(خطبة) سلامة الصدر
خالد الشايع
الخُطْبَةُ الأُولَى ( سلامة الصدر ) 15 شوال 1447
الحمدُ للهِ الَّذِي طَهَّرَ قُلُوبَ أَوْلِيَائِهِ مِنَ الغِلِّ وَالحِقْدِ، وَزَكَّى نُفُوسَهُمْ بِالإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُزَكِّي الْقُلُوبَ وَيُصْلِحُ الْعِبَادَ: سَلَامَةَ الصَّدْرِ، وَنَقَاءَ الْقَلْبِ مِنَ الْأَحْقَادِ وَالْأَضْغَانِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ مَنَازِلِ الْإِيمَانِ، وَخُلُقٌ رَفِيعٌ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْجِنَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَيْ أَزَلْنَا مَا كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَدَاوَةٍ وَبَغْضَاءَ، فَصَارُوا إِخْوَانًا مُتَحَابِّينَ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ أَهْلِ الْإِيمَانِ:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠].
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ مِنْ أَفْضَلِ خِصَالِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ الْغِلَّ مِنْ أَخْطَرِ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ.
إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ سَلَامَةَ الْقَلْبِ سَبَبًا لِلْفَلَاحِ، فَقَالَ:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩].
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَيْ سَالِمٍ مِنَ الشِّرْكِ، وَمِنَ الْحِقْدِ وَالْغِلِّ وَسَائِرِ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ.
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
قَالَ السَّعْدِيُّ: هَذَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ زَوَالِ الْعَدَاوَةِ، وَتَحْصِيلِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ فَضْلُ كَظْمِ الْغَيْظِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ طَهَارَةِ الْقَلْبِ.
عِبَادَ اللَّهِ:
وَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يُبَيِّنُ فَضْلَ سَلَامَةِ الصَّدْرِ، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، ثُمَّ قَالَهَا ثَلَاثًا.
فَتَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، فَلَمْ يَجِدْ عَمَلًا كَبِيرًا، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي غِشًّا لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ.
فَقَالَ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ.
فَتَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ كَثْرَةُ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ زَائِدٍ، وَلَكِنَّهُ حَمَلَ قَلْبًا سَلِيمًا، فَبَلَغَ بِهِ الْجَنَّةَ.
وَأخرج مسلم في صحيحه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ…»
فَيُؤَخَّرُ الْمُتَشَاحِنَانِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، فَكَيْفَ يَرْجُو الْمَغْفِرَةَ مَنْ يَحْمِلُ الْبَغْضَاءَ فِي صَدْرِهِ؟!
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ:
• تَذَكُّرُ فَضْلِ الْعَفْوِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾. فالله يجازي العبد كما يعامل العبد الناس ، فمن أراد العفو فليعف عن الناس ، ومن أراد الستر فليستر على الناس .
• الدُّعَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ، كَمَا فِي آيَةِ الْحَشْرِ ، فإن الدعاء للمسلمين من علامات سلامة الصدر .
• تَرْكُ الْحَسَدِ، فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ ، فالحسد يدل على الغل الذي في القلب للمحسود .
• حُسْنُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ ، فحسن الظن يورث طهارة القلب ، ونقاء السريرة .
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: “مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ”.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: “مَا أُوتِيَ عَبْدٌ بَعْدَ الإِسْلَامِ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ قَلْبٍ سَلِيمٍ”.
ولهذا كان الناجي يوم القيامة ، هو من يأت بقلب سليم ، كما قال سبحانه ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم )
أَقُولُ قولي هذا واستغفر الله لِي وَلَكُمْ ⸻
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ لَيْسَتْ كَلَامًا يُقَالُ، بَلْ هِيَ مُجَاهَدَةٌ وَتَرْبِيَةٌ.
أخرج أحمد في مسنده كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ:
«وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي»
ولقد كان السلف رحمهم الله من أطهر الناس قلوبا ، لعلمهم بفضل سلامة الصدر ، ولقوة إيمانهم ، فلا يحسدون أحدا على دنيا أعاه الله إياها ، بل يدعون له بالبركة .
جاء أَنَّ أَبَا دُجَانَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قِيلَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ: مَا أَفْضَلُ عَمَلِكَ؟
قَالَ: “مَا كَانَ فِي قَلْبِي غِلٌّ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ”.
قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: “مَا حَسَدْتُ أَحَدًا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا”.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: “لَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْلَمَ لِلنَّاسِ”.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: “إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَكُونَ سَلِيمَ الصَّدْرِ، وَلَوْ حُرِمْتُ كَثِيرًا مِنَ النَّوَافِلِ”.
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: “مَا أَدْرَكْتُ مَنْ أَدْرَكْتُ بِكَثْرَةِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، وَلَكِنْ بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ”.
وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: “سَلَامَةُ الصَّدْرِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ”.
فَيَا عَبْدَ اللَّهِ:
• طَهِّرْ قَلْبَكَ قَبْلَ أَنْ تُطَهِّرَ ثيابك.
• اعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، فَالْعَفْوُ رِفْعَةٌ.
• ادْعُ لِمَنْ آذَاكَ، فَذَلِكَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.
وَاعْلَمُوا أَنَّ الْقُلُوبَ إِذَا سَلِمَتْ، صَلَحَتِ الْأُمَّةُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْقُلُوبِ السَّلِيمَةِ، وَالنُّفُوسِ الطَّاهِرَةِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ.
المرفقات
1775140873_خطبة عن سلامة الصدر.docx