لا غَفلةَ في زمن الانتباه واليقظة
سامي بن محمد العمر
لا غَفلةَ في زمن الانتباهِ واليقظة
5/12/1447
"إنهم لا يجدون على الخير أعواناً"...
ما أصدق هذه الجملة الواصفة لحال الأخيار في هذه الأيام!
فإن الجميع يتفق أن الله اختار له من أيام السنة عشرة أيام؛ عظَّمَها وفضَّلَها {وربك يخلق ما يشاء ويختار}، وجعل أحبَّ عملٍ يتُقربُ به إليه: ما أقبلَ به العبدُ فيها، وما فعله أثناءَها.
إنها عشرةُ أيام محملةٌ بالمنح والعطايا، والفضائل والهدايا.
إنها عشرٌ تنطوي على أسرارٍ عجيبةٍ وحِكمٍ بليغة:
1- منها: أن الله قد فرض الحج وهو يعلم سبحانه أن تلك البقاع المقدسة لن تحتوي بسعتها كل المسلمين القادرين على الحج في كل عام، وأن منهم من سيمنعه عذر ما، وهو يتقطع ألما ويذوب شوقا إلى البيت العتيق.
فعوَّضه ربه بهذه العشرِ ليزرع فيها ما يسره في القيامة أن يراه، ووعده بالمضاعفة والمزيد تطييبًا لخاطره، وإسكاناً لشوقه وألمه.
2- ومنها: أن العباداتِ على أنواع: قلبيةٍ وقوليةٍ وفعليةٍ بنوعيها: الماليِّ والبدني، وقد احتوت العشرُ - دون غيرها – على تلكَ الأنواعِ كلها:
ففيها مظاهر التوحيد وشعائر الذكر والتهليل والتحميد،
وفيها نوافل الصلاة والصيام،
وفيها بذل المال في الصدقات والأضاحي،
وفيها ما شمل بذل المال وجهد البدن: وهما الحج والعمرة.
3- ومنها: أن من طبيعة البشر عند قرب نهاية كل مشروع من مشاريع حياتهم أن يندموا على ما فرطوا في مقتبل أمرهم ويتمنوا أن لو عاد الزمان ليفعلوا ويفعلوا ... فكانت هذه العشر العظيمة في هذا الموقع بالذات من نهاية العام ... كآخر فرصة لتعويض ما فات، وتدارك ما بقي.
4- ومنها: أن مِن أهلِ الغفلة مَن ملأ طريقه إلى الآخرة بمئات المعوقاتِ والعقباتِ من الذنوبِ الماحقاتِ والمعاصي المهلكات ... فكان من رحمة الله له أن يُعطى مهلةً أخيرةً في كل عام، ليُزيل فيها معوقاتِ طريقه إلى الجنة: بالتوبةِ والإنابةِ والعملِ الصالح.
لكن العجب لا ينقضي ممن يظل غافلاً حتى في مواسم الانتباه، وينسى نفسه في زمن اليقظة، ويطلق لغفلته العَنان حتى يُقضى الأمر ويزول العُذر {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}
ويا سعادة من أفنوا غفلاتهم بالتذكر، وغلبوها بالتفكر؛ فأولئك هم المتقون:
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
إنهم المذكورون في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأصحابه:
((إنَّ من ورائِكُم أيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ على الجَمْرِ، للعامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أجْرِ خَمْسينَ رجلًا يَعمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُم)) قِيلَ: يا رسولَ اللهِ أجرُ خَمسينَ رجلًا مِنَّا أو منهم. قال: ((لا، بل أجرُ خَمسِينَ رجلًا منكُم))([1]).
وقد قيل في سبب ذلك: إنهم لا يجدون على الخير أعوانًا.
نسأل الله أن نكون منهم.
باك الله لي ولكم في القرآن العظيم....
الخطبة الثانية
أما بعد:
فقد أجمعت الأمة على أن يوم عرفة يومٌ عظيم من أيام الله تعالى، تغفر فيه الزلات وتقال فيه العثرات..
عن أم المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من يوم أكثرُ من أن يعتق الله فيه عبدا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟)).([2])
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده)) وفي رواية: وسئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: ((يكفر السنة الماضية والباقية))([3]).
فيا مِن أشغله العيش للدنيا حرصاً وجمعاً.. هذا يومٌ يجب أن يكون للآخرة، تُفرغ فيه القلوب من همومها، والأبدان من أشغالها، والأذهان من أفكارها.
هذا يوم حرثٍ للأعمال الصالحة وزرع، وطرقٍ لأبواب السماء بالدعاء وقرع.
هذا يومُ الخائفِ الذي أزعجه خوفُ الذنب وأقلقه، والمحبِ الذي ألهبه الشوق وأحرقه، والتائبِ الذي نصح لله في توبته وصدقه، والهاربِ الذي لجأ لباب الله وطرقه.
فكم في هذا اليوم من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه، ومن أسير للأوزار فكه وأطلقه([4]). فيا عباد الله:
إن السعداء في الآخرة من قدَّموا لأنفسهم وزرعوا، وعلى عرصات القيامة جنوا ثمار زرعهم وحصدوا.
فاجتهدوا في العمل الصالح في يوم عرفة، وألحوا على الله بالدعاء وطلب المغفرة، وأكثروا من التكبير والتهليل والذكر، وكونوا من الصائمين المتعبدين {إن رحمة الله قريب من المحسنين}
([1]) أخرجه أبو داود (4341)، والترمذي (3058)، وابن ماجه (4014) وهو في الصحيحة برقم 494.
([2]) مسلم (1348).
([3]) مسلم (1162).
([4]) ينظر: لطائف المعارف لابن رجب (ص: 287).
المرفقات
1779392127_لا غَفلةَ في زمن الانتباهِ واليقظة.pdf
1779392164_لا غَفلةَ في زمن الانتباهِ واليقظة.docx