ بصدقِهِ، قال ﷺ: «إنَّ الصدقَ يهدي إلى البرِّ»… فكان صدقُهُ نجاةً، وشكرُهُ رفعةً. وأمَّا الآخرانِ فكذبا، وجحدا، وبخلا، فكان الجزاءُ من جنسِ العملِ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾. فنسبةُ الفضلِ إلى اللهِ أصلُ النجاةِ، ومفتاحُ البركةِ، وهذا منهجُ الأنبياءِ؛ قال اللهُ عن نبيِّهِ سليمانَ: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.

ثمَّ تأمَّلوا – رحمكم اللهُ – كيف أنَّ الشكرَ يحفظُ النعمةَ ويزيدُها؛ فلمَّا شكرَ الأعمى، ثبتتْ عليهِ النعمةُ، ورضيَ اللهُ عنهُ، ﴿وإذْ تأذَّنَ ربُّكُم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ولئن كَفرْتُم إنَّ عَذَابي لشَدِيد﴾… وعدٌ لا يتخلَّفُ، وسُنَّةٌ لا تتبدَّلُ.  أمَّا أولئكَ… فقد طغتْ عليهم الغفلةُ، فنسوا أيَّامَهم، وجحدوا ماضيهم، وهنا مكمنُ البلاءِ: أن ينسى العبدُ فقرَهُ وحاجتَهُ إذا فتحَ اللهُ عليهِ! وقد قال الله عن إمام هؤلاء في جحد النعمة: قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾.

يا أهلَ الإيمانِ: ليس الشكرُ باللسانِ وحدَهُ، بل من أعظمِ صُوَرِهِ أن يظهرَ أثرُ النعمةِ على الجوارحِ طاعةً للهِ، واستعمالًا لها فيما يُرضيهِ؛ فقد قال ربُّكم: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾.

ثمَّ انظروا ــــ رحمكم اللهُ ــــ إلى ذلكَ السائلِ… لم يكنْ عابرَ حاجةٍ، بل كان بابًا من أبوابِ الابتلاءِ، يُختبَرُ به صِدقُ القلوبِ، وتُوزنُ به معاني الشكرِ، وفي الحديثِ القدسيِّ يقولُ اللهُ: «يا ابنَ آدمَ، استطعمتُكَ فلم تُطعِمْني». ففيهِ تنبيهٌ أنَّ المحتاجَ موضعُ نظرٍ من اللهِ، وميدانُ فوزٍ أو خِذلانٍ.

عبادَ اللهِ: إنَّ من أعظمِ البلايا أن تنسى بدايتَكَ، وأن تمحوَ من ذاكرتِكَ أيَّامَ ضعفِكَ؛ فإذا أغناكَ اللهُ، نسيتَ فقرَكَ، وإذا قوَّاكَ، نسيتَ ضعفَكَ، وإذا أعطاكَ، نسبتَ الفضلَ لنفسِكَ!

قال اللهُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ۝ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ۝ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللهَ ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾. فمن تمامِ الشكرِ: أن ترى النعمةَ من اللهِ، وأن تذكرَ حالَكَ قبلَها، وأن تجعلَها جسرًا إلى طاعةِ اللهِ، لا ستارًا يحجبُكَ عنهُ.

يا أهلَ الإيمانِ: تُحدِّثُنا هذهِ القصَّةُ أنَّ العطاءَ يكشفُ صدقَ القلبِ، وأنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى ما في أيدينا، بل إلى ما في قلوبِنا حين نُعطي؛ فقد قال نبيُّكم ﷺ: «إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم».

فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واشكروا نعمَهُ، واذكروا فضلَهُ، وأحسنوا كما أحسنَ اللهُ إليكم؛ فإنَّ من علاماتِ صدقِ الشكرِ، ومن أعظمِ أسبابِ رضا اللهِ: الإحسانُ إلى الخلقِ؛ قال اللهُ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

ثمَّ صلُّوا وسلِّموا على إمامِ الشاكرينَ، وقدوةِ الذاكرينَ، نبيِّنا محمدٍ؛ فاللهمَّ صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ، وباركِ اللهمَّ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ.

 اللهمَّ اجعلْنا لكَ شاكرينَ، لكَ ذاكرينَ، لكَ منيبينَ… اللهمَّ اجعلْنا شاكرينَ لنعمِكَ، مُثنينَ بها عليكَ، قابلينَ لها، وأتمِمْها علينا، اللهمَّ أوزِعْنا شكرَ نعمتِكَ التي أنعمتَ بها علينا، ووفِّقنا للعملِ الصالحِ الذي ترضاهُ، اللهمَّ أصلِحْ لنا قلوبَنا وأعمالَنا، ولا تكلْنا إلى أنفسِنا طرفةَ عينٍ…

المرفقات

1777518232_��امتحان النعمة، بين الأبرص والأقرع والأعمى�.pdf

1777518249_��امتحان النعمة، بين الأبرص والأقرع والأعمى�.docx

المشاهدات 609 | التعليقات 0